التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ} (2)

والاستفهام فى قوله - سبحانه - : { أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } للإِنكار و { حسب } من الحسبان بمعنى الظن . وقوله : { يُفْتَنُونَ } من الفتن ، بمعنى الاختبار والامتحان .

يقال : فتنت الذهب بالنار ، أى : أدخلته فيها لتعلم الجيد منه من الخبيث .

وجملة " أن يتركوا " سدت مسد مفعولى حسب ، وجملة " أن يقولوا " فى موضع نصب ، على معنى : لأن يقولوا ، وهى متعلقة بقوله : { يتركوا } . وجملة " وهم لا يفتنون " فى موضع الحال من ضمير " يتركوا " .

والمعنى : أظن الناس أن يتركوا بدون امتحان ، واختبار ، وابتلاء ، وبدون نزول المصائب بهم ، لأنهم نطقوا بكلمة الإِيمان ؟ إن ظنهم باطل ، ووهم فاسد ، لأن الإِيمان ليس كلمة تقال باللسان فقط ، بل هو عقيدة تكلف صاحبها الكثير من ألوان الابتلاء والاختبار ، عن طريق التعرض لفقد الأموال والأنفس والثمرات ، حتى يتميز قوى الإِيمان من ضعيفه .

قال القرطبى : والمراد بالناس قوم من المؤمنين كانوا بن ربيعة ، والوليد بن الوليد . . . فكانت صدورهم تضيق بذلك ، وربما استنكروا أن يمكن الله الكفار من المؤمنين . قال مجاهد وغيره : فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هى سيرة الله فى عباده ، اختبار للمؤمنين وفتنة .

قال ابن عطية : وهذه الآية وإن اكنت نزلت بهذا السبب أو ما فى معناه من الأقوال ، فهى باقية فى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، موجد حكمها بقية الدهر

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ} (2)

والاستفهام هنا في قوله : { أحسب الناس } للتوبيخ . و { أَن } والفعل ، في موضع نصب للفعل { أَحَسبَ } وقد سدت أن والفعل مسدّ مفعولي حسب . وأن يقولوا : في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر ، وتقديره : بأن يقولوا . وقيل : بدل من الأولى{[3538]} ؛ فالله يبين لعباده المؤمنين أنه لا بد من ابتلاءهم في حياتهم الدنيا بحسب ما آتوه من درجات الإيمان ، فكل مبتلى بدرجة إيمانه وعزيمته . وبذلك فإن المؤمنين المخلصين الأبرار مبتلون في أنفسهم وأموالهم ومصالحهم بل هم أشد الناس ابتلاء ومواجهة للفتن على اختلافها وتعدد صورها وأشكالها . وفي الحديث الصحيح : " أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل . يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء " جعلنا الله من المخلصين الصابرين الثابتين على الحق .

على أن المراد بالناس في الآية : قوم من المؤمنين كانوا بمكة وكان المشركون يؤذونهم بالغ الأذى ويعذبونهم أشد تعذيب بسبب إسلامهم ، كعمار وأبيه ياسر وأمه سمية وغيرهم من المسلمين المستضعفين الذين جار عليهم الظالمون فنكلوا بهم تنكيلا لاستمساكهم بعقيدة الإسلام ورفضهم عقائد الكفر وملل الضلال والباطل . فنزلت هذه الآية لتواسيهم ولكي تُسرّي عنهم وتكفكف عن نفوسهم وقلوبهم ما كان يعتريها من الألم والمضاضة والاغتمام .

على أن هذه الآية ، وإن نزلت بهذا السبب وما في معناه ، لكنها باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم لينسحب معناها ومقتضاها على المسلمين في كل زمان ؛ ذلك أن الفتنة ما فتئت تصيب المسلمين في سائر الأزمان والبلدان ؛ تصيبهم في أبدانهم وأموالهم وأرزاقهم وكراماتهم وأوطانهم مما يبتليهم به الله من مختلف البلايا ، أو ما يحيف به الظالمون والطغاة عليهم . أولئك العتاة الغلاظ من مجرمي البشر وشياطين الإنسانية الذين يبطشون بالمسلمين ويتفاخرون بتعذيبهم والتنكيل بهم كلما سنحت لهم الأحوال والظروف ، ليستذلوهم مرة ، أو ليقتلوهم مرة أخرى ، أو يخرجوهم من ديارهم ويستأصلوهم استئصالا في كثير من الأحيان العصيبة التي ألمت بالمسلمين وحاقت بهم ليُشردوا ويُهَجّروا أو يُقتلوا تقتيلا . وقد حصل للمسلمين مثل ذلك في مختلف الأزمان والأوطان ، كالأندلس ، وفلسطين ، وكشمير ، والبوسنة والهرسك وغير ذلك من الأوطان التي ذُبح فيها المسلمون بالكلية أو شردوا وهجروا من ديارهم تهجيرا .


[3538]:البيان لابن الأنباري ج 2 ص 241.