تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ} (119)

116

119 { إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ . . . }

إلا المرحومين من أتباع الرسل ، الذين آمنوا بهم وصدقوهم ، واتبعوا ما أمروا به ، وتركوا ما نهوا عنه ، وقد مدح الله أتباع محمد صلى الله عليه وسلم بقوله : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ . . . } . ( الأعراف : 157 ) .

{ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } .

لقد خلقهم الله ومنحهم العقل والاختيار والإرادة ، وأرسل وأنزل الكتب ؛ ليختار الإنسان بكسبه ، واختياره الطريق الذي يريده ، ويتحمل مسئولية اختياره ، ولهذا الاختلاف خلقهم الله ؛ ليتمايزوا ويظهر الخبيث من الطيب .

وقال تعالى : { فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } . ( الأعراف : 30 ) .

{ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } .

أي : نفذ قضاء ربك ، وثبت حكمه ، الذي أكده وأقسم عليه بقوله : لأملأن جهنم من عصاة الجن ومن عصاة الإنس أجمعين .

حكمة إلهية

شاء الله تعالى أن يختلف الناس في منازعهم ومشاربهم ؛ حتى يعمر الكون ، ولو أحب الناس اسما واحدا أو بلدا وسطا واحدا ، أو مدينة معتدلة واحدة ؛ لضاق المكان بأهله .

ومن حكمة الله أن حبب كل إنسان في عمله ومسلكه حتى يعمر الكون ولو هجر الناس جميعا الحياكة ؛ لتعرى الناس ، ولو هجروا الفلاحة ؛ لجاع الناس ، ولو هجروا البناء ؛ لجلس في العراء ، وتلك حكمة إلهية أرادها الله حتى يتم إعمار الكون ، فيكون هناك الملوك والأمراء ورجال السياسة ، ورجال القانون والاجتماع والأدب ، ورجال الحرف من زراعة وصناعة وتجارة ، وأقوام متفوقون ممتازون وآخرون دون ذلك . 82

وشاء الله أن يختار أناس الهدى ويعملون الصالحات ، ويتسابقون في عمل الخير وإتباع هدى المرسلين ؛ حتى يكونوا أهلا للجنة والرضوان ، وشاء الله أن يختار أقوام الضلال والانحراف ، وأن يؤثروا العاجلة على الآجلة ، وأن يكونوا تابعين للشيطان في اقتراف المحرمات والبعد عن الطاعات ؛ وهؤلاء أهل للنار وغضب الجبار .

قال تعالى : { لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } . ( ص : 85 ) . وتكرر هذا المعنى في سورة الأعراف الآية 18 وسورة هود الآية 119 وهو يشير إلى عدالة الله تعالى فما أدخلهم النار ظلما ؛ ولكن ظلموا أنفسهم واتبعوا أهواءهم ، وساروا وراء الشياطين ؛ فجمع الله في جهنم أتباع إبليس من الجن والإنس ، قال تعالى : { من الجنة والناس وهم أتباع إبليس من الجن والإنس } .

من هدى السنة

وفي الصحيحين : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اختصمت الجنة والنار ، فقالت الجنة : مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم ، 83 وقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ، فقال الله عز وجل للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ، وقال للنار : أنت عذابي أنتقم بك ممن أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها ، فأما الجنة فلا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله لها خلقا يسكن فضل الجنة ، وأما النار فلا تزال تقول : هل من مزيد ، حتى يضع لها رب العزة قدمه ، فتقول : قط قط ، 84 وعزتك ! ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ} (119)

" إلا من رحم ربك " استثناء منقطع ، أي لكن من رحم ربك بالإيمان والهدى فإنه لم يختلف . وقيل : مختلفين في الرزق ، فهذا غني وهذا فقير . " إلا من رحم ربك " بالقناعة ، قاله الحسن . " ولذلك خلقهم " قال الحسن ومقاتل ، وعطاء ويمان{[8918]} : الإشارة للاختلاف ، أي وللاختلاف خلقهم . وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك : ولرحمته خلقهم ، وإنما قال : " ولذلك " ولم يقل ولتلك ، والرحمة مؤنثة لأنه مصدر ، وأيضا فإن تأنيث الرحمة غير حقيقي ، فحملت على معنى الفضل . وقيل . الإشارة بذلك للاختلاف والرحمة ، وقد يشارك ب " ذلك " إلى شيئين متضادين ، كقوله تعالى : " لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك{[8919]} " [ البقرة : 68 ] ولم يقل بين ذينك ولا تينك ، وقال : " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما{[8920]} " [ الفرقان : 67 ] وقال : " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا{[8921]} " [ الإسراء : 110 ] وكذلك قوله : " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا{[8922]} " [ يونس : 58 ] وهذا أحسن الأقوال إن شاء الله تعالى ؛ لأنه يعم ، أي ولما ذكر خلقهم ، وإلى هذا أشار مالك رحمه الله فيما روى عنه أشهب ، قال أشهب : سألت مالكا عن هذه الآية قال : خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير ، أي خلق أهل الاختلاف للاختلاف ، وأهل الرحمة للرحمة . وروي عن ابن عباس أيضا قال : خلقهم فريقين : فريقا يرحمه وفريقا لا يرحمه . قال المهدوي : وفي الكلام على هذا التقدير تقديم وتأخير ، المعنى : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ، ولذلك خلقهم . وقيل : هو متعلق بقوله " ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " [ هود : 103 ] والمعنى : ولشهود ذلك اليوم خلقهم . وقيل : هو متعلق بقوله : " فمنهم شقي وسعيد " [ هود : 105 ] أي للسعادة والشقاوة خلقهم .

قوله تعالى : " وتمت كلمة ربك " معنى " تمت " ثبت ذلك كما أخبر وقدر في أزله ، وتمام الكلمة امتناعها عن قبول التغيير والتبديل . " لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " " من " لبيان الجنس ، أي من جنس الجنة وجنس الناس . " أجمعين " تأكيد ، وكما أخبر أنه يملأ ناره كذلك أخبر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم{[8923]} أنه يملأ جنته بقوله : ( ولكل واحدة منكما ملؤها ) . خرجه البخاري من حديث أبي هريرة وقد تقدم .


[8918]:من ع، ا، و، ي.
[8919]:راجع ج 1 ص 448.
[8920]:راجع ج 13 ص 72.
[8921]:راجع ج 10 ص 343.
[8922]:راجع ج 8ص 353.
[8923]:من ع.