59-{ الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمان فاسأل به خبيرا } .
هذه الآية كالتعليل لما قبلها ، فقد أمر الله تعالى بالتوكل عليه سبحانه وتسبيحه وتحميده ، وذكر إحاطة علمه بكل شيء ، ثم ذكر في هذه الآية جانبا من قدرته التي لا حدود لها ، فقال : { الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام . . } .
فهو سبحانه الذي أبدع الكون على غير مثال سابق ، وإذا أراد أمرا قال له كن فيكون ، لكنه أراد أن يعلمنا الصبر ، ومراعاة سنن الفطرة وسنن الكون ، فخلق الكون في ستة أيام ، وهذه الأيام ليست كأيام الدنيا ، حيث لم يكن في ذلك الوقت شمس أو قمر أو ليل أو نهار ، بل المراد : في ست مراحل ، واليوم أحيانا يطلق على مدة طويلة مثل : يوم ذي قار ، ويوم بعاث ، ويوم وقعة عمورية ، ويوم البسوس .
وفي القرآن الكريم : { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } [ الحج : 47 ]
وقال عز شأنه : { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } [ المعارج : 4 ]
لقد كان الكون كرة ملتهبة ، كما تشير نظرية السديم ، ثم قذفت الكرة ، وانفصلت السماء وارتفعت ، وانفصلت الأرض وصارت كالبساط المفروش ، وكان بينهما الهواء والفضاء ، وتم ذلك في مراحل طويلة متباعدة ، وقد أشار القرآن الكريم إلى أن السماء والأرض كانتا ملتصقتين ، ففتقهما الله ، حيث رفع السماء وبسط الأرض ، وسخر السحاب والهواء ، وبعد بلايين السنين ، أمكن أن تكون الأرض صالحة للحياة عليها ، حيث أمطرت السماء ، وأنبتت الأرض ، وجرى بينهما الهواء والفضاء ، واستعد الكون لوجود خليفة في الأرض ، لاستعمارها وزراعتها واستثمار خيراتها .
قال تعالى : { أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون } [ الأنبياء : 30 ] .
قال المفسرون : الرتق ضد الفتق ، أي : كانت السماء صماء لا تمطر ، والأرض رتقاء لا تنبت ، ففتق الله السماء بالمطر ، وفتق الأرض بالنبات ، وأجرى بينهما الفضاء والهواء ، والخلق والوجود ، ويفيد العلم الحديث أن عمر الكون يقرب من ستة بلايين سنة ، قبل أن يخلق فيه الإنسان ، وأن عمر الكون 13 بليون سنة إلى الآن .
فلعل المراد بخلق الكون في ستة أيام ، أن الله خلق الكون في مدد ومراحل متتابعة تقارب ستة بلايين سنة ، حيث كان الكون ملتهبا ، ثم هدأت السماوات والأرض ، في فترات ومراحل ، هي ست مراحل أو ستة أيام ، وقد تكرر ذلك في آيات القرآن الكريم ، ومرّ تفسير ذلك في شرح الآية " 30 " من سورة الأنبياء وما بعدها .
أي : استوى على ملك الكون مع الاستعلاء والسيطرة ، استواء يليق بعظمته كما يقول السلف ، أو استولى وملك وسيطر كما يقول الخلف .
وهو سبحانه يدبر الأمر ، ويقضي بالحق وهو خير الفاصلين ، ولفظ : ثم ، لا يدل على الترتيب الزمني ، إنما يدل على بعد الرتبة . . رتبة الاستواء والاستعلاء .
أي : مع الخلق والقدرة سعة الرحمة والعطف ، والخبرة المطلقة ، التي لا يخفى عليها شيء ، فإذا سألت الله فإنما تسأل خبيرا لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .
وقيل : المعنى : اسأل عن الله وصفاته وكماله خبيرا ، من رسول أو عالم ، ثم اتبعه واقتد به ، فلا أحد أعلم بالله من الله ، ولا أحد أعلم بالله وكماله من رسوله محمد صلى الله عليه وسلم .
وقيل : المعنى : فاسأل عنه علماء أهل الكتاب ، فلديهم الخبرة عن صفاته وكمالاته .
قوله تعالى : " الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن " تقدم في الأعراف{[12157]} . و " الذي " في موضع خفض نعتا للحي . وقال : " بينهما " ولم يقل بينهن ؛ لأنه أراد الصنفين والنوعين والشيئين ؛ كقول القطامي :
ألم يحزنك أن حبالَ قيسٍ *** وتغلب قد تباينتا انقطاعا
أراد وحبال تغلب فثنى ، والحبال جمع ؛ لأنه أراد الشيئين والنوعين . " الرحمن فاسأل به خبيرا " قال الزجاج : المعنى فاسأل عنه . وقد حكى هذا جماعة من أهل اللغة أن الباء تكون بمعنى عن ؛ كما قال تعالى : " سأل سائل بعذاب واقع " [ المعارج : 1 ] وقال الشاعر :
هلا سألت الخيل يا بنَةَ مالك *** إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي{[12158]}
وقال علقمة بن عبدة{[12159]} :
فإن تسألوني بالنساء فإنني *** خبير بأدواء النساء طبيبُ
أي عن النساء وعما لم تعلمي . وأنكره علي بن سليمان وقال : أهل النظر ينكرون أن تكون الباء بمعنى عن ؛ لأن في هذا إفسادا لمعاني قول العرب : لو لقيت فلانا للقيك به الأسد ، أي للقيك بلقائك إياه الأسد . المعنى فاسأل بسؤالك إياه خبيرا . وكذلك قال ابن جبير : الخبير هو الله تعالى . ف " خبيرا " نصب على المفعول به بالسؤال .
قلت : قول الزجاج يخرج على وجه حسن ، وهو أن يكون الخبير غير الله ، أي فاسأل عنه خبيرا ، أي عالما به ، أي بصفاته وأسمائه . وقيل : المعنى فاسأل له خبيرا ، فهو نصب على الحال من الهاء المضمرة . قال المهدوي : ولا يحسن حالا إذ لا يخلو أن تكون الحال من السائل أو المسؤول ، ولا يصح كونها حالا من الفاعل ؛ لأن الخبير لا يحتاج أن يسأل غيره . ولا يكون من المفعول ؛ لأن المسؤول عنه وهو الرحمن خبير أبدا ، والحال في أغلب الأمر يتغير وينتقل ، إلا أن يحمل على أنها حال مؤكدة ؛ مثل : " وهو الحق مصدقا " [ البقرة : 91 ] فيجوز . وأما " الرحمن " ففي رفعه ثلاثة أوجه : يكون بدلا من المضمر الذي في " استوى " . ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هو الرحمن . ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء وخبره " فاسأل به خبيرا " . ويجوز الخفض بمعنى وتوكل على الحي الذي لا يموت الرحمن ، يكون نعتا . ويجوز النصب على المدح .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.