{ وأذان من الله } إعلام منه { ورسوله إلى الناس } يعني العرب { يوم الحج الأكبر } يوم عرفة وقيل يوم النحر والحج الأكبر الحج بجميع أعماله
والأصغر العمرة { أن الله بريء من المشركين ورسوله } أمر الله رسوله ص أن يعلم مشركي العرب في يوم الحج الأكبر ببراءته من عهودهم فبعث عليا رضي الله عنه حيث قرأ صدر براءة عليهم يوم النحر ثم خاطب المشركين فقال { فإن تبتم } رجعتم عن الشرك { فهو خير لكم } من الإقامة عليه { وإن توليتم } عن الإيمان { فاعلموا أنكم غير معجزي الله } لا تفوتونه بأنفسكم عن العذاب ثم أوعدهم بعذاب الآخرة فقال { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم }
ولما أنزل البراءة ، أمر بالإعلام {[35559]}بها في المجمع الأعظم ليقطع الحجج ، فقال عاطفاً ظهرة الجملة إلى مضمونها : الإخبار بوجوب الإعلام{[35560]} بما ثبت بالجملة الأولى المعطوفة عليها من البراءة : { وأذان } أي وهذا إعلام وإعلان واقع و{[35561]} واصل { من الله } أي المحيط بجميع صفات العظمة { ورسوله } أي الذي عظمته من عظمته ، فلا يوجهه إلى شيء إلا أعلاه عليه ؛ ولما كان المقصود الإبلاغ الذي هو وظيفة الرسول ، عداه بحرف الانتهاء فقال : { إلى الناس } أي كلهم من أهل البراءة وغيرهم { يوم الحج الأكبر } قيده لأن العمرة تسمى الحج الأصغر .
ولما كان كأنه قيل : ماهذا الإعلام ؟ قال مفسراً له مصرحاً بما هو المقصود لئلا يقع فيه نوع لبس حاذفاً الصلة إعلاماً بأن هذا مستأنف على تقدير سؤال سائل ، لا معمول لأذان : { أن الله } أي الذي له الغنى المطلق والقوة الباهرة { بريء من المشركين* } أي الذين لا عهد لهم{[35562]} خاص فلا مانع من قتالهم ، قيل : والذين وقعت البراءة منهم صنفان : أحدهما كانت مدته دون أربعة أشهر فرفع إليها ، والآخر مدته بغير حد فقصر عليها ، ومن لم يكن له عهد فهو أولى ، ومن كان عهده محدوداً بأكثر من أربعة أشهر ولم يحدث شراً أمر بإتمام عهده إلى مدته{[35563]} { ورسوله } أي بريء منهم ، فهو مرفوع عطفاً على المنوي في " بريء " أو على محل { أن } المكسورة واسمها عند من كسرها ، وقرئ بالنصب عطفاً على اسم { أن } أو لأن{[35564]} الواو بمعنى مع ، وبالجر على الجوار ، وقيل : على القسم - قاله في الكشاف ، قال : ويحكى أن أعرابياً سمع رجلاً يقرؤها فقال : إن كان الله بريئاً من رسوله فأنا منه بريء ، فلببه الرجل إلى عمر رضي الله عنه فحكى الأعرابي قراءته فعندما أمر عمر رضي الله عنه بتعلم{[35565]} العربية ، وروى الإمام أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري في مقدمة كتاب الوقف والابتداء بسنده عن ابن أبي ملكية قال : قدم أعرابي في زمان{[35566]} عمر رضي الله عنه فقال : من يقرئني مما أنزل الله{[35567]} على محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فأقرأه رجل براءة{[35568]} فقال : { أن الله بريء من المشركين ورسوله } بالجر ، فقال : أوقد بريء الله من رسوله ؟ إن يكن الله بريء من رسوله فأنا أبرأ منه ، فبلغ عمر رضي الله عنه مقالة الأعرابي فدعاه - يعني فسأله فأخبره - فقال عمر رضي الله عنه : ليس هكذا يا أعرابي ! قال : فكيف هي يا أمير المؤمنين ؟ فقال { أن الله بريء من المشركين ورسولُه } فقال الأعرابي : وأنا والله أبرأ مما برئ الله ورسوله منه ، فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يقرئ{[35569]} القرآن إلا عالم باللغة .
