باللغو : اللغو في اليمين : الحلف من غير قصد القسم .
بما عقدتم الأيمان : أصل العقد : نقيض الحل . فعقد الأيمان وتعقيدها : توكيدها بالقصد والتصميم .
فكفارته : أصل الكفارة من الكفر . وهو : الستر والتغطية ، ثم صارت – في اصطلاح الشرع – اسما لأعمال تكفر – أي تمحو – بعض الذنوب .
من أوسط ما تطعمون أهليكم : الأوسط ؛ المعتدل من كل شيء . والمراد هنا : الأغلب من الطعام ، الذي هو وسط بين الدون الذي يتقشف به ، وبين الأعلى الذي يتوسع به .
أو تحرير رقبة : أي اعتناق رقيق ملوك له .
تنقسم الأيمان إلى ثلاثة أقسام :
يمين اللغو : وهو ما يسبق إليه اللسان بالحلف بدون قصد مثل قوله : لا والله ، وبلى والله ، أو من حلف على شيء يعتقد أنه صادق فيه ، وكان الأمر بخلافه ، كمن حلف أنه ليس معه نقود أو قلم ، ثم تبين وجود نقود أو قلم في جيبه ، بدون أن يعلم بوجوده .
أما اليمين المنعقدة : فهي الحلف على شيء أن يفعله أو لا يفعله عاقدا العزم مؤكدا النية على ذلك فإذا حنث في هذا اليمين فتلزمه الكفارة وهو مخير في هذه الكفارة بين ثلاثة أشياء .
1- إطعام عشرة مساكين يغديهم ويعيشهم ، أو يعطي لكل مسكين نصف صاع من قمح أو صاعا من شعير .
2- إعطاء كل مسكين ثوبا يستره ويصلح للصلاة فيه .
قال في البحر المحيط : وأجمع العلماء على أن الحانث مخير بين الإطعام والكسوة والعتق .
فإذا عجز المسلم عن أداء أي واحد من الثلاثة المذكورة فكفارة اليمين له صيام ثلاثة أيام واشترط الأحناف والحنابلة التتابع في الأيام .
وقال الشافعي ومالك : لا يجب التتابع ، واختار الطبري أنه كيفما صامهن مفرقة أو متتابعة أجزأه .
89- لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم . . . الآية يسر الله التشريع والأحكام فقال تعالى : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج . ومن هذا التيسير أنه رفع عن هذه الأمة ما حدثت به نفسها ، ورفع عنها اثم ما سبق إليه اللسان ، بدون قصد من القلب ، كقول الحالف لا والله وبلى والله .
كما سامح المؤمن في الحلف على شيء أنه فعله أو لم يفعله معتقدا صدق ذلك ثم تبين أن الأمر بخلافة .
يسمى ذلك اليمين اللغو وهي يمين نرجوا أن يسامحنا الله فيها .
ولكن يؤاخذكم بما عقدتم اليمان . أي ولكن يؤاخذكم بما وثقتم الأيمان عليه بالقصد والنية إذا حنثتم .
فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم . أي كفارة اليمين عند الحنث أن تطعموا عشرة مساكين من الطعام الوسط الذي تطعمون منه أهليكم .
المراد بالوسط هنا : المتوسط بين طرفي الإسراف والتقتير ، وليس المراد به الأعلى كما في غير هذا الموضع : أي أطعموهم من المتوسط مما تعتادون إطعام أهليكم منه ، ولا يجب عليكم أن تطعموهم من أعلاه ، ولا يجوز لكم أن تطعموهم من أدناه ، وظاهره أنه يجزئ إطعام عشرة حتى يشبعوا .
وقد روى عن على أنه قال : لا يجزئ إطعام العشرة غذاء دون عشاء حتى يغديهم ويعيشهم ، قال أبو عمرو : هو قول أئمة الفتوى بالأمصار .
وقال الحسن البصري وابن سيرين : يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزا وسمنا أو خبزا ولحما .
وقال عمر بن الخطاب وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعى وميمون بن مهران وأبو مالك والضحاك والحكم ومكحول وأبو قلابة ومقاتل : يدفع إلى كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر .
وقال أبو حنيفة نصف صاع بر ، وصاع مما عداه .
( أو كسوتهم ) أي كسوة المساكين لكل مسكين ثوب يستر البدن .
( أو تحرير رقبة ) أي إعتاق عبد مملوك لوجه الله .
( قمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ) أي فمن لم يجد شيئا من الأمور المذكورة فكفارته صيام ثلاثة أيام .
( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم .
( واحفظوا أيمانكم ) أي احفظوها من الابتذال ولا تسارعوا إلى الحلف ، وإذا حنثتم فلا تتركوها بغير تكفير .
( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) أي مثل ذلك التبيين يبين الله لكم الأحكام الشرعية ويوضحها لتشكروه على هدايته وتوفيقه لكم .
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال :
لما نزلت : يا أيها الذين آمونا لا تحرموا طيبات ما أحل لكم . في القوم الذين كانوا حرموا على أنفسهم اللحم والنساء ، قالوا : يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ فأنزل الله : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم .
{ 89 } { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ }{[277]}
أي : في أيمانكم التي صدرت على وجه اللغو ، وهي الأيمان التي حلف بها المقسم من غير نية ولا قصد ، أو عقدها يظن صدق نفسه ، فبان بخلاف ذلك . { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ } أي : بما عزمتم عليه ، وعقدت عليه قلوبكم . كما قال في الآية الأخرى : { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } { فَكَفَّارَتُهُ } أي : كفارة اليمين الذي عقدتموها بقصدكم { إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ }
وذلك الإطعام { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } أي : كسوة عشرة مساكين ، والكسوة هي التي تجزئ في الصلاة . { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } أي : عتق رقبة مؤمنة كما قيدت في غير هذا الموضع ، فمتى فعل واحدا من هذه الثلاثة فقد انحلت يمينه .
{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } واحدا من هذه الثلاثة { فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ } المذكور { كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } تكفرها وتمحوها وتمنع من الإثم .
{ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } عن الحلف بالله كاذبا ، وعن كثرة الأيمان ، واحفظوها إذا حلفتم عن الحنث فيها ، إلا إذا كان الحنث خيرا ، فتمام الحفظ : أن يفعل الخير ، ولا يكون يمينه عرضة لذلك الخير .
{ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ } المبينة للحلال من الحرام ، الموضحة للأحكام . { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } اللهَ حيث علمكم ما لم تكونوا تعلمون . فعلى العباد شكر الله تعالى على ما منَّ به عليهم ، من معرفة الأحكام الشرعية وتبيينها .
{ بما عقدتم الأيمان } أي : بما قصدتم عقده بالنية ، وقرئ عقدتم بالتخفيف ، وعاقدتم بالألف .
{ إطعام عشرة مساكين } اشتراط المسكنة دليل على أنه لا يجزى في الكفارة إطعام غني ، فإن أطعم جهلا لم يجزيه على المشهور من المذهب ، واشترط مالك أيضا أن يكونوا أحرارا مسلمين ، وليس في الآية ما يدل على ذلك .
{ من أوسط ما تطعمون أهليكم } اختلف في هذا التوسط هل هو في القدر أو في الصنف ، واللفظ يحتمل الوجهين ، فأما القدر فقال مالك : يطعم بالمدينة مدّ بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم ، وبغيرها وسط من الشبع ، وقال الشافعي وابن القاسم : يجزى المدّ في كل مكان وقال أبو حنيفة : إن غداهم وعشاهم أجزأه ، وأما الصنف فاختلف هل يطعم من عيش نفسه ، أو من عيش أهل بلده ؟ فمعنى الآية على التأويل الثاني من أوسط ما تطعمون أيها الناس أهليكم على الجملة ، وعلى الأول يختص الخطاب بالكفر .
{ أو كسوتهم } قال كثير من العلماء : يجزى ثوب واحد لمسكين ، لأنه يقال فيه كسوة ، وقال مالك : إنما يجزي ما تصح به الصلاة ، فالرجل ثوب واحد ، وللمرأة قميص وخمار .
{ أو تحرير رقبة } اشترط مالك فيها أن تكون مؤمنة لتقيدها بذلك في كفارة القتل ، فحمل هذا المطلق على ذلك المقيد ، وأجاز أبو حنيفة هنا عتق الكافرة ، لإطلاق اللفظ هنا ، واشترط مالك أيضا أن تكون سليمة من العيوب وليس في اللفظ ما يدل على ذلك .
{ فمن لم يجد } أي : من لم يملك ما يعتق ولا ما يطعم ولا ما يكسو فعليه صيام ثلاثة أيام ، فالخصال الثلاث على التخيير ، والصيام مرتب بعدها لمن عدمها ، وهو عند مالك من لم يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه زيادة .
{ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } معناه إذا حلفتم وخشيتم أو أردتم الحنث ، واختلف هل يجوز تقديم الكفارة على الحنث أم لا .
{ واحفظوا أيمانكم } أي : احفظوها فبروا فيها ، ولا تخشوا ، وقيل : احفظوها بأن تكفروها إذا حنثتم ، وقيل : احفظوها أي لا تنسوها تهاونا بها