قياما للناس : ما يقوم به أمر الناس ؛ ويصلح شأنهم في دينهم ودنياهم .
والشهر الحرام : الحرام ؛ ( أل ) في الشهر ، للجنس . فيعم الاشهر الحرم الأربعة . وهي : ذو القعدة وذو الحجة ، والمحرم ورجب . وقيل : ( الشهر ) هو شهر ذي الحجة .
والهدى : ما يهدي إلى الحرم من الانعام قربة إلى الله ، للتوسعة على فقراء الحرم .
والقلائد : جمع قلادة ، وهي كل ما علق على أسنمة النعام وأعناقها ، علامة على أنها لله والمراد بالقلائد : ذوات القلائد إذا ساقوها هديا .
97- جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي . . . الآية .
اقتضت حكمة الله تعالى رحمته بعباده ان يصير الكعبة التي هي البيت الحرام قياما للناس أي به قوامهم في إصلاح أمر دينهم ودنياهم فهي مركز الإسلام الأول .
وصلاح أمر الدين بالحج إلى البيت الحرام وأداء المناسك والعبادات ، وصحة الصلاة باستقبال البيت الحرام ، وصلاح امر الدنيا عن طريق تبادل المنافع ، وبذل الأموال والشعور بالأمان والاطمئنان ، وتوثيق الصلات الدينية والدنيوية .
فقد جعل الله الكعبة معظمة في القلوب ، يفد الناس إليها من كل فج عميق لأداء المناسك ، وصار ذلك سببا في إسباغ النعم على أهلها ، إجابة لدعوة سيدنا إبراهيم الخليل : ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقوموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون . ( إبراهيم 37 ) .
وقد حقق الله دعوة سيدنا إبراهيم ، فصارت الكعبة ملاذا للناس ، وأمنا لأهلها على أنفسهم وأموالهم ، فلو وجد الإنسان قاتل أبيه أو أخيه عند الكعبة لم يجز له ان يقتله .
وكذلك جعل الله الأشهر الحرم منطقة زمنية يحرم فيها القتال وذلك لن الناس يتفرغون للتجارة والعمل والإنتاج والإفادة ، فتطمئن الأفئدة ويحصل التآلف والتزاور بعد التدابر والتقاطع والتعادي .
كما ان الهدي والقلائد ، التي يسوقها المحرمون إلى الحرم فيها ما فيها من التوسعة على الفقراء ، وإشاعة روح المحبة والتسامح والإخاء .
ويشير الإمام القرطبي في تفسيره إلى الحكمة من جعل هذه الأشياء قياما للناس فيقول :
إن الله تعالى خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد والتقاطع والسلب والغارة ، فلم يكن يد في الحكمة الإلهية من وازع يحملهم على التآلف .
فجعل الله الخليفة في الأرض حتى لا يكون الناس فوضى ، وعظم في قلوبهم البيت الحرام ، وأوقع في نفوسهم هيبته فكان من لجأ إليه معصوما به ، وكان من اضطهد محميا بالالتجاء إليه ، كما جعل الله الأشهر الحرم ملجأ آخر ، وقرر في نفوسهم حرمتها فكانوا لا يطلبون فيها دما ، ولا يروعون فيها نفسا ، ثم شرع لهم الهدي والقلائد فمن علق قلادة على بعيره أو على نفسه لم يروعه أحد حيث لقيه .
والهدي : ما يهدى للبيت الحرام وفي ذبحه منافع للفقراء وقيام لمعيشتهم وثواب للأغنياء ، ورفع لدرجتهم
والقلائد : أي الحيوانات التي توضع في رقبتها قلادة من ورق الشجر ، فمن رآها علم أنها ستقدم للبيت الحرام فترك سبيلها حتى تذبح ، وتوزع على الفقراء الحرم ، وتخصيص القلائد بالذكر – مع شمول الهدي إياها – لبيان أن الشرع أباح تقليد الهدي ، لما فيه من إظهار شعائر الله ، والمبالغة في منع التعرض لها .
ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم . أي شرع الله هذه الأحكام السابقة لتعلموا أنه سبحانه يعلم علما شاملا ما في السموات وما في الأرض ، ولتوقنوا بأنه يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ومكنونات نفوسهم ، وهتاف أرواحهم . . لأن تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار ، ولجلب المصالح الدينية والدنيوية دليل على أنه سبحانه يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، وعلى أنه بكل شيء عليم فلا تخفى عليه خافية والجملة الأخيرة في الآية توكيد ، لإحاطته تعالى بما كان ، وبما هو كائن ، وبما سيكون .
