أعثرنا عليهم : أطلعنا عليهم الناس .
الساعة : يوم القيامة حين يبعث الله الخلائق جميعا للحساب .
الذين غلبوا على أمرهم : رؤساء البلد ، لأنهم هم الذين لهم الرأي في مثل هذا .
المسجد : معبد المؤمنين من تلك الأمة ، وكانوا نصارى على المشهور .
21- { وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن السّاعة لا ريب فيها . . . }
أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة .
فجعل الله تعالى هذه القصة ، لهؤلاء الفتية . وأطلع الناس على أمرها ؛ ليشاهدوا بأعينهم ، أن القادر على بعث هؤلاء الفتية بعد ثلاثمائة سنة وتسع ، بعد أن حفظت أجسامهم ، وبقيت على ما كانت عليه من الطراوة والشباب ، ثم رجعت بعدئذ تلك المشاعر والحواس إلى حالها ، وأطلقت النفوس من عقالها ، وأرسلت إلى تدبير أبدانها .
فالله القادر على إحياء أصحاب الكهف ؛ قادر على بعث الموتى ، وإحياء من في القبور للحشر والحساب والجزاء .
{ إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذنّ عليهم مسجدا } .
لقد كانوا يتنازعون في أمر القيامة ، فمن مثبت لها ومن منكر ؛ فجعل الله إطلاعهم على قصة أهل الكهف حجة للمؤمنين ، ودليلا على المنكرين .
{ فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم } .
أي : قال بعض الناس : ابنوا على باب كهفهم بنيانا ؛ ليكون علما عليهم .
{ ربهم أعلم بهم } . الله أعلم بحالهم وشأنهم ، وهذه الجملة يحتمل أن تكون من كلام الفريق الأول ، الذي رغب في بناية بنيان على باب الكهف . ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى ؛ فهو سبحانه أعلم من الجميع بحال أصحاب الكهف .
{ قال الذين غلبوا على أمرهم لنتّخذنّ عليهم مسجدا } .
أي : قال الفريق الآخر وهم الأكثرية الغالبية ، أصحاب الكلمة النافذة : { لنتخذنّ عليهم مسجدا } . أي : معبدا يصلي فيه الناس ، ويتعبدون ؛ تبركا بهؤلاء الفتية .
حارب الإسلام الوثنية والسجود لغير الله ، وخلص عقيدة المسلم من السجود لغير الله ، أو الاعتقاد بأن غير الله ينفع أو يضر . وفي الحديث الشريف : ( إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله . واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك . . . ) 18 .
وقد ذكر العلماء أن اتخاذ القبور مساجد ، منهي عنه أشد النهي ؛ حتى ذكر ابن حجر في كتابه ( الزواجر ) : أنه من الكبائر .
واستدل بالآية على جواز البناء على قبور للصلحاء ، واتخاذ مسجد عليها ، وجواز الصلاة في ذلك .
وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي ، في حواشيه على البيضاوي ، وهو قول باطل عاطل ، فاسد كاسد .
فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسُّرج )19 .
وزاد مسلم ( ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم مساجد ؛ فإني أنهاكم عن ذلك )20 .
وروى الشيخان عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . . . ) 21 .
وروى أحمد والشيخان والنسائي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أولئك ، إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات ؛ بنوا على قبره مسجدا أو صوّروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق يوم القيامة )22 .
وروى أحمد والطبراني ( إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ، ومن يتخذ القبور مساجد )23 .
وقد علق الشيخ أحمد مصطفى المراغي في تسير المراغي على هذه الآثار بقوله :
إلى غير ذلك من الآثار الصحيحة ؛ فليعتبر المسلمون بهذه الأخبار ، التي لا مرية في صحتها ، وليقلعوا عما هم عليه ؛ من اتخاذ المساجد في أضرحة الأولياء والصالحين ، والتبرك بها ، والتمسح بأعتابها ، وليعلموا أنها وثنية مقنعة .
وعود إلى عبادة الأوثان والأصنام على صور مختلفة . . . إلخ24 .
ولعل الشيخ أحمد المراغي قد بالغ في دعوته ، وتحمس أكثر مما ينبغي ، ورأى أننا بحاجة إلى دعوة المسلمين بالحسنى ، إلى هدى دينهم وسنة نبيهم .
وهذا الأمر يسير فيه الناس على طريقين مختفين :
فريق يبيح التوسل والوسيلة وزيارة مقابر الصالحين ، والدعاء عندها ، ويستشهد بآيات وأحاديث وآثار تؤيده .
