تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (224)

اليمين والإيلاء

221

{ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم( 224 ) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم ( 225 ) للذين يؤولون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءو فإن الله غفور رحيم( 226 ) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم( 227 ) }

المفردات :

عرضة : عرض يتصرف على معان مرجعها إلى المنع لأن كل شيء اعترض فقد منع ، ويقال للسحاب : عارض لأنه من رؤية السماء والشمس والقمر والكواكب . والعرضة كالغرفة المانع المعترض دون شيء .

الأيمان : الأمور المحلوف عليها .

الطلاق : هم حل عقد النكاح الذي بين الرجل والمرأة . وأصله من الانطلاق وهو الذهاب يقال طلقت المرأة تطلق ن باب نصر طلاقا ، إذا أصبحت مخلاة بدون رجل بعد أن كانت في عصمت رجل معين .

المعنى الإجمالي :

لا تجعلوا الحلف بالله حاجزا بينكم وبين فعل الخير والبر والتقوى والإصلاح بين الناس .

التفسير :

{ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم }

لا تجعلوا الحلف بالله حاجزا ومانعا عن البر والتقوى والإصلاح بين الناس . والله سميع لما تلفظون به عالم بأيمانكم فلا ينبغي أن يكون الحلف بالله مانعا عن عمل الخير فالله لا يرضى أن يكون اسمه حجاجا دون خير .

فكثيرا ما يسرع الإنسان إلى الحلف بألا يفعل كذا ويكون خيرا ، وأن يفعل كذا ويكون شرا فنهانا الله عن ذلك وأمرنا بتحري وجوه الخير .

فإذا حلف الإنسان على ترك الخير ، فليفعل الخير وليكفر عن يمينه ولا يجعل اليمين مانعة له من المعروف .

قال ابن عباس : لا تجعل الله عرضة ليمينك ألا تصنع الخير ، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير .

روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ، فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير " ( 216 ) .

والآية توحي بالإقلال من الحلف حتى لا يتعود عليه اللسان ، وقد ذم الله المكثرين من الحلف فقال : ولا تطع كلل حلاف مهين . ( القلم : 10 ) .

قال الإمام الرازي : والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان أم من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع . فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة ، فيختل ما هو الغرض في اليمين .

وأيضا كلما كان الإنسان أكثر تعظيما لله ، كان أكمل في العبودية ، ومن كمال العبودية التعظيم ، وأن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في كل غرض دنيوي ، وأما قوله بعد ذلك " أن تبروا " فهو علة لهذا الشيء أي إرادة أن تبروا ، والمعنى إنما نهيتم عن هذا أي عن الإكثار من الحلف لما أن توقى ذلك من البر والتقوى والإصلاح ، فتكونوا يا معشر المؤمنين بسبب عدم إكثاركم من الأيمان بررة أتقياء مصلحين . " 217 )

سبب النزول :

قال القرطبي وابن جرير الطبري وغيرهم :

نزلت في أبى بكر الصديق رضي الله عنه إذا حلف ألا ينفق على مسطح ابن خالته وكان من الفقراء المهاجرين ، وكان أبو بكر يعطف عليه ويرعنه ثم شارك مسطح في الحديث الإفك وروج الكلام في اتهام السيدة عائشة رضي الله عنها ، فأقسم أبو بكر ألا يبر مسطحا فريبة فأنزل الله هذه الآية . وأنزل أيضا في شأن حديث الإفك ثلاث عشر آية في سورة النور منها قوله تعالى :

{ ولا يأتل ألوا الفضل منكم والسعة أن يأتوا أولوا القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم }( النور : 22 ) .

فقال أبو بكر لما سمع هذه الآية : بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي . ورجع عن يمينه وكفر عنها . وأجرى على مسطح ما كان ينفقه عليه .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (224)

{ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } أي لا تجعلوا اليمين بالله سبحانه علة مانعة من البر والتقوى من حيث تتعمدون اليمين لتعتلوا بها نزلت في عبد الله بن رواحة حلف أن لا يكلم ختنه ولا يدخل بينه وبين خصم له وجعل يقول قد حلفت أن لا أفعل فلا يحل لي وقوله { أن تبروا } أي في أن لا تبروا أو لدفع أن تبروا ويجوز أن يكون قوله { أن تبروا } ابتداء وخبره محذوف على تقدير أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس أولى أي البر والتقى أولى { والله سميع عليم } يسمع أيمانكم ويعلم ما تقصدون بها

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (224)

قوله تعالى : ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم )

قيل إن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق إذ حلف ألا يأكل مع الأضياف . والمعنى : لا تجعلوا الحلف بالله مانعا لكم من عمل البر والطاعة والإصلاح بين الناس ، بل عليكم أن تكفّروا عن أيمانكم ثم تفعلوا الخير من بر وطاعة وإصلاح . فإنه خير للمؤمن أن يكفّر عن يمينه ، ثم يفعل الخير بدلا من امتناعه عن فعل الخير ؛ لأنه حلف ألا يأتيه . وفي هذا روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ( ص ) قال : " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " أي آتي العمل الذي حلفت ألا آتيه ، ثم أقوم بالتكفير تحلّة لما حلفت من يمين .

وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " من حلف على يمين ، فرأى غيرها خيرا منها ، فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير " . وروى أبو دود عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ( ص ) قال : " لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ، ولا في معصية الله ولا في قطيعة رحم ، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ، فليدعها وليأت الذي هو خير ، فإن تركها كفارتها " .

وقوله في الآية : ( عرضة ) أي نصبا . نقول : فلان عرضة للناس ، أي نصبا لهم : بمعنى أنه معترض لهم فلا يزالون يقعون فيه . جعلت فلانا عرضة لكذا أي جعلته نصبا له أو نصبته له . وقوله في الآية : ( أن تبروا وتتقوا وتصلحوا . . . ) أي كيلا تفعلوا البر والطاعة والإصلاح كصلة الرحم وغيرها . وعلى هذا فالمقصود هو ألا تجعلوا الله نصبا لأيمانكم بأن تكثروا من الحلف باسمه ؛ لئلا ( تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ) أو لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر وصلة الرحم والإصلاح بين الناس إذا حلفتم على ترك ذلك . وقيل : ألا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم فتكون هذه الإيمان حاجزا لما حلفتم عليه ومانعا منه ، بل افعلوا ما حلفتم عليه وكفروا عن يمينكم .

قوله : ( والله سميع عليم ) الله جل جلاله يسمع ما يقوله العباد وما يدور على ألسنتهم من كلام كالأيمان وغيرها ، وهو سبحانه عليم بما تخفيه صدروهم من نوايا ومكنونات{[304]} .


[304]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 265 والكشاف جـ 1 ص 362 وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا جـ 2 ص 265-