تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ} (18)

17

المفردات :

مساجد الله : أي : أماكن عبادته .

18 – { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ . . . } الآية .

أي : إنما يستحق عمارة المساجد ، وتستقيم منه العمارة ويكون أهلا لها من آمن بالله وحده معبودا ، على النحو المبين في القرآن الكريم ، وآمن باليوم الآخر موعدا ومصيرا ، وحسابا وجزاء ، وأدى الصلاة على وجهها المشروع في مواقيتها ، وأعطى الزكاة بأنواعها ومقاديرها ، لمستحقيها المعروفين ، كالفقراء ، والمساكين ، وأبناء السبيل ، ولم يخش في قوله وعمله إلا الله وحده ، دون غيره من الأصنام والعظماء الذين لا ينفعون ولا يضرون في الحقيقة ، وإنما النفع والضر بيد الله ، هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات ، هم الذين يقتصر عليهم عمارة المساجد ، الحسية بالبناء والتشييد والترميم ، والمعنوية بالعبادة والأذكار وحضور دروس العلم ، دون من أشرك بالله ، وكفر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، هؤلاء المشركون الضالون الذين يجمعون بين الأضداد فيشركون بالله ، ويسجدون للأصنام ، ثم يقدمون بعض الخدمات للمسجد الحرام .

{ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } .

وهو تذييل قصد به حسن عاقبة المؤمنين الصادقين ، أي : فعسى أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة ، أن يكونوا من المهتدين إلى الجنة ، وما أعد فيها من خير عميم ورزق كبير .

والتعبير بعسى هنا ، مقصود به قطع أطماع الكافرين ، أي : إذا كان هؤلاء المؤمنون – وهم من هم – يدور أمرهم بين لعل وعسى ، فكيف يقطع المشركون – وهم بين المخازي والقبائح – أنهم مهتدون20 .

وقد ذكر العلماء : أن كلمة عسى إذا جاءت من الله تعالى ؛ فهي بمعنى : وجب واستحق كما قال تعالى : { ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } . ( الإسراء : 79 ) .

أما معنى عسى في النحو : فهو الترجي .

كما قال الشاعر :

عسى فرج يأتي به الله إنه *** له كل يوم في خليقته أمر

قال الآلوسي في تفسيره :

" وفي التعبير بعسى قطع اتكال المؤمنين على أعمالهم ، وإرشادهم إلى ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء " .

ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتي :

1 – أعمال البر الصادرة عن المشركين كإطعام الطعام ، وإكرام الضيف . . . إلخ . لا وزن لها عند الله ؛ لاقترانها بالكفر والإشراك به سبحانه .

وذهب الشيخ محمد عبده . وتلميذه السيد رشيد رضا ، إلى موقف آخر ، حيث رجحوا أن يجازيهم الله تعالى على هذه الأعمال في الآخرة .

واستشهدوا بعدل الله القائل : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . ( الزلزلة : 7 ، 8 ) .

وقوله عز شأنه : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } . ( النساء : 40 ) .

2 – إن عمارة مساجد الله من حق المؤمنين وحدهم ، أما المشركون فإنهم لا يصح منهم ذلك ؛ بسبب كفرهم ونجاستهم .

" والأصح أنه يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد ، والقيام بأعمال لا ولاية فيها كنحت الحجارة والبناء والنجارة ، فهذا لا يدخل في المنع المذكور في الآية .

ولا مانع أيضا من قيام الكافر ببناء مسجد أو المساهمة في نفقاته ، بشرط ألا يتخذ أداة للضرر ، وإلا كان حينئذ كمسجد الضرار . . . . 21 .

جاء في حاشية الجمل على الجلالين :

" لا يصح للمشركين أن يعمروا مساجد الله بدخولها والقعود فيها ، فإذا دخل الكافر المسجد بغير إذن من مسلم ؛ عزر وإن دخل بإذنه ؛ لم يعزر ، لكن لا بد من حاجة ، فيشترط للجواز الإذن والحاجة " 22 .

ونلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل وفد ثقيف في المسجد وهم كفار ، وشد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام وهو كافر23 .

ونجاسة الكافر نجاسة معنوية ، فإذا دخل المسجد لغرض من الأغراض ، وأخذ إذنا من الجهات المختصة ؛ جاز ذلك .

2 – يؤخذ من الآيتين التنويه بشأن المساجد والتعبد فيها ، وإصلاحها ، وخدمتها ، وتنظيفها ، والسعي إليها ، واحترامها ، وصيانتها عن كل ما يتنافى مع الغرض الذي بنيت لأجله ، وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى ، منها ما يأتي :

1 – روى الشيخان والترمذي : عن عثمان رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله ؛ بنى الله له بيتا في الجنة " 24 .

2 – وروى الشيخان والحافظ أبو بكر البزار ، وعبد بن حميد عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما عمار المساجد هم أهل الله " 25 .

3 – وروى أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وابن مردوية : عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد ؛ فاشهدوا له بالإيمان ، قال الله تعالى : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم والآخر }26 .

4 – وروى الشيخان : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من غدا إلى المسجد أو راح – أي : سار قبل الزوال أو بعده لعبادة الله في المسجد - ؛ أعد الله له منزلا –أي : مكانا طيبا في الجنة - ؛ كلما غدا أو راح " 27 .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ} (18)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " إنما يعمر مساجد الله " دليل على أن الشهادة لعمار المساجد بالإيمان صحيحة لأن الله سبحانه ربطه بها وأخبر عنه بملازمتها . وقد قال بعض السلف : إذا رأيتم الرجل يعمر المسجد فحسنوا به الظن . وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ( إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ) قال الله تعالى : " إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر " . وفي رواية : ( يتعاهد المسجد ) . قال : حديث حسن غريب . قال ابن العربي : وهذا في ظاهر الصلاح ليس في مقاطع الشهادات ، فإن الشهادات لها أحوال عند العارفين بها ، فإن منهم الذكي الفطن المحصل لما يعلم اعتقادا وإخبارا ومنهم المغفل ، وكل واحد ينزل على منزلته ويقدر على صفته .

الثانية - " ولم يخش إلا الله " إن قيل : ما من مؤمن إلا وقد خشي غير الله ، وما زال المؤمنون والأنبياء{[7882]} يخشون الأعداء من غيرهم . قيل له : المعنى ولم يخش إلا الله مما يعبد : فإن المشركين كانوا يعبدون الأوثان ويخشونها ويرجونها . جواب ثان - أي لم يخف في باب الدين إلا الله .

الثالثة - فإن قيل : فقد أثبت الإيمان في الآية لمن عمر المساجد بالصلاة فيها ، وتنظيفها وإصلاح ما وهى منها ، وآمن بالله . ولم يذكر الإيمان بالرسول فيها ولا إيمان لمن لم يؤمن بالرسول . قيل له : دل على الرسول ما ذكر من إقامة الصلاة وغيرها لأنه مما جاء به ، فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إنما يصح من المؤمن بالرسول ، فلهذا لم يفرده بالذكر . و " عسى " من الله واجبة ، عن ابن عباس وغيره . وقيل : عسى بمعنى خليق أي فخليق " أن يكونوا من المهتدين " .


[7882]:في ك: الأولياء.