من قرن : القرن ؛ مدة من الزمان يعيش فيها أهل عصر . وقد يطلق على أهله ، وهو المراد هنا ، وأشهر الأقوال أن القرن مائة سنة .
مكناهم في الأرض : أي جعلنا لهم فيها مكانا .
وأرسلنا السماء عليهم مدرارا : أي أرسلنا المطر أو السحاب عليهم كثير الدر بالمطر .
6- ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم . . . الآية . أعموا عن الحق وأعرضوا عن دلائله ولم يروا بتدبر وتفكر ، كم أهلكنا من قبلهم من أقوام كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا . حيث منحناهم الغنى والسعة والاقتدار على التعميد فعمروا الأرض وبنوا الحصون والقصور .
وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم . عدد الله النعم على هؤلاء السابقين حيث أرسل المطر متتابعا وجعله نافعا بغزارة وكثرة ، وعبر عنه بالسماء لأنه ينزل منها .
وصفهم القرآن هنا بأنهم كانوا منعمين بالمياه الكثيرة التي يسيرون مجاريها كما يشاءون ، فيبنون مساكنهم على ضفافها ، ويتمتعون بالنظر إلى مناظرها الجميلة .
وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم . أي صيرنا الأنهار تجري من تحت مساكنهم . وبين مزارعهم فيمتعون حسن مرآها ، وجمال جريانها ، ولا يجدون صعوبة في الانتفاع بها .
فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين . أي فكفروا بنعمة الله وجحدوا فضل الله عليهم ، فأهلكناهم بسبب ذنوبهم إذ الذنوب سبب الانتقام وزوال النعم .
والإهلاك بسبب الذنوب له مظهران :
أحدهما : أن الذنوب ذاتها تهلك الأمم ، إذ تشيع فيها الترف والغرور والفساد في الأرض ، وبذلك تنحل وتضمحل وتذهب قوتها .
المظهر الثاني : إهلاك الله تعالى لها عقابا على أوزارها ) ( 55 ) .
جاء في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب :
وتفيد الآيات أن الذنوب والفساد سبيل إلى هلاك الأمة والأفراد ، إما بقارعة من الله عاجله كما كان يحدث في التاريخ القديم ، مثل غرق قوم نوح ، وهلاك عاد وثمود ومدين وقوم لوط .
وإما بالانحلال البطيء الفطري الطبيعي الذي يسري في كيان الأمم مع الزمن وهي التوغل في متاهة الذنوب !
( وأمامنا في التاريخ القريب – نسبيا– الشواهد الكافية على فعل الانحلال الأخلاقي ، والدعارة الفاشية ، واتخاذ المرأة فتنة وزينة ، والترف والرخاوة ، والتلهي بالنعيم ، أمامنا الشواهد الكافية من فعل هذا كله ، في انهيار الإغريق والرومان – وقد أصبحوا أحاديث – وفي الانهيار الذي تتجلى أوائله وتلوح نهايته في الأفق في أمم معاصرة ، كفرنسا وانجلترا كذلك – على الرغم القوة الظاهرة والثراء العريض ) ( 56 ) .
وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين . من سنن الله إهلاك المفسدين إما بقارعة وإما بتسليط بعضهم على بعض حتى يهلك الفاسد ، ويتولى الملك قوة جديدة امتحانا وابتلاء لها وقد تكون صالحة أو طالحة ، فالظالم سوط الله في الأرض ينتقم به ثم ينتقم منه قال تعالى : ولو دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض . ( البقرة : 251 ) .
وهلاك المفسد وعقوبة الظالم لا ينقصان من ملك الله تعالى شيئا ، فهو سبحانه كلما أهلك أمة أنشأ من بعدها أخرى وفي الحديث القدسي :
( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أثقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كلا مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ( 57 ) .
ويقول الله تعالى : وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم . ( محمد : 38 ) .
قوله تعالى : " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن " " كم " في موضع نصب بأهلكنا لا بقوله " ألم يروا " لأن لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، وإنما يعمل فيه ما بعده من أجل أن له صدر الكلام . والمعنى : ألا يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم لتكذيبهم أنبياءهم أي ألم يعرفوا ذلك والقرن الأمة من الناس . والجمع القرون ، قال الشاعر :
إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم *** وخلفت في قرن فأنت غريب
فالقرن كله عالم في عصره ، مأخوذ من الاقتران أي عالم مقترن به بعضهم إلى بعض ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خير الناس{[6246]} قرني يعني أصحابي{[6247]} ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) هذا أصح ما قيل فيه . وقيل : المعنى من أهل قرن ، فحذف كقوله : " واسأل القرية " [ يوسف : 82 ] . فالقرن على هذا مدة من الزمان ، قيل : ستون عاما وقيل سبعون ، وقيل : ثمانون ، وقيل : مائة ؛ وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القرن مائة سنة ، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله بن بسر : " تعيش قرنا " فعاش مائة سنة ، ذكره النحاس . وأصل القرن الشيء الطالع كقرن ما له قرن من الحيوان . " مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " خروج من الغيبة إلى الخطاب ، عكسه " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ؛ بهم بريح طيبة{[6248]} " [ يونس : 22 ] . وقال أهل البصرة أخبر عنهم بقوله " ألم يروا " وفيهم محمد عليه السلام وأصحابه ، ثم خاطبهم معهم ، والعرب تقول : قلت لعبدالله ما أكرمه : وقلت لعبدالله ما أكرمك ، ولو جاء على ما تقدم من الغيبة لقال : ما لم نمكن لهم . ويجوز مكنه ومكن له ، فجاء باللغتين جميعا ، أي أعطيناهم ما لم نعطكم من الدنيا . " وأرسلنا السماء عليهم مدرارا " يريد المطر الكثير ؛ عبر عنه بالسماء لأنه من السماء ينزل ، ومنه قوله الشاعر{[6249]} :
و " مدرارا " بناء دال على التكثير ، كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور ، ومئناث للمرأة التي تلد الإناث ، يقال : در اللبن يدر إذا أقبل على الحالب بكثرة . وانتصب " مدارا " على الحال . " وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم " أي من تحت أشجارهم ومنازلهم ، ومنه قوله فرعون : " وهذه الأنهار تجري من تحتي{[6250]} " [ الزخرف : 51 ] والمعنى : وسعنا عليهم النعم فكفروها . " فأهلكناهم بذنوبهم " أي بكفرهم فالذنوب سبب الانتقام وزوال النعم . " وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين " أي أوجدنا ، فليحذر هؤلاء من الإهلاك أيضا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.