الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (19)

وقوله { على فترة من الرسل } على انقطاع من الأنبياء { أن تقولوا } لئلا تقولوا { ما جاءنا من بشير ولا نذير }

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (19)

ولما دحضت حجتهم ، {[24877]} ووضحت أكذوبتهم{[24878]} ، اقتضى ذلك الالتفات إلى وعظهم على وجه الامتنان عليهم وإبطال ما عساهم يظنونه{[24879]} حجة ، فقال تعالى : { يا أهل الكتاب } أي من الفريقين ؛ ولما كان ما حصل لهم من الضلال بتضييع ما عندهم من البينات وتغييرها ما{[24880]} لا يتوقع معه الإرسال ، قال معبراً بحرف التوقع : { قد جاءكم رسولنا } أي الذي عظمته من عظمتنا ، فإعظامه وإجلاله واجب لذلك ، ثم بين حاله مقدماً له على متعلق جاء بياناً لأنه أهم ما إلى الرسل إليهم إرشاداً إلى قبول كل ما جاء به بقوله : { يبين لكم } أي يوقع لكم البيان في كل ما ينفعكم بياناً شافياً لما تقدم وغيره .

ولما كان{[24881]} مجيئه ملتبساً ببيانه وظرفاً{[24882]} له غير منفك عنه ، وكان بياناً مستعلياً على وقت مجيئه وما مضى قبله و{[24883]} ما يأتي بعده ببقاء كتابه ، محفوظاً لعموم{[24884]} دعوته وختامه وتفرده ، فلا نبي بعده ، قال معلقاً بجاء : { على فترة } أي طويلة بالنسبة إلى ما كان يكون بين النبيِّين من بني إسرائيل ، مبتدئة تلك الفترة { من الرسل } أي انقطاع من مجيئهم ، شُبِّه{[24885]} فقدهم وبُعْد العهد بهم ونسيان أخبارهم ، وبلاء رسومهم وآثارهم ، وانطماس معالمهم وأنوارهم بشيء{[24886]} كان يفنى ففتر{[24887]} ، لم يبق من وصفه المقصود منه إلا{[24888]} أثر خاف{[24889]} ورسم دارس ، يقال : فتر الشيء - إذا سكنت{[24890]} حدته وصار أقل مما كان عليه و{[24891]} ذلك لأنه كان بين عيسى وبين النبي صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة فسد فيها أمر الناس ، ولعله عبر بالمضارع في يبين إشارة إلى أن دينه وبيانه لا ينقطع أصلاً بحفظ{[24892]} كتابه ، فكلما درست سنة منح الله بعالم يرد الناس إليها بالكتاب المعجز القائم أبداً ، فلذلك لا يحتاج الأمر إلى نبي مجدد إلا عند الفتنة التي لا يطيقها العلماء ، وهي فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج ، ثم{[24893]} علل ذلك بقوله : { أن } أي كراهة{[24894]} أن { تقولوا } أي إذا حشرتم{[24895]} وسئلتم عن أعمالكم { ما جاءنا } ولتأكيد النفي قيل : { من بشير } أي يبشرنا لنرغب فنعمل بما يسعدنا فنفوز { ولا نذير } أي{[24896]} يحذرنا لنرهب{[24897]} فنترك ما يشقينا فنسلم ، لأن الإنسان موزَّع النقصان بين الرغبة والرهبة ، وقد كان اختلط في تلك الفترة الحق بالباطل فالتبس الأمر وجهل الحال ، لكنه لم يجهل{[24898]} جهلاً يحصل به عذر في الشرك ، وسأبينه في أول ص .

ولما كان المعنى : فلا تقولوا ذلك{[24899]} ، سبب عنه قوله : { {[24900]}فقد جاءكم{[24901]} } أي من هو متصف بالوصفين{[24902]} معاً فهو{[24903]} { بشير ونذير } أي كامل{[24904]} في كل من الوصفين وإن تباينا ؛ ولما كان ربما كان{[24905]} توهم أحد من ترك الإرسال زمن{[24906]} الفترة ، ومن ترك التعذيب بغير حجة الإرسال ، وبالعدول{[24907]} عن بني إسرائيل{[24908]} إلى بني إسماعيل{[24909]} شيئاً في القدرة ، قال كاشفاً لتلك الغمة{[24910]} : { والله } أي جاءكم والحال أن الملك الذي له الكمال كله { على كل شيء } أي من أن يرسل في كل وقت وأن يترك ذلك ، وأن يهدي بالبيان وأن يضل ، ومن أن يعذب ولا يقبل عذراً وأن يغفر كل شيء وغير ذلك { قدير * } وفي الختم بوصف القدرة واتباعه تذكيرهم ما صاروا إليه من العز بالنبوة والملك بعدما كانوا فيه من الذل بالعبودية والجهل إشارة إلى أن إنكارهم لأن يكون من ولد إسماعيل عليه السلام نبي يلزم منه إنكارهم{[24911]} للقدرة .


[24877]:في ظ: والدروبتهم- كذا.
[24878]:في ظ: والدروبتهم- كذا.
[24879]:في ظ: يظنون.
[24880]:من ظ، وفي الأصل: كما.
[24881]:زيد من ظ.
[24882]:من ظ، وفي الأصل: طرحا- كذا.
[24883]:في ظ: قد.
[24884]:من ظ، وفي الأصل: عمومه.
[24885]:من ظ، وفي الأصل: سببه- كذا.
[24886]:في ظ: كما يعلى فقير- كذا.
[24887]:في ظ: كما يعلى فقير- كذا.
[24888]:في ظ: أمر حان- كذا.
[24889]:في ظ: أمر حان- كذا.
[24890]:من ظ، وفي الأصل: سكت.
[24891]:زيدت الواو من ظ.
[24892]:في ظ: لحفظ.
[24893]:من ظ، وفي الأصل و".
[24894]:زيد بعده في ظ: يقولوا.
[24895]:في ظ: جسرتم.
[24896]:من ظ، وفي الأصل: ليحذرنا فنرهب.
[24897]:من ظ، وفي الأصل: ليحذرنا فنرهب.
[24898]:في الأصل: لم نجعل، وفي ظ: لم يحل- كذا.
[24899]:زيد من ظ.
[24900]:من ظ والقرآن الكريم، وقد سقط من الأصل.
[24901]:من ظ والقرآن الكريم وقد سقط من الأصل.
[24902]:في ظ: بالوصف- كذا.
[24903]:زيد من ظ.
[24904]:من ظ، وفي الأصل: الكامل.
[24905]:سقط من ظ.
[24906]:في ظ: من.
[24907]:في ظ: بالعدل.
[24908]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24909]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24910]:في ظ: النعمة.
[24911]:من ظ، وفي الأصل: إنذارهم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (19)

قوله تعالى : { يأهل الكتب فقد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير } هذا خطاب كريم ومثير لأهل الكتاب يعلن فيه الله عن جيئة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مبينا لهم الأحكام والشرائع التي تحقق لهم المصالح النافعة وتدرأ عنهم الشرور والمفاسد في المعاش والمعاد . أو ليبين لهم ما أخفوه عن الناس مما في كتبهم وما اختلفوا فيه وما زعموه وافتروه من دعاوى واختلاقات عن تميزهم وتفضيلهم على سائر البشر . يبين الله لهم عن طريق رسوله الكريم حقيقة الدين القائم على التوحيد الخالص لله بعيدا عن المغالاة والإفراط والضلالات وشرود الذهن والتصور .

قوله : { على فترة } من الفتور وهو السكون . فتر ، أي سكن بعد حدة ولان بعد شدة . والفترة ما بين كل نبيين فالمراد بالفترة عند جميع المفسرين ما بين الرسولين{[928]} فالمعنى المقصود أن الله بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي ، أو بعد مدة متطاولة بين إرساله وعيسى ابن مريم . وهذه المدة موضع تفصيل واختلاف لا حاجة للخوض فيه .

قوله : { أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير } أي لئلا تقولوا ، أو كراهية أن تقولوا – متذرعين محتجين – إنه ما جاءكم من نبي مبشر ولا منذر يبلغكم وينهاكم . قال ابن عباس : قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود : يا معشر يهود اتقوا الله ، فوالله إنكم لتعلمون أن محمدا رسول الله ، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه بصفته . فقالوا : ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بعده من بشير ولا نذير فنزلت الآية{[929]} .

قوله : { فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير } وذلك رد لاعتذارهم واحتجاجهم فقد أرسل الله إليهم بمبعوثه محمد صلى الله عليه وسلم ليبين لهم ما أشكل عليهم ، وما اختلفوا فيه كيلا يقولوا : لم يأتنا رسول يبين لنا ما نحن عليه من الضلالة والانحراف . فذلكم هو الرسول الأمين قد جاءكم بالحق مبشرا ونذيرا يبين لكم منهج الله الذي فيه صلاحكم وشفاؤكم . فمن آمن وصدق جوزي الفوز ، ومن أعرض وصدف فقد باء بالغضب والنار . والله جلت قدرته قادر على فعل ذلك كله . بل إنه لا يعجزه أن يفعل ما يشاء{[930]} .


[928]:- القاموس المحيط ص 583.
[929]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 121، 122 وروح المعاني ج 5 ص 104 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 36.
[930]:- تفسير الطبري ج 4 ص 108.