يتيهون في الأرض : يتحيرون ولا يهتدون .
26-قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ . . . الآية .
يتيهون في الأرض من التيه وهو الحيرة ، يقال : تاه يتيه ويتوه إذا تحير وضل الطريق ، ووقع فلان في التيه أي : في مواضع الحيرة .
فَلاَ تَأْسَ . أي : فلا تحزن عليهم من الأسى وهو الحزن ، يقال : أسى - كتعب- أي : حزن فهو أسين مثل حزين ، وأسا على مصيبته- من باب عدا- أي : حزن .
أي : قال الله تعالى : يا موسى ، إن الأرض المقدسة محرمة على هؤلاء الجبناء العصاة مدة أربعين سنة ، يسيرون خلالها في الصحراء تائهين حيارى لا يستقيم لهم أمر ولا يستقر لهم قرار ، جزاء جبنهم وضعفهم عن لقاء الأعداء ، واستهانتهم بأوامر الله .
فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . فلا تحزن يا موسى على هؤلاء الجبناء ، إذ عوقبوا بهذه العقوبة فإننا ما عاقبناهم بهذه العقوبة إلا بسبب خروجهم عن طاعتنا ، وتمردهم على أوامرنا ، وجبنهم عن قتال أعدائنا ، وسواء أدبهم مع أنبيائنا .
جاء في تفسير الفخر الرازي ما يأتي :
اختلف الناس في أن موسى وهارون عليهما السلام هل بقيا في التيه أو لا ؟
فقال قوم : إنهما ما كان في التيه ؛ لأن موسى دعا الله أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين ،
ودعوات الأنبياء مجابة ، ولان التيه كان عذابا والأنبياء لا يعذبون .
وقال آخرون : إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه ، إلا أن الله سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها بردا وسلاما . . وإنهما قد ماتا في التيه وبقي يوشع بن نون- وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته- وهو الذي فتح الأرض المقدسة بعد انقضاء مدة التيه .
وقيل : بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة {[199]} .
1-يدعى اليهود أن الأرض المقدسة حق لهم بدليل قوله تعالى : ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم .
والجواب : أن الله كتب لهم دخولها بشرط الجهاد والطاعة ، ولكنهم تثاقلوا عن الجهاد وامتنعوا عن دخول الأرض المقدسة بالجهاد والكفاح فحرمها الله عليهم .
قال الفخر الرازي : إن الوعد بقوله : التي كتب الله لكم . مشروط بقيد الطاعة ، فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط {[200]} .
وبذلك ترى أن دعوى اليهود بان الأرض المقدسة ملك لهم ، بدليل قوله تعالى : كتب الله لكم . لا أساس لها من الصحة ، ولا يشهد لها عقل أو نقل .
2- لماذا كانت مدة التيه 40 سنة .
الجواب عن ذلك : أن بني إسرائيل قد نشأوا في الذل وتعودوا المهانة ، ولذلك امتنعوا عن قتال الجبارين ، وعن دخول الأرض المقدسة فكتب الله عليهم التيهان في قطعة محدودة من الأرض ، لا يعرفون لهم هدفا أو مقرا ، وأن يستمروا على تلك الحال 40 سنة ، حتى يفني جيل الذل والقهر وينشأ جيل عزيز قادر على المطالبة والتغلب .
ولقد كان بنو إسرائيل- في هذا الوقت- في سيناء- ثم إن اليهود لما دخلوا فلسطين- بعد هذه العقوبة- مكثوا فيها مدة محدودة ، ثم أشركوا بالله ، وأفسدوا في الأرض فسلط الله عليهم من ينتقم منهم ويطردهم من بيت المقدس .
قال ابن خلدون : ويظهر من مساق قوله تعالى : قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ . . .
ومن مفهومه أن حكمة ذلك التيه مقصودة ، وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر ، وأفسدوا من عصبيتهم ، حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف القهر ولا يسام بالمذلة ، فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب ، ويظهر لك من ذلكم أن الأربعين سنة أقل ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر ، فسبحان الحكيم العليم . . . {[201]} .
