فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (36)

{ *قال فما خطبكم أيها المرسلون( 31 )قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين( 32 )لنرسل عليهم حجارة من طين( 33 )مسومة عند ربك للمسرفين( 34 )فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين( 35 )فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين( 36 )وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم( 37 ) } .

قال إبراهيم لأضيافه- وقد تبين أنهم ملائكة ، ربما لما بشروه به – قال مشفقا مما سيحل من أمر عظيم وخطب جسيم : ما شأنكم ، وما الأمر الذي جئتم به أيها الملائكة يا رسل الله وجند الملك القوي المتين ؟ ! وفي آيات أخر كريمة بدا أن الخليل عليه الصلاة والسلام حاور الملائكة بإهلاك القوم طمعا في أن يصرف الله عنهم البأس والدمار ، وفي ذلك يقول الله الحق- تبارك اسمه- : { . . يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب . يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود }{[5485]}- ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى ( أوّاه ) كثير التأوّه والحزن على ما أصاب المعاندين- فقالت الملائكة إنا أرسلنا إلى قوم اقترفوا كبار الخطايا وعظائم الجرائم لنهلكهم بقذفهم بحجارة من طين محمى ، كما جاء في آية أخرى : { وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } .

ولقد جاء ذكر ما حل بهم مفصلا في قوله تعالى : { فأخذتهم الصيحة مشرقين . فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل }{[5486]} .

[ وذلك أن جبريل عليه السلام- بعد أن صاح بهم ، ربما صيحة اقتلاع المدن- أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط{[5487]} ، فرفعها من تخوم الأرض حتى سمع أهل السماء نهيق حمرهم ، وصياح ديكتهم ، ولم تنكفئ لهم جرة ، ولم ينكسر لهم إناء ، ثم نكسوا على رؤوسهم وأتبعهم الله بالحجارة ]{[5488]} ؛ أو ربما أمطروا من كان من أهلها خارجا منها بالحجارة ؛ والحجارة قد مضى في علم الله تعالى أن تكون مهيأة لكل واحد من هؤلاء المهلكين الذين أمعنوا في تجاوز حدود الله وتعديها ؛ لكن الخبير البصير نجّى من أهل هذه القرى أهل الإيمان ، فأمرهم أن يخرجوا مع نبي الله لوط عليه السلام ، ولم يكن أسلم إلا أهل دار واحدة ، خرجوا ليلا قبل أن يطلع صباح اليوم الذي قضى الله فيه أن يهلك أهل هذه القرى ، وجعل الله أطلال تلك المنقلبات المؤتفكات علامة على اقتداره ، وعظمة لمن يتهيب بأس المولى القوي القهار ، إذ يشاهد من آثار بطشه وانتقامه هناك ؛ أما الذين قست قلوبهم فما تغني عنهم العبر ولا النذر ، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها .


[5485]:سورة هود. من الآية 74؛ والآيتان: 76،75.
[5486]:سورة الحجر. الآيتان 74،73.
[5487]:وكانت – كما نقل عنه- خمس قرى: سدوم، وهي القرية العظمى، عامورا، دادوما، ضعوه، قثم.
[5488]:مما أورد القرطبي.