تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ} (2)

1

المفردات :

الفتنة : الامتحان والاختبار ، من قولهم : فتن الذهب ، إذا أدخله النار ليختبر جودته .

التفسير :

2- { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون }

حين خلق الله آدم عليه السلام استخلفه في الأرض ، وأعطاه العقل والإرادة والاختيار ، فإن اختار الطاعات فهو من المفلحين ، وإن اختار المعصية فهو من الخاسرين ، وهنا يذكر الله تعالى أنه جعل البلاء ضريبة في هذه الدنيا ، يمتحن به الناس ، ويطهر به المؤمنين ، ويختبر به الصادقين ، فتنة لهم وامتحانا ، كما يفتن الذهب الإبريز ، إذ يوضع في النار ليخرج منه الخبث .

ومعنى الآية :

أظن الناس أن يتركوا بدون اختبار وامتحان ، لمجرد قولهم آمنا ، بدون أن يخوضوا تجربة عملية ، فيها البلاء أو الإيذاء أو التكذيب أو التعرض لألوان من القهر أو الإغراء ، أو أي لون من ألوان الامتحان ؟

وقد تعرض المسلمون في مكة لصنوف الأذى ، وألوان الاضطهاد ، وتعجلوا الفرج والنصر ، فنزلت هذه الآيات .

جاء في التسهيل لابن جزي وغيره من المفسرين :

نزلت في قوم من المؤمنين كانوا بمكة مستضعفين ، كسلمة بن هشام ، وعياش بن ربيعة ، والوليد ابن الوليد ، وعمار بن ياسر ، وأبيه ياسر ، وأمه سمية ، وغيرهم . اه .

تعرضت هؤلاء للفتنة والعذاب فنزلت هذه الآيات تشد أزرهم ، وتبارك جهادهم ، وتذكرهم بأن ذلك قانون الله ونظامه ، يمتحن المؤمنين سابقا ولا حقا .

قال العلماء : والآيات وإن نزلت في قوم معينين ، إلا أنها باقية في أمة محمد أبد الدهر .

وقيل : نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب ، أول من قتل من المسلمين يوم بدر ، رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله ، فجزع عليه أبواه وامرأته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( سيد الشهداء مهجع ، وأول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة )1 .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ} (2)

والاستفهام فى قوله - سبحانه - : { أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } للإِنكار و { حسب } من الحسبان بمعنى الظن . وقوله : { يُفْتَنُونَ } من الفتن ، بمعنى الاختبار والامتحان .

يقال : فتنت الذهب بالنار ، أى : أدخلته فيها لتعلم الجيد منه من الخبيث .

وجملة " أن يتركوا " سدت مسد مفعولى حسب ، وجملة " أن يقولوا " فى موضع نصب ، على معنى : لأن يقولوا ، وهى متعلقة بقوله : { يتركوا } . وجملة " وهم لا يفتنون " فى موضع الحال من ضمير " يتركوا " .

والمعنى : أظن الناس أن يتركوا بدون امتحان ، واختبار ، وابتلاء ، وبدون نزول المصائب بهم ، لأنهم نطقوا بكلمة الإِيمان ؟ إن ظنهم باطل ، ووهم فاسد ، لأن الإِيمان ليس كلمة تقال باللسان فقط ، بل هو عقيدة تكلف صاحبها الكثير من ألوان الابتلاء والاختبار ، عن طريق التعرض لفقد الأموال والأنفس والثمرات ، حتى يتميز قوى الإِيمان من ضعيفه .

قال القرطبى : والمراد بالناس قوم من المؤمنين كانوا بن ربيعة ، والوليد بن الوليد . . . فكانت صدورهم تضيق بذلك ، وربما استنكروا أن يمكن الله الكفار من المؤمنين . قال مجاهد وغيره : فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هى سيرة الله فى عباده ، اختبار للمؤمنين وفتنة .

قال ابن عطية : وهذه الآية وإن اكنت نزلت بهذا السبب أو ما فى معناه من الأقوال ، فهى باقية فى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، موجد حكمها بقية الدهر