وفريق يحرم زيارة المساجد ، التي فيها أضرحة للأولياء والصالحين ، ويحرم التبرك بها والتمسح ، ويعتبره وثنية مقنعة كما شاهدنا .
أرى أن هناك أولويات ؛ ينبغي أن يتلاقى عليها المسلمون ، مثل : الوحدة ، والجماعة ، والتعاطف ، والتعاون ، ثم يبحث الموضوع في إنصاف .
بمعنى : أن نعلم المسلمين آداب الزيارة للمساجد التي فيها أضرحة الصالحين ، فيزار المسجد وتُصلى تحية المسجد ثم يزار القبر في أدب ، وإيمان بالله ، واعتقاد أن صاحب القبر بشر ؛ انتقل إلى جوار الله ، وأن الدعاء يكون لله ، وأن الله هو النافع الضار ، وأن أحدا لا ينفع أو يضر إلا بإذن الله ؛ فنحن جميعا ندعو الله خصوصا في هذه الأماكن الطاهرة .
ومن شاء ألا يزور هذه المساجد ، بعدا عن شبهة الوثنية ؛ فله ذلك ونحترم وجهة نظره .
ومن شاء أن يزور هذه المساجد فله ذلك ؛ مع تأكيد طلبنا للزائرين أن روح الإسلام تأمر بإخلاص العبادة لله ، والتوجه الكامل إليه ، واليقين الجازم بأن الله وحده هو المقصود في العبادة والدعاء .
ونرى أخيرا أن الله تعالى يقبل من كل طرف من الطرفين حسن نيته وصدق توجهه .
وبهذا نقرب بين المسلمين ، ونحد من غلواء المتطرفين ، وسنجد أن أسباب التوافق أكثر بكثير من أسباب الخلاف والنزاع .
ومثل هذا القول ينطبق على كثير من الأمور التي تثار بين الشيعة والسنة ، والأباضية ، والوهابية ، والسنية ، والطرق الصوفية ، وغيرها .
حيث يتملك كل فريق بطرف من الموضوع ، ويبالغ في دعواه : أنه وحده صاحب الحق المطلق ؛ وبذلك يتم التخاصم والتنازع . ولو تأملنا ؛ لوجدنا رحمة الله تسع للجميع ، وأن أولويات ديننا تدعونا إلى لزوم الوحدة ، والتماسك ؛ عملا بقول علماءنا ؛ نتعاون جميعا على ما تفقنا عليه ، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه .
وفي تاريخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحياة الصحابة ، نماذج لتعدد وجهات النظر ، والتيسير ، وعدم إخراج المسلم من الملّة .
فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما قال : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ؛ فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة )25 ؛ من المسلمين : من تمسك بلفظ الحديث ، ومنهم : قال : المراد : أسرعوا إلى بني قريظة ، وصلى في الطريق ، وأقر النبي الفريقين .
ومثل ذلك من صلى بالتيمم ثم وجد الماء ، منهم : من أعاد الوضوء والصلاة ، ومنهم : من قال : صليت ولا أعيد ؛ وقال الرسول صلى الله عليه وسلم للثاني : ( صحت صلاتك ولا إعادة عليك ) وقال للأول : ( لك الأجر مرتين ) ، وفي الحديث الصحيح : ( يسروا ولا تعسّروا وبشروا ولا تنفروا )26 .
وقد حث القرآن الكريم على استخدام العقل والفكر والرأي ، ومدح الذين يستخدمون عقولهم وفكرهم ، وحذر القرآن من التقليد الأعمى بدون تبصر أو رؤية ، والأدلة الشرعية عندنا تعتمد على القرآن وهو كلي الشريعة وأصل أصولها ، وعلى السنة المطهرة وهي المصدر الثاني للتشريع ، وعلى الاجتهاد ويشتمل القياس والاستحسان وعمل الصحابة والعرف . والمقصود من الاجتهاد : بذل الفقيه الجهد في استثمار حكم شرعي لواقعة جديدة لم يرد بها نص ؛ والمجتهد يبذل جهده في تلمس الحكم الشرعي المناسب للواقعة وإذا أصاب ؛ فله أجران : أجر الاجتهاد ، وأجر الصواب ، وإذا أخطأ ؛ فله أجر واحد ، هو أجر الاجتهاد .
وقد تعدد المجتهدون من أئمة الفقه الإسلامي ، وكان بينهم التقدير والاحترام ، ومن كلامهم اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية .
والقرآن حافل بعرض وجهة النظر الأخرى ومناقشتها بكل تقدير وقد علمنا أدب النقاش والجدال .
