{ وفي الأرض قطع متجاورات } قرى بعضها قريب من بعض { وجنات } بساتين { من أعناب } وقوله { صنوان } وهو أن يكون الأصل واحدا ثم يتفرع فيصير نخيلا يحملن وأصلهن واحد { وغير صنوان } وهي المتفرقة واحدة واحدة { تسقي } هذه القطع والجنات والنخيل { بماء واحد ونفضل بعضها على بعض } يعني اختلاف الطعوم { في الأكل } وهو الثمر فمن حلو وحامض وجيد ورديء { إن في ذلك لآيات } لدلالات { لقوم يعقلون } أهل الإيمان الذين عقلوا عن الله تعالى
ولما كان الدليل - مع وضوحه - فيه بعض غموض ، شرع تعالى في{[43459]} شيء من تفصيل ما في الأرض من الآيات التي هي أبين من ذلك دليلاً ظاهراً جداً على إبطال قول الفلاسفة ، فقال : { وفي الأرض } أي التي{[43460]} أنتم سكانها ، تشاهدون ما فيها مشاهدة لا تقبل{[43461]} الشك { قطع متجاورات } فهي متحدة البقعة مختلفة الطبع{[43462]} ، طيبة إلى سبخة ، وكريمة إلى زهيدة ، وصلبة إلى رخوة ، وصالحة للزرع لا للشجر وعكسها{[43463]} ، مع انتظام الكل في الأرضية { وجنات } جمع جنة ، وهي البستان الذي{[43464]} تجنه الأشجار { من أعناب } وكأنه قدمها لأن أصنافها - الشاهدة{[43465]} بأن صانعها إنما هو الفعال لما يريد -{[43466]} لا تكاد تحصر{[43467]} حتى أنه في الأصل الواحد يحصل تنوع الثمرة{[43468]} ولذلك جمعها .
ولما كان تفاوت ما أصله الحب أعجب ، قال : { وزرع } أي منفرداً - في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم بالرفع ، وفي خلل الجنات - في قراءة الباقين بالجر .
ولما كان ما جمعه أصل واحد ظاهر أغرب أخر قوله : { ونخيل صنوان } فروع متفرقة على أصل واحد { وغير صنوان } باعتبار افتراق منابتها{[43469]} وأصولها ؛ قال أبو حيان{[43470]} : والصنو : الفرع يجمعه وآخر أصل واحد{[43471]} ، وأصله المثل ، ومنه قيل للعم : صنو{[43472]} وقال الرماني : والصنوان : المتلاصق ، يقال : هو ابن أخيه صنو أبيه{[43473]} أي لصيق أبيه في ولادته ، وهو جمع صنو{[43474]} ، وقيل : الصنوان : النخلات التي أصلها واحد - عن البراء بن عازب وابن عباس ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم ؛ وقال الحسن رضي الله عنه : الصنوان : النخلتان أصلهما واحد - انتهى .
وهو تركيب لا فرق بين مثناه{[43475]} وجمعه إلا بكسر النون من غير تنوين وإعرابها مع التنوين ، وسيأتي في يس إن شاء الله تعالى سر تسمية الكرم بالعنب .
ولما كان الماء بمنزلة{[43476]} الأب والأرض بمنزلة{[43477]} الأم ، وكان الاختلاف مع اتحاد الأب والأم أعجب وأدل على الإسناد إلى الموجد المسبب ، لا إلى شيء من الأسباب ، قال : { تسقى{[43478]} } أي أرضها الواحدة كلها { بماء واحد } فتخرج{[43479]} أغصانها وثمراتها في وقت معلوم لا يتأخر عنه ولا يتقدم بعد أن يتصعد الماء فيها علوّاً ضد ما في طبعه من التسفل ، ثم يتفرق في كل من الورق والأغصان والثمار بقسطه مما فيه صلاحه { ونفضل } أي{[43480]} بما لنا من العظمة المقتضية للطاعة { بعضها } أي بعض تلك الجنات وبعض أشجارها { على بعض } ولما كان التفضيل على أنحاء مختلفة ، بين المراد بقوله : { في الأكل } أي الثمر المأكول ، ويخالف في المطعوم مع اتحاد الأرض وبعض الأصول ، وخص الأكل لأنه أغلب وجوه{[43481]} الانتفاع ، وهو منبه على اختلاف غيره من الليف والسعف{[43482]} واللون للمأكول والطعم والطبع والشكل والرائحة{[43483]} والمنفعة وغيرها مع أن نسبة{[43484]} الطبائع والاتصالات الفلكية إلى جميع الثمار على حد سواء{[43485]} لا سيما إذا رأيت العنقود الواحد جميع حباته حلوة نضيجة كبيرة إلا واحدة فإنها حامضة صغيرة يابسة .