حكمة عقوبة التيه لبني إسرائيل :
جاء في تفسير المنار للسيد رشيد رضا ما يأتي :
" إن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد و تساس بالظلم والاضطهاد ، تفسد أخلاقها ، وتذل نفوسها . . . وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة ، حتى تكون كالغرائز الفطرية ، والطباع الخلفية ، وإذا أخرجت صاحبها من بيئتها ، ورفعت عن رقبته نيرها ، ألفيته ينزع بطبعه إليها ، ويتفلت منك ليقتحم فيها ، وهذا شأن البشر في كل ما يألفونه ، ويجرون عليه من خير وشر ، وإيمان وكفر . . .
أفسد ظلم فرعون فطرة بني إسرائيل في مصر ، وطبع عليها بطبائع المهانة والذل . وقد أراهم الله-تعالى- من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى- عليه السلام- وبين لهم أنه أخرجهم من مصر ؛ لينقذهم من الذل إلى الحرية . . . ولكنهم كانوا مع هذا كله إذا أصابهم ضرر يتطيرون بموسى ، ويذكرون مصر ويحنون إليها . . .
وكان الله- تعالى- يعلم أنهم لا تطاوعهم أنفسهم المهينة على دخول أرض الجبارين ، وأن وعده- تعالى- لأجدادهم إنما يتم على وفق سنته في طبيعة الاجتماع البشري ، إذا هلك ذلك الجيل الذي نشأ في الوثنية والعبودية . . . ونشأ بعده جيل جديد في حرية البداوة وعدل . الشريعة ، ونور الآيات الإلهية ، وما كان الله ليهلك قوما بذنوبهم ، حتى يبين لهم حجته عليهم ، ليعلموا أنه لم يظلمهم وإنما يظلمون أنفسهم .
وعلى هذه السنة العادلة أمر الله- تعالى- بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة ، فأبوا واستكبروا ؛ فأخذهم الله بذنوبهم . وأنشأ من بعدهم قوما آخرين . . .
فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي ضربها الله لنا ، وأن نعلم أن إصلاح الأمم من بعد فسادها بالظلم والاستبداد . إنما يكون بإنشاء جيل جديد يجمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها ، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل لها " {[202]} .
في هذه الآيات تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بذكر تاريخ اليهود وبيان عادتهم وعادات أسلافهم ، ونكولهم عن الجهاد ، وضعفهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ، مع أن بين أظهرهم كليم الله وصفيه من خلقه في ذلك الزمان ، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم {[203]} .
قال الإمام ابن كثير : وما أحسن ما أجاب به الصحابة رضي الله عنهم يوم بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال قريش فقد قالوا فأحسنوا .
لقد قال المقداد بن الأسود : يا رسول الله ، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . ولكن نقول لك : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون {[204]} .
قوله تعالى : " قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض " استحباب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة . وأصل التيه في اللغة الحيرة ، يقال منه : تاه يتيه تيها وتوها إذا تحير . وتيهته وتوهته بالياء والواو ، والياء أكثر . والأرض التيهاء التي لا يهتدى فيها ، وأرض تيه وتيهاء ومنها قال{[5444]} :
بتيهاء قفرٍ والمَطِيُّ كأنَّها قطا *** الحَزْنِ قد كانت فراخا بيوضها
فكانوا يسيرون في فراسخ قليلة - قيل : في قدر سنة فراسخ - يومهم وليلتهم فيصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا ، فكانوا سيارة لا قرار لهم . واختلف هل كان معهم موسى وهارون ؟ فقيل : لا ؛ لأن التيه عقوبة ، وكانت سنو{[5445]} التيه بعدد أيام العجل ، فقوبلوا على كل يوم سنة ، وقد قال : " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين " . وقيل : كانا معهم لكن سهل الله الأمر عليهما كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم . ومعنى " محرمة " أي أنهم ممنوعون من دخولها ، كما يقال : حرم الله وجهك على النار ، وحرمت عليك دخول الدار ، فهو تحريم منع لا تحريم شرع ، عن أكثر أهل التفسير ؛ كما قال الشاعر :
جالت لتَصْرَعَنِي فقلتُ لها اقْصِرِي *** إني امرؤٌ صَرْعِي عليك حَرَامُ
