60 - ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ .
أي : الأمر ذلك الذي تقدم بيانه ، من حسن جزاء المهاجرين ، الذين قتلوا في سبيل الله أو ماتوا .
ثم استأنف القرآن فبين حق المسلمين في رد العدوان ، والانتصاف من الظالمين .
إن من قوتل ظلما ، فدافع عن نفسه ، وعاقب الظالم بمثل عقوبته ، وجازى من اعتدى عليه ، ثم بغى عليه بإلجائه إلى الهجرة ، ومفارقة الوطن ، وابتدائه بالقتال ، لينصرنه الله نصرا مؤزرا .
إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ .
لمن أخذ بحقه ، وانتقم من ظالمه ، وإن كان العفو أقرب إلى التقوى ، قال تعالى : وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ . . . . ( الشورى : 40 ) .
جاء في تفسير مقاتل بن سليمان ما يأتي :
إن مشركي مكة لقوا المسلمين ( لليلة بقيت من المحرم ) فقال بعضهم لبعض : إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم ، فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام ، فأبى المشركون إلا القتال ، فبغوا على المسلمين فقاتلوهم وحملوا عليهم ، وثبت المسلمون ، فنصر الله المسلمين عليهم ، فوقع في أنفس المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام ، فأنزل الله عز وجل : ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ .
إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ . يعفو عنهم لقتالهم في الشهر الحرامxli .
ثم بشر - سبحانه - عباده الذين يقع عليهم العدوان بالنصر على من ظلمهم ، فقال - تعالى - : { ذلك وَمَنْ عَاقَبَ . . . } .
اسم الإشارة ذلك ، فى قوله - تعالى - { ذلك وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } .
يعود إلى ما ذكره - سبحانه - قبل ذلك من أن الملك له يوم القيامة ، ومن الرزق الحسن الذى منحه للمهاجرين فى سبيله ثم قتلوا أو ماتوا .
والعقاب : مأخوذ من التعاقب ، وهو مجىء الشىء بعد غيره . والمراد به هنا : مجازاة الظالم بمثل ظلمه .
قال القرطبى : قال مقاتل : نزلت هذه الآية فى قوم من مشركى مكة . لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم : فقالوا : إن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يكرهون القتال فى الشهر الحرام فاحملوا عليهم فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوهم فى الشهر الحرام . فأبى المشركون إلا القتال ، فحملوا عليهم فثبت المسلمون ونصرهم الله على المشركين ، وحصل فى أنفس المسلمين شىء من القتال فى الشهر الحرام ، فأنزل الله الآية .
فمعنى { وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } أى : من جازى الظالم بمثل ما ظلمه ، فسمى جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين فى الصورة فهى مثل : { جَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } وقوله { ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ } أى : أن الظالم المبتدئ بالظلم عاد مرة أخرى فبغى على المظلوم وآذاه .
وقوله { لَيَنصُرَنَّهُ الله } وعد مؤكد منه - سبحانه - بنصرة المظلوم ، والجملة جواب قسم محذوف . أى والله لينصرن - سبحانه - المظلوم على الظالم فى الحال أو المآل .
قوله : { إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } تعليل للنصرة ، وبيان بأن المظلوم عندما ترك العفو عن الظالم ، لا يؤاخذه - سبحانه - على ذلك ، ما دام لم يتجاوز فى رد العدوان الحدود المشروعة ، وهى الانتصار على القصاص بالمثل .
أى : إن الله - تعالى - لكثير العفو عن عباده ، وكثير المغفرة لذنوبهم وخطاياهم
قوله : ( ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله ) الإشارة ( ذلك ) ، في موضع رفع على أنه مبتدأ ، وخبره الأمر . وقيل : خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمر . أي الأمر ذلك . أو الأمر ما قصصناه عليك . ( ومن ) في موضع رفع على الابتداء ، وخبره ( لينصرنه ) ولا تكون من ، هنا شرطية{[3141]} .
وقد نزلت هذه الآية في سرية من الصحابة لقوا جمعا من المشركين في الشهر الحرام فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام ، فأبى المشركون إلا قتالهم وذلك بغيهم عليهم . فثبت المسلمون ونصرهم الله على المشركين ، وحصل في نفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام شيء ، فنزلت الآية ( ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه ) أي بدئ بالقتال وهو كاره له فهو مبغي عليه ( لينصرنه الله ) أي لينصرن الله الفئة المؤمنة الصابرة على الحق ( إن الله لعفو غفور ) قد عفا الله عن المؤمنين ما فعلوه من قتال المشركين في الشهر الحرام مبدوئين بالقتال من المشركين بغيا منهم عليهم{[3142]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.