قال تعالى : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن . . . } ( العنكبوت : 46 ) .
وقال سبحانه : { وقولوا للناس حسنا . . . } ( البقرة : 83 ) .
أتمنى أن يسود بين الأمة الإسلامية روح التفاهم والتقدير ، وتقديم الأولويات ، والتماس العذر للآخرين ، وتقديم الأهم على المهم .
إن أعداء الإسلام يتربصون بنا الدوائر ، ويحركون هذه العصبيات ؛ رغبة في تفتيت الجهود ، وتحريك الضغائن ، والقرآن طلب منا أن نفوّت عليهم أغراضهم ، وأن نعتصم بحبل الله وكتابه . نجد ذلك في الآيات ( 100-105 ) من سورة آل عمران ، وفي كثير من الآيات التي تحثنا على عدم الاختلاف وعلى عدم التنازع .
قال تعالى : { وأطيعوا الله ورسوله ولا تتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم . . . } ( الأنفال : 46 ) .
وروى البخاري : في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحاسدوا ، ولا تحاقدوا ، ولا تباغضوا ، وكونوا عباد الله إخوانا ؛ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره )27 .
إن المسلمين في أمس الحاجة إلى جمع الكلمة ، ووحدة الصفوف ، والتلاقي على الثوابت وهي كثيرة ، واحترام وجهة النظر الأخرى ، واستخدام الحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن . والله ولي التوفيق .
قوله تعالى : " وكذلك أعثرنا عليهم " أي أطلعنا عليهم وأظهرناهم . و " أعثر " تعدية عثر بالهمزة ، وأصل العثار في القدم . " ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم " " يتنازعون " يعني الأمة المسلمة الذين بعث أهل الكهف على عهدهم . وذلك أن دقيانوس مات ومضت قرون وملك أهل تلك الدار رجل صالح ، فاختلف أهل بلده في الحشر وبعث الأجساد من القبور ، فشك في ذلك بعض الناس واستبعدوه وقالوا : إنما تحشر الأرواح والجسد تأكله الأرض . وقال بعضهم : تبعث الروح والجسد جميعا ، فكبر ذلك على الملك وبقي حيران لا يدري كيف يتبين أمره لهم ، حتى لبس المسوح وقعد على الرماد وتضرع إلى الله تعالى في حجة وبيان ، فأعثر الله على أهل الكهف ، فيقال : إنهم لما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة ليأتيهم برزق منها استنكر شخصه واستنكرت دراهمه{[10479]} لبعد العهد ، فحمل إلى الملك وكان صالحا قد آمن من معه ، فلما نظر إليه قال : لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيانوس الملك ، فقد كنت أدعو الله أن يرينيهم ، وسأل الفتى فأخبره ، فسر الملك بذلك وقال : لعل الله قد بعث لكم آية ، فلنسر إلى الكهف معه ، فركب مع أهل المدينة إليهم ، فلما دنوا إلى الكهف قال تمليخا : أنا أدخل عليهم لئلا يرعبوا فدخل عليهم فأعلمهم الأمر وأن الأمة أمة إسلام ، فروي أنهم سروا بذلك وخرجوا إلى الملك وعظموه وعظمهم ثم رجعوا إلى كهفهم . وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدثهم تمليخا ميتة الحق ، على ما يأتي . ورجع من كان شك في بعث الأجساد إلى اليقين . فهذا معنى " أعثرنا عليهم " . " ليعلموا أن وعد الله حق " أي ليعلم الملك ورعيته أن القيامة حق والبعث حق " إذ يتنازعون بينهم أمرهم " . وإنما استدلوا بذلك الواحد على خبرهم وهابوا الدخول عليهم فقال الملك : ابنوا عليهم بنيانا ، فقال الذين . هم على دين الفتية : اتخذوا عليهم مسجدا . وروي أن طائفة كافرة قالت : نبني بيعة أو مضيفا{[10480]} ، فمانعهم المسلمون وقالوا لنتخذن عليهم مسجدا . وروي أن بعض القوم ذهب إلى طمس الكهف عليهم وتركهم فيه مغيبين . وروي عن عبدالله بن{[10481]} عمر أن الله تعالى أعمى على الناس حينئذ أثرهم وحجبهم عنهم ، فلذلك دعا الملك إلى بناء البنيان ليكون معلما لهم . وقيل : إن الملك أراد أن يدفنهم في صندوق من ذهب فأتاه آت منهم في المنام فقال : أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب فلا تفعل ، فإنا من التراب خلقنا وإليه نعود ، فدعنا .