الأولى : قوله تعالى : " جعل الله الكعبة " جعل هنا بمعنى خلق وقد تقدم . وقد سميت الكعبة كعبة لأنها مربعة وأكثر بيوت العرب مدورة . وقيل : إنما سميت كعبة لنتوئها وبروزها ، فكل ناتئ بارز كعب ، مستديرا كان أو غير مستدير . ومنه كعب القدم وكعوب القناة . وكعب ثدي المرأة إذا ظهر في صدرها . والبيت سمي بذلك لأنها ذات سقف وجدار ، وهي حقيقة البيتية وإن لم يكن بها ساكن . وسماه سبحانه حراما بتحريمه إياه . قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ إن مكة حرمها الله ولم بحرمها الناس ] وقد تقدم أكثر هذا مستوفى والحمد لله .
الثانية : قوله تعالى : " قياما للناس " أي صلاحا ومعاشا ، لأمن الناس بها ، وعلى هذا يكون " قياما " بمعنى يقومون بها . وقيل : " قياما " أي يقومون بشرائعها . وقرأ ابن عامر وعاصم " قيما " وهما من ذوات الواو فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها . وقد قيل : " قوام " . قال العلماء : والحكمة في جعل الله تعالى هذه الأشياء قياما للناس ، أن الله سبحانه خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد والتنافس والتقاطع والتدابر ، والسلب والغارة والقتل والثأر ، فلم يكن بد في الحكمة الإلهية ، والمشيئة الأولية من كاف يدوم معه{[6003]} الحال ووازع يحمد معه المآل . قال الله تعالى : " إني جاعل في الأرض خليفة{[6004]} " [ البقرة : 30 ] فأمرهم الله سبحانه بالخلافة ، وجعله أمورهم إلى واحد يزعهم{[6005]} عن التنازع ، ويحملهم على التآلف من التقاطع ، ويرد الظالم عن المظلوم ، ويقرر كل يد على ما تستولي عليه . روى ابن القاسم قال حدثنا مالك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقول : ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن . ذكره أبو عمر رحمه الله . وجور السلطان عاما واحدا أقل إذاية من كون الناس فوضى لحظة واحدة ، فأنشأ الله سبحانه الخليفة لهذه الفائدة ؛ لتجري على رأيه الأمور ، ويكف الله به عادية الجمهور{[6006]} ، فعظم الله سبحانه في قلوبهم البيت الحرام ، وأوقع في نفوسهم هيبته ، وعظم بينهم حرمته ، فكان من لجأ إليه معصوما به ، وكان من اضطهد محميا بالكون فيه . قال الله تعالى : " أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم{[6007]} " [ العنكبوت :67 ] . قال العلماء : فلما كان موضعا مخصوصا لا يدركه كل مظلوم ، ولا يناله كل خائف جعله الله الشهر الحرام ملجأ آخر وهي :
الثالثة : هو اسم جنس ، والمراد الأشهر الثلاثة{[6008]} بإجماع من العرب ، فقرر الله في قلوبهم حرمتها ، فكانوا لا يروعون فيها سربا أي نفسا ولا يطلبون فيها دما ولا يتوقعون فيها ثأرا ، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه . واقتطعوا فيها ثلث الزمان . ووصلوا منها ثلاثة متوالية ، فسحة وراحة ومجالا للسياحة في الأمن والاستراحة ، وجعلوا منها واحدا منفردا في نصف العام دركا للاحترام ، وهو شهر رجب{[6009]} الأصم ويسمى مضر ، وإنما قيل له : رجب الأصم ؛ لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد ، ويسمى منصل الأسنة ؛ لأنهم كانوا ينزعون فيه الأسنة من الرماح ، وهو شهر قريش ، وله يقول عوف بن الأحوص :
وشهر بني أمية والهدايا *** إذا سيقت مضرِّجُها الدماءُ
وسماه النبي صلى الله عليه وسلم شهر الله ، أي شهر آل الله ، وكان يقال لأهله الحرم : آل الله . ويحتمل أن يريد شهر الله ؛ لأن الله متنه{[6010]} وشدده إذ كان كثير من العرب لا يراه . وسيأتي في " براءة " {[6011]} أسماء الشهور إن شاء الله . ثم يسر لهم الإلهام ، وشرع{[6012]} على ألسنة الرسل الكرام الهدي والقلائد ، وهي :
الرابعة : فكانوا إذا أخذوا بعيرا أشعروه دما ، أو علقوا عليه نعلا ، أو فعله ذلك الرجل بنفسه من التقليد على ما تقدم بيانه أول السورة لم يروعه أحد حيث لقيه ، وكان الفيصل بينه وبين من طلبه أو ظلمه حتى جاء الله بالإسلام وبين الحق بمحمد عليه السلام ، فانتظم الدين في سلكه ، وعاد الحق إلى نصابه ، فأسندت الإمامة إليه ، وانبنى وجوبها على الخلق عليه وهو قوله سبحانه : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض{[6013]} " [ النور : 55 ] الآية . وقد مضى في " البقرة{[6014]} " أحكام الإمامة فلا معنى لإعادتها .
الخامسة : قوله تعالى : " ذلك لتعلموا " " ذلك " إشارة إلى جعل الله هذه الأمور قياما ؛ والمعنى فعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ، ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد ، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم .