ولما انقضى ما أراد{[43421]} من آيات السماوات ، ثنى بما فيما ثنى به في آية يوسف من الدلالات فقال : { وهو } أي وحده { الذي مد الأرض } ولو شاء لجعلها{[43422]} كالجدار أو{[43423]} الأزج{[43424]} لا يستطاع القرار عليها ، وهذا لا ينافي أن تكون كرية ، لأن الكرة إذا عظمت كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح ، كما أن الجبال أوتاد والحيوان يستقر عليها { وجعل فيها } جبالاً مع شهوقها { رواسي } أي ثوابت ، واحدها راسية أي ثابتة باقية في حيزها غير منتقلة عن أماكنها{[43425]} لا تتحرك ، فلا يتحرك ما هي راسية فيه . ولما غلب على الجبال وصفها بالرواسي ، صارت الصفة تغني عن الموصوف فجمعت جمع الاسم كحائط وكاهل - قاله أبو حيان{[43426]} ، ولما كانت طبيعة الأرض واحدة كان حصول الجبل في جانب منها دون آخر ووجود المعادن المتخالفة فيها تارة جوهرية ، وتارة خامية ، وتارة نفطية ، وتارة كبريتية - إلى غير ذلك ، دليلاً على اختصاصه تعالى بتمام القدرة والاختيار لأن الجبل واحد{[43427]} في الطبع كما أن تأثير الشمس واحد ، فقال تعالى : { وأنهاراً } أي وجعل فيها خارجة منها{[43428]} ، وأكثر ما تكون{[43429]} الأنهار من الجبال ، لأنها أجسام صلبة عالية ، وفي خلال الأرض أبخرة فتصاعد{[43430]} تلك الأبخرة المتكونة في قعر الأرض ، ولا تزال تخرق{[43431]} حتى تصل إليها فتحتبس{[43432]} بها{[43433]} فلا تزال تتكامل{[43434]} حتى يعظم تكاثفها{[43435]} ، فإذا بردت{[43436]} صارت ماء فيحصل بسببها مياه كثيرة كما تنعقد الأبخرة البخارية المتكاثفة في أعالي الحمامات{[43437]} إذا بردت وتتقاطر ، فإذا تكامل انعقاد تلك المياه وعظمت شقت{[43438]} أسافل الجبال أو غيرها من الأماكن التي تستضعفها{[43439]} لقوتها وقوة الأبخرة المصاحبة لها ، فإن كان لتلك المياه مدد من جهة الفواعل والقوابل بحيث كلما{[43440]} نبع منها شيء حدث عقيبه شيء ، وهكذا على الاتصال فهي النهر ، والنهر : المجرى الواسع من مجاري الماء ، وأصله الاتساع ، ومنه النهار - لاتساع ضيائه .
ولما ذكر الأنهار{[43441]} ذكر ما ينشأ عن المياه فقال : { ومن كل الثمرات } ويجوز أن يكون متعلقاً بما قبله ، ثم يكون كأنه قيل : من ينتفع بهذه الأشياء ؟ فقيل : { جعل فيها } أي الأرض { زوجين اثنين } ذكراً وأنثى من كل صنف من الحيوان ينتفع بها{[43442]} ، ويجوز أن يكون متعلقاً بما بعده فيكون التقدير : وجعل فيها من كل الثمرات زوجين اثنين ذكراً{[43443]} وأنثى تنتفع الأنثى{[43444]} بلقاحها من الذكر أو قربه{[43445]} منها فيجود ثمرها ؛ والثمرة طعمة الشجرة ، والزوج : شكل له{[43446]} قرين من نظير أو نقيض ، فكأنه قيل : ما الذي ينضجها ؟ فقال : { يغشي اليل النهار } أي والنهار الليل ، فينضج هذا بحره ويمسك هذا ببرده ، فيعتدل فعلهما على ما قدره تعالى لهما في السير من الزيادة والنقصان للحر والبرد للإخراج والإنضاج{[43447]} إلى غير ذلك من الحكم النافعة{[43448]} في الدين والدنيا الظاهر لكل ذي عقل أنها بتدبيره بفعله واختياره وقهره واقتداره .
ولما ساق سبحانه هذه الآيات مفصلة إلى أربع وكان فيها دقة ، جمعها وناطها{[43449]} بالفكر فقال : { إن في ذلك } أي الذي وقع التحديث عنه من الآيات متعاطفاً { لآيات } أي دلالات واضحات عجيبات باهرات على أن ذلك كله مستند{[43450]} إلى قدرته واختياره ، ونبه على أن المقام يحتاج إلى تعب بتجريد النفس من الهوى وتحكيم العقل صرفاً بقوله : { لقوم } أي ذوي قوة زائدة على القيام فيما يحاولونه { يتفكرون * } أي يجتهدون في الفكر ، قال الرماني : وهو تصرف القلب في طلب المعنى ، ومبدأ ذلك معنى يُخطره الله تعالى على بال الإنسان فيطلب متعلقاته التي فيها بيان عنه من كل وجه يمكن فيه ، والختم{[43451]} بالتفكر إشارة إلى الاهتمام بإعطاء المقام حقه في الرد على الفلاسفة ، فإنهم يسندون{[43452]} حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية ، وهو كلام ساقط لمن تفكر فيما قرره{[43453]} سبحانه في الآية السالفة من إسقاط وروده{[43454]} من أنه سبحانه هو{[43455]} الذي أوجد الأشياء كلها من عدم ثم أخذ في تدبيرها ، فاختصاص كل شيء{[43456]} من الأجرام العلوية بطبع وصفة وخاصية إنما هو بتخصيص المدبر الحكيم الفاعل بالاختيار ، فصار وجود الحوادث السفلية لو سلم أنه متأثر عن{[43457]} الحوادث العلوية إنما يكون مستنداً إليها باعتبار السببية ، والسبب والمسبب مستند إلى الصانع القديم{[43458]} المدبر الحكيم .
قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ 3 وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } { مَدَّ الأَرْضَ } ، أي بسطها طولا وعرضا وجعلها مديدة رحيبة الإرساء ، الثبوت . ورسا ، أي ثبت{[2310]} ، فقد جعل الله في الأرض الرواسي ؛ أي أثبت فيها الجبال الشامخات الرواسخ كالأوتاد فلا تميد أو تضطرب ، وجعل فيها الأنهار العذاب التي تنساب في الأرض انسيابا رفيقا مقدورا لينتفع بها الخلق .
قوله : { وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي جعل الله في الأرض زوجين اثنين من كل نوع الثمرات . والمراد بالزوج هنا الصنف . والمعنى : أنه الله جعل من كل نوع من أنواع الثمرات في هذه الدنيا صنفين مختلفين ؛ ففي كل نوع منها حلو وحامض ، أو أبي وأسود ، أو صغير وكبير ، أو رطب ويابس . ونحو ذلك . قوله : { يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ } { يغشي } ، من الغشاء وهو الغطاء{[2311]} ؛ أي يجلل الله الليل النهار فيلبسه بظلامه ، ويجلل النهار الليل فينيره بضيائه .
قوله : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } الإشارة إلى ما سبق بيانه ووصفه من عجائب خلق الله وأثر قدرته في الكائنات ؛ فإن في ذلك كله { لآيات } أي دلالات ظاهرة ، وبينات بالغة تكشف عن عظمة الله وقدرته على الخلق والصنع والتكوين { لقوم يتفكرون } أي يتدبرون فيتعظون ويوقنون أن ذلك من صنع الله العليم الحكيم .