أي أنا فارس فلا يمكنك صرعي . وقال أبو علي : يجوز أن يكون تحريم تعبد . ويقال : كيف يجوز على جماعة كثيرة{[5446]} من العقلاء أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها ؟ فالجواب : قال أبو علي : قد يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التي هي عليها إذا ناموا فيردهم إلى المكان الذي ابتدؤوا منه . وقد يكون بغير ذلك من الاشتباه والأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارجة عن العادة . " أربعين " ظرف زمان للتيه ، في قول الحسن وقتادة ، قالا : ولم يدخلها أحد منهم ، فالوقف على هذا على " عليهم " . وقال الربيع بن أنس وغيره : إن " أربعين سنة " ظرف للتحريم ، فالوقف على هذا على " أربعين سنة " ، فعلى الأول إنما دخلها أولادهم ، قاله ابن عباس . ولم يبق منهم إلا يوشع وكالب ، فخرج منهم يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة وفتحوها . وعلى الثاني : فمن بقي منهم بعد أربعين سنة دخلوها . وروي عن ابن عباس أن موسى وهارون ماتا في التيه . قال غيره : ونبأ الله يوشع وأمره بقتال الجبارين ، وفيها حبست عليه الشمس حتى دخل المدينة ، وفيها أحرق الذي وجد الغلول عنده ، وكانت تنزل من السماء إذا غنموا نار بيضاء فتأكل الغنائم ، وكان ذلك دليلا على قبولها ، فإن كان فيها غلول لم تأكله ، وجاءت السباع والوحوش فأكلته ، فنزلت النار فلم تأكل ما غنموا فقال : إن فيكم الغلول فلتبايعني كل قبيلة فبايعته ، فلصقت يد رجل منهم بيده فقال : فيكم الغلول فليبايعني كل رجل منكم فبايعوه رجلا رجلا حتى لصقت يد رجل منهم بيده فقال : عندك الغلول فأخرج مثل رأس البقرة من ذهب{[5447]} ، فنزلت النار فأكل الغنائم . وكانت نارا بيضاء مثل الفضة لها حفيف أي صوت مثل صوت الشجر وجناح الطائر فيما يذكرون ، فذكروا أنه أحرق الغال ومتاعه بغور يقال له الآن عاجز ، عرف باسم الغال ، وكان اسمه عاجزا .
قلت : ويستفاد من هذا عقوبة الغال قبلنا ، وقد تقدم حكمه{[5448]} في ملتنا . وبيان ما انبهم من اسم النبي والغال في الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( غزا نبي من الأنبياء ) الحديث أخرجه مسلم وفيه قال : ( فغزا فأدنى للقرية{[5449]} حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس : أنت مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها{[5450]} علي شيئا فحبست عليه حتى فتح الله عليه - قال : فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه فقال : فيكم غلول فليبايعني من كل قبيل رجل فبايعوه - قال - فلصقت يده بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغلول ) وذكر نحو ما تقدم . قال علماؤنا : والحكمة في حبس الشمس على يوشع عند قتاله أهل أريحاء وإشرافه على فتحها عشي يوم الجمعة ، وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح أنه لو لم تحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السبت ، ويعلم به عدوهم فيعمل فيهم السيف ويجتاحهم ، فكان ذلك آية له خص بها بعد أن كانت نبوته ثابتة خبر موسى عليه الصلاة والسلام ، على ما يقال . والله أعلم . وفي هذا الحديث يقول عليه السلام : ( فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ) ذلك بأن الله عز وجل رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا . وهذا يرد قول من قال في تأويل قوله تعالى : " وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين " إنه تحليل الغنائم والانتفاع بها . وممن قال إن موسى عليه الصلاة{[5451]} والسلام مات بالتيه عمرو بن ميمون الأودي ، وزاد وهارون ، وكانا خرجا في التيه إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل ، فقالوا : ما فعل هارون ؟ فقال : مات ، قالوا : كذبت ولكنك قتلته لحبنا له ، وكان محبا في بني إسرائيل ، فأوحى الله تعالى إليه أن انطلق بهم إلى قبره فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتا ولم تقتله ، فانطلق بهم إلى قبره فنادى يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال : أنا قاتلك ؟ قال : لا ، ولكني مت ، قال : فعد إلى مضجعك ، وانصرف . وقال الحسن : إن موسى لم يمت بالتيه . وقال غيره : إن موسى فتح أريحاء ، وكان يوشع على مقدمته فقاتل الجبابرة الذين كانوا بها ، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم ، ثم قبضه الله تعالى إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق . قال الثعلبي : وهو أصح الأقاويل .
