تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا} (21)

المفردات :

أعثرنا عليهم : أطلعنا عليهم الناس .

الساعة : يوم القيامة حين يبعث الله الخلائق جميعا للحساب .

التنازع : التخاصم .

الذين غلبوا على أمرهم : رؤساء البلد ، لأنهم هم الذين لهم الرأي في مثل هذا .

المسجد : معبد المؤمنين من تلك الأمة ، وكانوا نصارى على المشهور .

21- { وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن السّاعة لا ريب فيها . . . }

جاء في تفسير ابن كثير :

أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة .

فجعل الله تعالى هذه القصة ، لهؤلاء الفتية . وأطلع الناس على أمرها ؛ ليشاهدوا بأعينهم ، أن القادر على بعث هؤلاء الفتية بعد ثلاثمائة سنة وتسع ، بعد أن حفظت أجسامهم ، وبقيت على ما كانت عليه من الطراوة والشباب ، ثم رجعت بعدئذ تلك المشاعر والحواس إلى حالها ، وأطلقت النفوس من عقالها ، وأرسلت إلى تدبير أبدانها .

فالله القادر على إحياء أصحاب الكهف ؛ قادر على بعث الموتى ، وإحياء من في القبور للحشر والحساب والجزاء .

{ إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذنّ عليهم مسجدا } .

لقد كانوا يتنازعون في أمر القيامة ، فمن مثبت لها ومن منكر ؛ فجعل الله إطلاعهم على قصة أهل الكهف حجة للمؤمنين ، ودليلا على المنكرين .

{ فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم } .

أي : قال بعض الناس : ابنوا على باب كهفهم بنيانا ؛ ليكون علما عليهم .

{ ربهم أعلم بهم } . الله أعلم بحالهم وشأنهم ، وهذه الجملة يحتمل أن تكون من كلام الفريق الأول ، الذي رغب في بناية بنيان على باب الكهف . ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى ؛ فهو سبحانه أعلم من الجميع بحال أصحاب الكهف .

{ قال الذين غلبوا على أمرهم لنتّخذنّ عليهم مسجدا } .

أي : قال الفريق الآخر وهم الأكثرية الغالبية ، أصحاب الكلمة النافذة : { لنتخذنّ عليهم مسجدا } . أي : معبدا يصلي فيه الناس ، ويتعبدون ؛ تبركا بهؤلاء الفتية .

التحذير من اتخاذ القبر مسجدا

حارب الإسلام الوثنية والسجود لغير الله ، وخلص عقيدة المسلم من السجود لغير الله ، أو الاعتقاد بأن غير الله ينفع أو يضر . وفي الحديث الشريف : ( إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله . واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك . . . ) 18 .

وقد ذكر العلماء أن اتخاذ القبور مساجد ، منهي عنه أشد النهي ؛ حتى ذكر ابن حجر في كتابه ( الزواجر ) : أنه من الكبائر .

قال الآلوسي في تفسيره :

واستدل بالآية على جواز البناء على قبور للصلحاء ، واتخاذ مسجد عليها ، وجواز الصلاة في ذلك .

وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي ، في حواشيه على البيضاوي ، وهو قول باطل عاطل ، فاسد كاسد .

فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسُّرج )19 .

وزاد مسلم ( ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم مساجد ؛ فإني أنهاكم عن ذلك )20 .

وروى الشيخان عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . . . ) 21 .

وروى أحمد والشيخان والنسائي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أولئك ، إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات ؛ بنوا على قبره مسجدا أو صوّروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق يوم القيامة )22 .

وروى أحمد والطبراني ( إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ، ومن يتخذ القبور مساجد )23 .

وقد علق الشيخ أحمد مصطفى المراغي في تسير المراغي على هذه الآثار بقوله :

إلى غير ذلك من الآثار الصحيحة ؛ فليعتبر المسلمون بهذه الأخبار ، التي لا مرية في صحتها ، وليقلعوا عما هم عليه ؛ من اتخاذ المساجد في أضرحة الأولياء والصالحين ، والتبرك بها ، والتمسح بأعتابها ، وليعلموا أنها وثنية مقنعة .

وعود إلى عبادة الأوثان والأصنام على صور مختلفة . . . إلخ24 .

ولعل الشيخ أحمد المراغي قد بالغ في دعوته ، وتحمس أكثر مما ينبغي ، ورأى أننا بحاجة إلى دعوة المسلمين بالحسنى ، إلى هدى دينهم وسنة نبيهم .

وهذا الأمر يسير فيه الناس على طريقين مختفين :

فريق يبيح التوسل والوسيلة وزيارة مقابر الصالحين ، والدعاء عندها ، ويستشهد بآيات وأحاديث وآثار تؤيده .

