الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (20)

وقوله { وجعلكم ملوكا } أي جعل لكم الخدم والحشم وهم أول من ملك الخدم والحشم من بني آدم { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } من فلق البحر لكم وإغراق عدوكم والمن والسلوى وغير ذلك

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (20)

ولما ذكر سعة مملكته وتمام علمه وشمول قدرته أتبع ذلك الدلالة عليه بقصة{[24912]} بني إسرائيل في{[24913]} استنقاذهم من أسر العبودية والرق وإعلاء شأنهم وإيراثهم أرض الجبارين{[24914]} بعد إهلاك فرعون وجنوده وغير ذلك مما تضمنته القصة ، إظهاراً{[24915]} - بعدم ردهم إلى مصر التي باد أهلها - لتمام القدرة وسعة الملك ونفوذ الأمر ، وهي مع ذلك دالة على نقضهم الميثاق وقساوتهم ونقض ما ادعوه{[24916]} من بنوتهم ومحبتهم ، وذلك أنها ناطقة بتعذيبهم وتفسيقهم وتبرئهم من الله ، ولا شيء من ذلك فعل حبيب ولا ولد ، فقال عاطفاً{[24917]} على نعمة في

{ واذكروا نعمة الله عليكم }[ المائدة : 7 ] تذكيراً لهذه الأمة بنعمة التوثيق للسمع والطاعة التي أباها بنو إسرائيل بعدما رأوا من الآيات ، وبما كف عنهم على ضعفهم وشجع به قلوبهم ، وألزمهم الطاعة وكره إليهم المعصية بضد ما فعل ببني إسرائيل - وغير ذلك مما يرشد إليه إنعام النظر في القصة : { وإذ } أي واذكروا{[24918]} حين { قال موسى لقومه } أي من اليهود { يا قوم اذكروا{[24919]} } أي بالقلب واللسان ، أي{[24920]} ذكر اعتبار واتعاظ بما لكم من قوة{[24921]} القيام بما تحاولونه ليقع منكم الشكر { نعمة الله } أي إنعام الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام ، وعبر عن الإنعام بالغاية لأنها المقصود { عليكم } وعظم ذلك التذكير بالاسم الأعظم ، ونبه بذكر ظرفها على أجل النعم ، وهي النبوة المنقذة لهم من النار فقال : { إذ } أي حين { جعل فيكم } وبشرهم بمن يأتي بعده من الأنبياء من بني إسرائيل فجمع جمع الكثرة في قوله : { أنبياء } أي يحفظونكم من المهالك الدائمة ، ففعل معكم - بذلك وغيره من النعم التي فضلكم بها على العالمين في تلك الأزمان - فعل المحب مع حبيبه والوالد مع ولده ، ومع ذلك عاقبكم حين عصيتم ، وغضب عليكم إذ أبيتم ، فعلم أن الإكرام و{[24922]} الإهانة دائران بعد{[24923]} مشيئته{[24924]} على الطاعة والمعصية .

ولما نقلهم من الحيثية التي كانوا فيها عبيداً لفرعون ، لا يصلحون معها لملك{[24925]} ، ولا تحدثهم أنفسهم به ، إلى حيثية الحرية القابلة{[24926]} لأن يكون{[24927]} كل منهم{[24928]} معها ملكاً{[24929]} بعد أن أرسل فيهم رسولاً وبشر بأنه{[24930]} يتبعه من الأنبياء ما لم يكن في أمة من الأمم غيرهم ، قال : { وجعلكم ملوكاً } أي فكما{[24931]} جعلكم كذلك بعد ما كنتم غير طامعين في شيء منه ، فقد نقله منكم وجعله في غيركم بتلك القدرة التي أنعم عليكم بها ، وذلك لكفركم بالنعم وإيثاركم الجهل على العلم ، فإنكاركم لذلك{[24932]} وتخصيص{[24933]} النعم بكم تحكم وترجيح بلا مرجح ، ويوضح ذلك أن كفر النعمة سبب لزوالها{[24934]} ، وقد كانوا يهددون في التوراة وغيرها بما هم فيه الآن من ضرب الذلة والمسكنة التي لا يصلحون معها لملك إن هم كفروا - كما سيأتي بعض ذلك في هذه السورة .

ولما ذكرهم تعالى بما{[24935]} ذكرهم به{[24936]} من النعم العامة ، أتبعه التذكير بنعمة خاصة فقال : { وآتاكم ما لم يؤت } أي في زمانكم ولا فيما قبله من سالف الزمان - كما اقتضاه التعبير بلم{[24937]} { أحداً من العالمين * } من الآيات التي أظهرها على يد موسى عليه السلام ، فأخرجكم بها من الظلمات إلى النور ، والكتاب الذي جعله تبياناً لكل شيء ؛


[24912]:سقط من ظ.
[24913]:من ظ، وفي الأصل: من.
[24914]:في ظ: الجبابرة.
[24915]:من ظ، وفي الأصل: إظهار.
[24916]:في ظ: ادعوا.
[24917]:من ظ، وفي الأصل: عطفا.
[24918]:سقط من ظ.
[24919]:سقط من ظ.
[24920]:سقط من ظ.
[24921]:زيد من ظ.
[24922]:سقط من ظ.
[24923]:سقط من ظ.
[24924]:في ظ: سننه- كذا.
[24925]:في ظ: الملك.
[24926]:في ظ: القائلة.
[24927]:في ظ: كلهم.
[24928]:في ظ: كلهم.
[24929]:سقط من ظ.
[24930]:من ظ، وفي الأصل: نابه- كذا.
[24931]:في ظ: فما.
[24932]:في ظ: كذلك.
[24933]:زيد بعده في ظ: وغيرها.
[24934]:في ظ: زوالها.
[24935]:من ظ، وفي الأصل: ما.
[24936]:في ظ: آية- كذا.
[24937]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (20)

قوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه يقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ( 20 ) يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ( 21 ) قالوا يموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ( 22 ) قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ( 23 ) قالوا يا موسى لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ( 24 ) قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ( 25 ) قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين } .

هذا نصيب من قصة إسرائيل مع نبيهم ومنقذهم كليم الله موسى وأخيه هارون عليهما الصلاة والسلام . وقصة موسى مع قومه مريرة أليمة تثير في النفس الدهشة والحيرة ، وذلك لغرابة الطبع وشذوذ الفطرة ، ولفرط ما لاقاه موسى من قومه في كيفية تفكيرهم وعجيب تصرفهم وسلوكهم بما ليس له في تاريخ الشعوب والمجتمعات نظير .

وهذه الآيات تتجلى فيها الصورة عن طبيعة بني إسرائيل لتأتي واضحة متبينة للعيان لا ينكرها أو يغفل عنها إلا خاسئ كذاب أو غبي موغل في الضلالة والجهالة .

قوله : { وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا } ذلك مما امتن الله به على بني إسرائيل . فلقد امتن عليهم بمنن كثيرة لم يقدموا لله الشكران عليها ، بل غالوا في الجحود والتغاضي والنسيان وأول هذه المنن أن جعل منهم أنبياء . فإن الله ما بعث في أمة من الأمم مثل ما بعثه في بني إسرائيل من الأنبياء .

وثاني هذه المنن أن جعلهم ملوكا . وتأويل ذلك يحتمل وجوها ثلاثة :

أحدهما : أنه جعلهم أحرارا يملكون أنفسهم بعد ما كانوا مملوكين في أيدي القبط ، فصاروا بعد ذلك سادة غالبين لا مغلوبين ولا مقهورين .

ثانيها : أنهم جميعا ملوك . والملك من كان له الزوجة والخادم والدار .

وقيل : من كان له مركب ونزل وخادم سمي ملكا . وجملة ذلك أن من أوتي أسباب الرفاهة والراحة في الدنيا سمي ملكا . وفي الحديث " من أصبح منكم معافى في جسده آمنا في سربه{[931]} عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " .

ثالثها : لكثرة الملوك فيهم ، صاروا كلهم كأنهم ملوك لسلوكهم مسلكهم في السعة والترفه ، أو لأن الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء{[932]} .

قوله : { وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } وهذه المنة الثالثة من الله على بني إسرائيل إذ اختصهم بجملة عطايا ما أعطيت لغيرهم من الأمم . وذلك من فضل الله عليهم ليخبتوا له حق الإخبات ويشكروه حق الشكران لكنهم عتوا وعصوا .

ومن هذه العطايا فلق البحر عقب ضربه بالعصا . وإغراق فرعون وزبانيته وجنوده ، وتراكم المياه على حفاف الطرق وسك البحر كأنها الجبال الشوامخ لتمر أسباط إسرائيل الاثنا عشرة وهي آمنة مطمئنة ، وتظليلهم بالغمام ، وانفجار الماء من الصخر الصلد ، وإنزال المن والسلوى وغير ذلك مما من الله عليهم من العطايا المخصوصة .

وقوله : { العالمين } ألف التعريض يحتمل معنيين . أحدهما : العهد . أي أن الله آتاهم من الآلاء والعطايا ما لم يؤت أحدا من العالمين في زمانهم .

ثانيهما : الاستغراق . فيكون التأويل أنهم أعطوا جملة عطايا لم تعطها أمة من الأمم . وذلك مثل كثرة الأنبياء ، والمن والسلوى ، وانفلاق البحر وغير ذلك مما ستكون لله به الحجة عليهم يوم القيامة لعتوهم وجحودهم النعم . لكنهم مع ذلك ليسوا خير الأمم كافة ولا أفضلها فإن تفضيل الأمة من عدة وجوه لا يستلزم تفضيلها من كل الوجوه . فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل . وعلى أية حال فليس أفضل ولا أكرم ولا أصدق من أمة الإسلام . فهي بكريم محتدها وكمال ملتها وسداد شريعتها وروعة نبيها لا جرم أنها على الذروة السامقة من سلامة الفطرة وجمال الطبائع والأخلاق وحميد الخصال والصفات .


[931]:- السرب، بفتح السين، أي الماشية، والطريق. انظر القاموس المحيط ص 123.
[932]:- تفسير الرازي ج 11 ص 200 وروح المعاني ج 5 ص 105.