وتنشأ هنا مسائل ممنوعة وجائزة ، فاتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها ، إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه ممنوع لا يجوز ؛ لما روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج . قال الترمذي : وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة حديث ابن عباس حديث حسن . وروى الصحيحان عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة ) . لفظ مسلم . قال علماؤنا : وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد . وروى الأئمة عن أبي مرثد الغنوي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها ) لفظ مسلم . أي لا تتخذوها قبلة فتصلوا عليها أو إليها كما فعل اليهود والنصارى ، فيؤدي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام . فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك ، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال : ( اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ) . وروى الصحيحان عن عائشة وعبد الله بن عباس قالا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم{[10482]} بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك{[10483]} : ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) يحذر ما صنعوا{[10484]} . وروى مسلم عن جابر قال : نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه . وخرجه أبو داود والترمذي أيضا عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وروى الصحيح عن أبي الهياج الأسدي قال : قال لي علي بن أبي طالب : ألا أبعثك{[10485]} على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته - في رواية - ولا صورة إلا طمستها . وأخرجه أبو داود والترمذي .
قال علماؤنا : ظاهره منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون لاطئة{[10486]} . وقد قال به بعض أهل العلم . وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على التسنيم ، ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم ، وذلك صفة قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما - على ما ذكر مالك في الموطأ - وقبر أبينا آدم صلى الله عليه وسلم ، على ما رواه الدارقطني من حديث ابن عباس . وأما ثعلبة البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيما وتعظيما فذلك يهدم ويزال ، فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة ، وتشبها بمن كان يعظم القبور ويعبدها . وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي أن ينبغي أن يقال : هو حرام . والتسنيم في القبر : ارتفاعه قدر شبر ، مأخوذ من سنام البعير . ويرش عليه بالماء لئلا ينتثر بالريح . وقال الشافعي لا بأس أن يطين القبر . وقال أبو حنيفة : لا يجصص القبر ولا يطين ولا يرفع عليه بناء فيسقط . ولا بأس بوضع الأحجار لتكون علامة ؛ لما رواه أبو بكر الأثرم قال : حدثنا مسدد حدثنا نوح بن دراج عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد قال : كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزور قبر حمزة بن عبد المطلب كل جمعة وعلمته بصخرة ، ذكره أبو عمر .
وأما الجائزة : فالدفن في التابوت ، وهو جائز لا سيما في الأرض الرخوة . روي أن دانيال صلوات الله عليه كان في تابوت من حجر ، وأن يوسف عليه السلام أوصى بأن يتخذ له تابوت من زجاج ويلقى في ركية{[10487]} مخافة أن يعبد ، وبقي كذلك إلى زمان موسى صلوات الله عليهم أجمعين ، فدلته عليه عجوز فرفعه ووضعه في حظيرة إسحاق عليه السلام . وفي الصحيح عن سعد ابن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي هلك فيه : اتخذوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا ، كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم .
اللحد : هو أن يشق في الأرض ثم يحفر قبر آخر في جانب الشق من جانب القبلة إن كانت الأرض صلبة يدخل فيه الميت ويسد عليه باللبن . وهو أفضل عندنا من الشق ؛ لأنه الذي اختاره الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم . وبه قال أبو حنيفة قال : السنة اللحد . وقال الشافعي : الشق . ويكره الآجر في اللحد . وقال الشافعي : لا بأس به لأنه نوع من الحجر . وكرهه أبو حنيفة وأصحابه ؛ لأن الآجر لإحكام البناء ، والقبر وما فيه للبلى ، فلا يليق به الإحكام . وعلى هذا يسوي بين الحجر والآجر . وقيل : إن الآجر أثر النار فيكره تفاؤلا ، فعلى هذا يفرق بين الحجر والآجر . قالوا : ويستحب اللبن والقصب لما روي أنه وضع على قبر النبي صلى الله عليه وسلم حزمة من قصب . وحكي عن الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل الحنفي رحمه الله أنه جوز اتخاذ التابوت في بلادهم لرخاوة الأرض . وقال : لو اتخذ تابوت من حديد فلا بأس به ، لكن ينبغي أن يفرش فيه التراب وتطين الطبقة العليا مما يلي الميت ، ويجعل اللبن الخفيف على يمين الميت ويساره ليصير بمنزلة اللحد .
قلت : ومن هذا المعنى جعل القطيفة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن المدينة سبخة{[10488]} ، قال شقران : أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر . قال أبو عيسى الترمذي : حديث شقران حديث حسن غريب .