وفريق يحرم زيارة المساجد ، التي فيها أضرحة للأولياء والصالحين ، ويحرم التبرك بها والتمسح ، ويعتبره وثنية مقنعة كما شاهدنا .

وجهة نظر :

أرى أن هناك أولويات ؛ ينبغي أن يتلاقى عليها المسلمون ، مثل : الوحدة ، والجماعة ، والتعاطف ، والتعاون ، ثم يبحث الموضوع في إنصاف .

بمعنى : أن نعلم المسلمين آداب الزيارة للمساجد التي فيها أضرحة الصالحين ، فيزار المسجد وتُصلى تحية المسجد ثم يزار القبر في أدب ، وإيمان بالله ، واعتقاد أن صاحب القبر بشر ؛ انتقل إلى جوار الله ، وأن الدعاء يكون لله ، وأن الله هو النافع الضار ، وأن أحدا لا ينفع أو يضر إلا بإذن الله ؛ فنحن جميعا ندعو الله خصوصا في هذه الأماكن الطاهرة .

ومن شاء ألا يزور هذه المساجد ، بعدا عن شبهة الوثنية ؛ فله ذلك ونحترم وجهة نظره .

ومن شاء أن يزور هذه المساجد فله ذلك ؛ مع تأكيد طلبنا للزائرين أن روح الإسلام تأمر بإخلاص العبادة لله ، والتوجه الكامل إليه ، واليقين الجازم بأن الله وحده هو المقصود في العبادة والدعاء .

ونرى أخيرا أن الله تعالى يقبل من كل طرف من الطرفين حسن نيته وصدق توجهه .

وبهذا نقرب بين المسلمين ، ونحد من غلواء المتطرفين ، وسنجد أن أسباب التوافق أكثر بكثير من أسباب الخلاف والنزاع .

ومثل هذا القول ينطبق على كثير من الأمور التي تثار بين الشيعة والسنة ، والأباضية ، والوهابية ، والسنية ، والطرق الصوفية ، وغيرها .

حيث يتملك كل فريق بطرف من الموضوع ، ويبالغ في دعواه : أنه وحده صاحب الحق المطلق ؛ وبذلك يتم التخاصم والتنازع . ولو تأملنا ؛ لوجدنا رحمة الله تسع للجميع ، وأن أولويات ديننا تدعونا إلى لزوم الوحدة ، والتماسك ؛ عملا بقول علماءنا ؛ نتعاون جميعا على ما تفقنا عليه ، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه .

وفي تاريخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحياة الصحابة ، نماذج لتعدد وجهات النظر ، والتيسير ، وعدم إخراج المسلم من الملّة .

فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما قال : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ؛ فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة )25 ؛ من المسلمين : من تمسك بلفظ الحديث ، ومنهم : قال : المراد : أسرعوا إلى بني قريظة ، وصلى في الطريق ، وأقر النبي الفريقين .

ومثل ذلك من صلى بالتيمم ثم وجد الماء ، منهم : من أعاد الوضوء والصلاة ، ومنهم : من قال : صليت ولا أعيد ؛ وقال الرسول صلى الله عليه وسلم للثاني : ( صحت صلاتك ولا إعادة عليك ) وقال للأول : ( لك الأجر مرتين ) ، وفي الحديث الصحيح : ( يسروا ولا تعسّروا وبشروا ولا تنفروا )26 .

وقد حث القرآن الكريم على استخدام العقل والفكر والرأي ، ومدح الذين يستخدمون عقولهم وفكرهم ، وحذر القرآن من التقليد الأعمى بدون تبصر أو رؤية ، والأدلة الشرعية عندنا تعتمد على القرآن وهو كلي الشريعة وأصل أصولها ، وعلى السنة المطهرة وهي المصدر الثاني للتشريع ، وعلى الاجتهاد ويشتمل القياس والاستحسان وعمل الصحابة والعرف . والمقصود من الاجتهاد : بذل الفقيه الجهد في استثمار حكم شرعي لواقعة جديدة لم يرد بها نص ؛ والمجتهد يبذل جهده في تلمس الحكم الشرعي المناسب للواقعة وإذا أصاب ؛ فله أجران : أجر الاجتهاد ، وأجر الصواب ، وإذا أخطأ ؛ فله أجر واحد ، هو أجر الاجتهاد .

وقد تعدد المجتهدون من أئمة الفقه الإسلامي ، وكان بينهم التقدير والاحترام ، ومن كلامهم اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية .

والقرآن حافل بعرض وجهة النظر الأخرى ومناقشتها بكل تقدير وقد علمنا أدب النقاش والجدال .

قال تعالى : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن . . . } ( العنكبوت : 46 ) .

وقال سبحانه : { وقولوا للناس حسنا . . . } ( البقرة : 83 ) .

