تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (86)

85

المفردات :

الصراط : طريق . جمعه : صرط وأصله : سراط .

توعدون : أي : تهددون وتخوفون .

وتصدون : أي : تمتنعون ، يقال صده يصده ويصده صدا وصدودا : منعه .

تبغونها عوجا : تطلبونها معوجة أو ذات اعوجاج .

فكثركم : أي : بما بارك في نسلكم .

التفسير :

86- ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين .

نهاهم في هذه الآية أيضا عن عدد من المفاسد مما يدل على أنهم كانوا عتاة في إجرامهم ، وقد روى عن ابن عباس أن بلادهم كانت خصبة وكان الناس يمترون منهم ، فكانوا يقعدون على الطريق ويخوفون الناس أن يأتوا شعيبا ، ويقولون لهم : إنه كذاب فلا يفتننكم عن دينكم .

وفي الآية نهي لهم عن ثلاثة أشياء :

قعودهم على الطرقات التي توصل إلى شعيب مخوفين من يجيئه ؛ ليرجع عنه قبل أن يراه ويسمع دعوته .

صدهم عن من وصل إليه وآمن به بصرفه عن الثبات على الإيمان ، والاستقامة على الطريق الموصلة إلى سعادة الدارين .

ابتغاؤهم جعل سبيل الله المستقيمة معوجة بالطعن وإلقاء الشبهات المشككة فيها أو المشوهة لها .

واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم .

أي : اذكروا إذ كنتم مقلين فقراء فجعلكم مكثرين موسرين ، أو إذ كنتم أذلة قليلي العدد فأعزكم بكثرة العدد والعدد .

وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين .

أي : انظروا نظرة عبرة واتعاظ لما أصاب المفسدين المكذبين من الأمم قبلكم من قوم عاد وثمود وقوم لوط .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (86)

الرابعة - قوله تعالى : " ولا تقعدوا بكل صراط " نهاهم عن القعود بالطرق والصد عن الطريق الذي يؤدي إلى طاعة الله ، وكانوا يوعدون العذاب من آمن . واختلف العلماء في معنى قعودهم على الطرق على ثلاثة معان . قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي : كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون : إنه كذاب فلا تذهب إليه ، كما كانت قريش تفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا ظاهر الآية . وقال أبو هريرة : هذا نهي عن قطع الطريق{[7259]} ، وأخذ السلب ؛ وكان ذلك من فعلهم . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( رأيت ليلة أسري بي خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا مثل لقوم من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه - ثم تلا - " ولا تقعدوا بكل صراط توعدون " الآية . وقد مضى القول في اللصوص والمحاربين ، والحمد لله{[7260]} . وقال السدي أيضا : كانوا عشارين متقبلين . ومثلهم اليوم هؤلاء المكاسون الذين يأخذون ما لا يلزمهم شرعا من الوظائف المالية بالقهر والجبر ، فضمنوا ما لا يجوز ضمان أصله من الزكاة والمواريث والملاهي . والمترتبون في الطرق إلى غير ذلك مما قد كثر في الوجود وعمل به في سائر البلاد . وهو من أعظم الذنوب وأكبرها وأفحشها ، فإنه غصب وظلم وعسف على الناس وإذاعة للمنكر وعمل به ودوام عليه وإقرار له ، وأعظمه تضمين الشرع والحكم للقضاء ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! لم يبق من الإسلام إلا رسمه ، ولا من الدين إلا اسمه . يعضد هذا التأويل ما تقدم من النهي في شأن المال في الموازين والأكيال والبخس .

قوله تعالى : " من آمن به " الضمير في " به " يحتمل أن يعود على اسم الله تعالى ، وأن يعود إلى شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للصد ، وأن يعود على السبيل . " عوجا " قال أبو عبيدة والزجاج : كسر العين في المعاني . وفتحها في الأجرام . " واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم " أي كثر عددكم ، أو كثركم بالغنى بعد الفقر . أي كنتم فقراء فأغناكم . " فاصبروا " ليس هذا أمرا بالمقام على الكفر ، ولكنه وعيد وتهديد . وقال : " وإن كان طائفة منكم " فذكر على المعنى ، ولو راعى{[7261]} اللفظ قال : كانت .


[7259]:في ب و ج و ك : الطرق.
[7260]:راجع ج 6 ص 147 فما بعد
[7261]:الأولى: روعي لقيل.