قلت : قد روى مسلم عن أبي هريرة قال : أرسل ملك الموت إلى موسى عليه الصلاة{[5452]} والسلام فلما جاءه صكه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال : " أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " قال : فرد الله إليه عينه وقال : " ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور ، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة " قال : " أي رب ثم مه " ، قال : " ثم الموت " قال : " فالآن " ؛ فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر ) فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قد علم قبره ووصف موضعه ، ورآه فيه قائما يصلي كما في حديث الإسراء ، إلا أنه يحتمل أن يكون أخفاه الله عن الخلق سواه ولم يجعله مشهورا عندهم ، ولعل ذلك لئلا يعبد ، والله أعلم . ويعني بالطريق طريق بيت المقدس . ووقع في بعض الروايات إلى جانب الطور مكان الطريق . واختلف العلماء في تأويل لطم موسى عين ملك الموت وفقئها على أقوال ، منها : أنها كانت عينا متخيلة لا حقيقة ، وهذا باطل ؛ لأنه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له . ومنها : أنها كانت عينا معنوية وإنما فقأها بالحجة ، وهذا مجاز لا حقيقة . ومنها : أنه عليه السلام لم يعرف الموت ، وأنه رأى رجلا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه فدافع عن نفسه فلطم عينه ففقأها ، وتجب المدافعة في هذا بكل ممكن . وهذا وجه حسن ؛ لأنه حقيقة في العين والصك ، قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة ، غير أنه اعترض عليه بما في الحديث ، وهو أن ملك الموت لما رجع إلى الله تعالى قال : " يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " فلو لم يعرفه موسى لما صدق القول من ملك الموت ، وأيضا قوله في الرواية الأخرى : " أجب ربك " يدل على تعريفه بنفسه . والله أعلم . ومنها : أن موسى عليه الصلاة والسلام كان سريع الغضب ، إذ غضب طلع الدخان من قلنسوته{[5453]} ورفع شعر بدنه جبته ، وسرعة غضبه كانت سببا لصكه ملك الموت . قال ابن العربي : وهذا كما ترى ، فإن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب . ومنها وهو الصحيح من هذه الأقوال : أن موسى عليه الصلاة{[5454]} والسلام عرف ملك الموت ، وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجزم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير ، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من ( أن الله لا يقبض روح نبي حتى يخيره ) فلما جاءه على غير الوجه الذي أعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه ، فلطمه ففقأ عينه امتحانا لملك الموت ؛ إذ لم يصرح له بالتخيير . ومما يدل على صحة هذا ، أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت اختار الموت واستسلم . والله بغيبه أحكم وأعلم . هذا أصح ما قيل في وفاة موسى عليه السلام .
وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصا وأخبارا الله أعلم بصحتها ، وفي الصحيح غنية عنها . وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة ، فيروى أن يوشع رآه بعد موته في المنام فقال له : كيف وجدت الموت ؟ فقال : " كشاة تسلخ وهي حية " . وهذا صحيح معنى ، قال : صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ( إن للموت سكرات ) على ما بيناه في كتاب " التذكرة " . وقوله : " فلا تأس على القوم الفاسقين " أي لا تحزن . والأسى الحزن ، أسي يأسى أي حزن ، قال{[5455]} :