أتمنى أن يسود بين الأمة الإسلامية روح التفاهم والتقدير ، وتقديم الأولويات ، والتماس العذر للآخرين ، وتقديم الأهم على المهم .

إن أعداء الإسلام يتربصون بنا الدوائر ، ويحركون هذه العصبيات ؛ رغبة في تفتيت الجهود ، وتحريك الضغائن ، والقرآن طلب منا أن نفوّت عليهم أغراضهم ، وأن نعتصم بحبل الله وكتابه . نجد ذلك في الآيات ( ‍100-105 ) من سورة آل عمران ، وفي كثير من الآيات التي تحثنا على عدم الاختلاف وعلى عدم التنازع .

قال تعالى : { وأطيعوا الله ورسوله ولا تتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم . . . } ( الأنفال : 46 ) .

وروى البخاري : في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحاسدوا ، ولا تحاقدوا ، ولا تباغضوا ، وكونوا عباد الله إخوانا ؛ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره )27 .

إن المسلمين في أمس الحاجة إلى جمع الكلمة ، ووحدة الصفوف ، والتلاقي على الثوابت وهي كثيرة ، واحترام وجهة النظر الأخرى ، واستخدام الحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن . والله ولي التوفيق .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا} (21)

قوله تعالى : " وكذلك أعثرنا عليهم " أي أطلعنا عليهم وأظهرناهم . و " أعثر " تعدية عثر بالهمزة ، وأصل العثار في القدم . " ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم " " يتنازعون " يعني الأمة المسلمة الذين بعث أهل الكهف على عهدهم . وذلك أن دقيانوس مات ومضت قرون وملك أهل تلك الدار رجل صالح ، فاختلف أهل بلده في الحشر وبعث الأجساد من القبور ، فشك في ذلك بعض الناس واستبعدوه وقالوا : إنما تحشر الأرواح والجسد تأكله الأرض . وقال بعضهم : تبعث الروح والجسد جميعا ، فكبر ذلك على الملك وبقي حيران لا يدري كيف يتبين أمره لهم ، حتى لبس المسوح وقعد على الرماد وتضرع إلى الله تعالى في حجة وبيان ، فأعثر الله على أهل الكهف ، فيقال : إنهم لما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة ليأتيهم برزق منها استنكر شخصه واستنكرت دراهمه{[10479]} لبعد العهد ، فحمل إلى الملك وكان صالحا قد آمن من معه ، فلما نظر إليه قال : لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيانوس الملك ، فقد كنت أدعو الله أن يرينيهم ، وسأل الفتى فأخبره ، فسر الملك بذلك وقال : لعل الله قد بعث لكم آية ، فلنسر إلى الكهف معه ، فركب مع أهل المدينة إليهم ، فلما دنوا إلى الكهف قال تمليخا : أنا أدخل عليهم لئلا يرعبوا فدخل عليهم فأعلمهم الأمر وأن الأمة أمة إسلام ، فروي أنهم سروا بذلك وخرجوا إلى الملك وعظموه وعظمهم ثم رجعوا إلى كهفهم . وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدثهم تمليخا ميتة الحق ، على ما يأتي . ورجع من كان شك في بعث الأجساد إلى اليقين . فهذا معنى " أعثرنا عليهم " . " ليعلموا أن وعد الله حق " أي ليعلم الملك ورعيته أن القيامة حق والبعث حق " إذ يتنازعون بينهم أمرهم " . وإنما استدلوا بذلك الواحد على خبرهم وهابوا الدخول عليهم فقال الملك : ابنوا عليهم بنيانا ، فقال الذين . هم على دين الفتية : اتخذوا عليهم مسجدا . وروي أن طائفة كافرة قالت : نبني بيعة أو مضيفا{[10480]} ، فمانعهم المسلمون وقالوا لنتخذن عليهم مسجدا . وروي أن بعض القوم ذهب إلى طمس الكهف عليهم وتركهم فيه مغيبين . وروي عن عبدالله بن{[10481]} عمر أن الله تعالى أعمى على الناس حينئذ أثرهم وحجبهم عنهم ، فلذلك دعا الملك إلى بناء البنيان ليكون معلما لهم . وقيل : إن الملك أراد أن يدفنهم في صندوق من ذهب فأتاه آت منهم في المنام فقال : أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب فلا تفعل ، فإنا من التراب خلقنا وإليه نعود ، فدعنا .

وتنشأ هنا مسائل ممنوعة وجائزة ، فاتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها ، إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه ممنوع لا يجوز ؛ لما روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج . قال الترمذي : وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة حديث ابن عباس حديث حسن . وروى الصحيحان عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة ) . لفظ مسلم . قال علماؤنا : وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد . وروى الأئمة عن أبي مرثد الغنوي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها ) لفظ مسلم . أي لا تتخذوها قبلة فتصلوا عليها أو إليها كما فعل اليهود والنصارى ، فيؤدي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام . فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك ، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال : ( اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ) . وروى الصحيحان عن عائشة وعبد الله بن عباس قالا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم{[10482]} بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك{[10483]} : ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) يحذر ما صنعوا{[10484]} . وروى مسلم عن جابر قال : نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه . وخرجه أبو داود والترمذي أيضا عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وروى الصحيح عن أبي الهياج الأسدي قال : قال لي علي بن أبي طالب : ألا أبعثك{[10485]} على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته - في رواية - ولا صورة إلا طمستها . وأخرجه أبو داود والترمذي .

قال علماؤنا : ظاهره منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون لاطئة{[10486]} . وقد قال به بعض أهل العلم . وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على التسنيم ، ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم ، وذلك صفة قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما - على ما ذكر مالك في الموطأ - وقبر أبينا آدم صلى الله عليه وسلم ، على ما رواه الدارقطني من حديث ابن عباس . وأما ثعلبة البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيما وتعظيما فذلك يهدم ويزال ، فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة ، وتشبها بمن كان يعظم القبور ويعبدها . وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي أن ينبغي أن يقال : هو حرام . والتسنيم في القبر : ارتفاعه قدر شبر ، مأخوذ من سنام البعير . ويرش عليه بالماء لئلا ينتثر بالريح . وقال الشافعي لا بأس أن يطين القبر . وقال أبو حنيفة : لا يجصص القبر ولا يطين ولا يرفع عليه بناء فيسقط . ولا بأس بوضع الأحجار لتكون علامة ؛ لما رواه أبو بكر الأثرم قال : حدثنا مسدد حدثنا نوح بن دراج عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد قال : كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزور قبر حمزة بن عبد المطلب كل جمعة وعلمته بصخرة ، ذكره أبو عمر .

وأما الجائزة : فالدفن في التابوت ، وهو جائز لا سيما في الأرض الرخوة . روي أن دانيال صلوات الله عليه كان في تابوت من حجر ، وأن يوسف عليه السلام أوصى بأن يتخذ له تابوت من زجاج ويلقى في ركية{[10487]} مخافة أن يعبد ، وبقي كذلك إلى زمان موسى صلوات الله عليهم أجمعين ، فدلته عليه عجوز فرفعه ووضعه في حظيرة إسحاق عليه السلام . وفي الصحيح عن سعد ابن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي هلك فيه : اتخذوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا ، كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم .

اللحد : هو أن يشق في الأرض ثم يحفر قبر آخر في جانب الشق من جانب القبلة إن كانت الأرض صلبة يدخل فيه الميت ويسد عليه باللبن . وهو أفضل عندنا من الشق ؛ لأنه الذي اختاره الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم . وبه قال أبو حنيفة قال : السنة اللحد . وقال الشافعي : الشق . ويكره الآجر في اللحد . وقال الشافعي : لا بأس به لأنه نوع من الحجر . وكرهه أبو حنيفة وأصحابه ؛ لأن الآجر لإحكام البناء ، والقبر وما فيه للبلى ، فلا يليق به الإحكام . وعلى هذا يسوي بين الحجر والآجر . وقيل : إن الآجر أثر النار فيكره تفاؤلا ، فعلى هذا يفرق بين الحجر والآجر . قالوا : ويستحب اللبن والقصب لما روي أنه وضع على قبر النبي صلى الله عليه وسلم حزمة من قصب . وحكي عن الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل الحنفي رحمه الله أنه جوز اتخاذ التابوت في بلادهم لرخاوة الأرض . وقال : لو اتخذ تابوت من حديد فلا بأس به ، لكن ينبغي أن يفرش فيه التراب وتطين الطبقة العليا مما يلي الميت ، ويجعل اللبن الخفيف على يمين الميت ويساره ليصير بمنزلة اللحد .

قلت : ومن هذا المعنى جعل القطيفة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن المدينة سبخة{[10488]} ، قال شقران : أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر . قال أبو عيسى الترمذي : حديث شقران حديث حسن غريب .


[10479]:في جـ: ورقة.
[10480]:في جـ وحاشية الجمل عن القرطبي: مصنعا.
[10481]:في ج: "عن عبيد بن عمير".
[10482]:قوله: "إذا اغتم" أي تسخن بالخميصة وأخذ بنفسه من شدة الحر.
[10483]:أي في حالة الطرح والكشف.
[10484]:أي يحذر أمته أن يصنعوا بقبره مثل صنيع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم.
[10485]:قوله "ألا" بتشديد اللام للتحضيض. وقيل: بفتحها للتنبيه.
[10486]:لاطئة: لاصقة بالأرض.
[10487]:الركية البئر.
[10488]:أرض سبخة: ذات ملح ونز.