ولما كان المراد في هذا السياق - كما تقدم - تفصيل ما نبه على كثرته بقوله : { وكأين من آية في السماوات والأرض } الآية ، قال : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم الذي تقدم { لآيات } بصيغة الجمع فإنها بالنظر إلى تفصيلها بالعطف جمع وإن كانت بالنظر إلى الماء مفردة{[43486]} ، وهذا بخلاف ما يأتي في النحل{[43487]} لأن المحدث عنه هناك الماء ، وهنا ما ينشأ عنه ، فلما اختلف المحدث عنه كان الحديث بحسبه ، فالمعنى : دلالات واضحات على أن ذلك كله فعل واحد مختار عليم قادر على ما يريد من ابتداء الخلق ثم تنويعه بعد إبداعه{[43488]} ، فهو قادر على إعادته بطريق الأولى{[43489]} .
ولما كانت هذه المفصلة أظهر من تلك المجملة{[43490]} ، فكانت من الوضوح بحال لا يحتاج ناظره في الاعتبار به إلى غير العقل ، قال : { لقوم } أي ذوي قوة على ما يحاولونه { يعقلون } فإنه{[43491]} لا يمكن التعبير{[43492]} في وجه هذه الدلالة إلا بأن{[43493]} يقال{[43494]} هذه الحوادث السفلية حدثت بغير محدث ، فيقال للقائل : وأنت لا عقل لك ، لأن العلم بافتقار الحادث إلى المحدث ضرورة ، فعدم العلم بالضروري يستلزم عدم{[43495]} العقل .
قوله : { وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ } وهذا كلام مستأنف يحمل دليلا آخر على قدرة الله وعظيم صنعه . والمعنى : أن في الأرض قطعا متقاربات متدانيات يقرب بعضها من بعض بالجوار ، لكن هذه التقطع من الأرض تختلف بالتفاضل ؛ فمنها قطعة سبخة لا تنبت ، وفي جوارها قطعة خصبة تنبت ، أو هذه حمراء وبجوارها بيضاء ، أو سوداء ، أو هذه رملية وبجوارها طينية ، وهكذا ، لكن القطع جميعا متجاورات وهي مع تجاوزها وتدانيها فيما بينها ولصوق بيعها ببعض فإنها جميعا تتفاوت في المذاق والطعوم ؛ فهذه ثمرها جيد ، والأخرى ثمرها رديء ، وهذه ثمرها أسود ، وذلك كله بتقدير الله وصنعه ؛ فهو المدبر للخلق ، القائم على تصريف الحياة والأحياء كيف يشاء .
قوله : { وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ } { جنات } مرفوع لعطفه على { قطع } { رزوع } معطوف على { جنات } . والتقدير : وفي الأرض فقطع متجاورات وجنات وزرع ونخيل { صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ } الصنوان ، جمع صنو ، مثل قنوان جمع قنو . وكذلك الاثنان صنوان . والصنو أن يكون الأصل واحدا وتنبت فيه النخلتان والثلاث فأكثر ، فكل واحدة صنو .
وقيل : الصنو : المثل . وفي الحديث : ( ألا إن عم الرجل صنو أبيه ) أي مثله{[2312]} ، وعلى هذا فالصنون بمعنى النخلات يجمعهن أصل واحد . وغير الصنوان المتفرقات .
قوله : { يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ } { الأكل } : الثمر . وقيل : ثمر النخل والشجر . وكل مأكول أكل{[2313]} . والمعنى : أن الأرض واحدة ، والماء الساقي واحد ومتشابه . ثم تأتي طعوم الثمار متفاوتة مختلفة ؛ فيكون فيها الحلو والحامض والمر ، والجيد والرديء . و { الأكل } معناه الطعم { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } فيما تبين من صفات والظواهر في الخلق والطبيعة لهو دلالات لأولي الفهوم والنهي كيما يعتبروا ويتدبروا{[2314]} .