وأمر أبا الأسود فوضع النحو ، ونحو ذلك في الاهتمام بشأن العربية ما حكاه الشريف محمد بن أسعد الجواني{[35570]} النسابة في كتابه في الأنساب في ترجمة أبي الأسود الدؤلي بسنده إليه أنه قال : دخلت على أميرالمؤمنين {[35571]}علي رضي الله عنه فرأيته مطرقاً مفكراً فقلت : فيم تفكر يا أمير المؤمنين{[35572]} ؟ فقال : إني سمعت ببلدكم{[35573]} هذا لحناً ، فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية ، فقلت له{[35574]} : إن فعلت هذا بقيت فينا هذه اللغة ، ثم أتيته بعد أيام فألقى إليّ صحيفة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم ، {[35575]}الكلام كله{[35576]} اسم وفعل وحرف ، فالاسم ما أنبأ عن المسمى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى ، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل : ثم قال : تتبعه وزد فيه ما وقع لك ، واعلم أن الأشياء ثلاثة : ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر ، وإنما يتفاضل الناس في معرفة ما ليس بمضمر{[35577]} ولا ظاهر ، قال أبو الأسود الدؤلي : فجمعت أشياء فعرضتها عليه ، فكان من ذلك حروف النصب ، فذكرت منها إن وأن وليت ولعل وكأن ، ولم أذكر لكن ، فقال لي : لم تركتها ؟ فقلت : لم أحسبها فيها ، فقال بل{[35578]} هي منها فزدها فيها{[35579]} ، وقال أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي في طبقات النحويين : وقال أبو العباس محمد بن يزيد : سئل أبو الأسود الدؤلي عمن فتح له{[35580]} الطريق إلى الوضع في النحو وأرشده إليه ، فقال : تلقنته{[35581]} من علي بن أبي طالب ، وفي حديث آخر : ألقى إليّ أصولاً احتذيت عليها ؛ وفي مختصر طبقاتهم للحافظ محمد بن عمران المرزباني : كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد رسم لأبي الأسود الدؤلي حروفاً يعلمها الناس لما فسدت ألسنتهم فكان لا يحب أن يظهر ذلك ضناً به بعد علي رضي الله عنه ، فلما كان زياد وجه إليه أن اعمل شيئاً تكون فيه إماماً وينتفع به الناس فقد كنت شرعت فيه لتصلح ألسنة الناس ، فدافع بذلك حتى مر يوماً بكلا البصرة وإذا قارئ يقرأ { أن الله بريء من المشركين ورسوله } وحتى سمع رجلاً قال : سقطت عصاتي ، فقال : لا يحل لي بعد هذا أن أترك الناس ! فجاء إلى زياد فقال : أنا أفعل ما أمر به الأمير فليبتغ لي{[35582]} كاتباً{[35583]} حصيفاً ذكياً يعقل ما أقول ، فأتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضه ، فأتي بآخر من{[35584]} ثقيف ؛ وقال ابن الأنباري في كتاب الوقف : حدثني أبي {[35585]}قال : حدثنا{[35586]} أبو عكرمة قال : قال العتبي{[35587]} : كتب معاوية إلى زياد {[35588]}يطلب عبيد الله ابنه ، فلما قدم عليه كلمه فوجده يلحن ، فرده إلى زياد{[35589]} وكتب إليه كتاباً يلومه فيه ويقول : أمثل عبيد الله يضيع ؟ فبعث زياد إلى أبي الأسود فقال : يا أبا الأسود ! إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت من ألسن العرب ، فلو وضعت شيئاً يصلح به الناس كلامهم ويعربون به{[35590]} كتاب الله ، فأبى ذلك أبو الأسود وكره إجابة زياد إلى ما سأل ، فوجه زياد رجلاً فقال{[35591]} له : اقعد في طريق أبي الأسود ، فإذا مر بك فاقرأ شيئاً من القرآن وتعمد اللحن فيه ، ففعل ذلك .
فلما مر به أبو الأسود رفع الرجل صوته يقرأ{[35592]} { أن الله بريء من المشركين ورسولِه } فاستعظم ذلك أبو الأسود وقال : عز وجه الله أن يبرأ من رسوله ، ثم رجع من فوره إلى زياد فقال : يا هذا ، قد أجبتك إلى ما سألت ، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن ، فابعث إليّ ثلاثين رجلاً ، فأحضرهم زياد فاختار منهم أبو الأسود عشرة ، ثم لم يزل يختارهم{[35593]} حتى اختار منهم رجلاً من عبد القيس ، فقال : خذ المصحف وصبغاً يخالف لون المداد ، فإذا فتحت شفتيّ فانقط واحدة فوق الحرف ، وإذا ضممتهما{[35594]} فاجعل النقطة إلى جانب الحرف ، وإذا كسرتهما{[35595]} فاجعل النقطة في{[35596]} أسفله ، فإن أتبعت شيئاً من هذه الحركات غنة{[35597]} فانقط نقطتين ، فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره ، ثم وضع المختصر المنسوب إليه بعد ذلك - انتهى . ويوم الحج المذكور هنا
للجنس ، أي في جميع أيام الحج - قاله{[35598]} سفيان الثوري - كيوم صفين والجمل وبعاث{[35599]} يراد به الحين والزمان الذي كان فيه ذلك ، ولذلك{[35600]} نادى علي{[35601]} رضى الله عنه بنفسه ومن ندبه لذلك في جميع تلك الأيام ، وقال أبو حيان : الظاهر أنه يوم واحد فقال عمر رضي الله عنه وجماعة : هو يوم عرفة ، وروي مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو موسى رضي الله عنه وجماعة : هو يوم النحر ، وقيل : أيام الحج كلها - قاله{[35602]} سفيان بن عيينة قال ابن عطية{[35603]} : والذي تظاهرت{[35604]} به الأحاديث أن علياً رضي الله عنه أذن بتلك الآيات{[35605]} يوم عرفة إثر خطبة أبي بكر رضي الله عنه ، ثم رأى أنه لم يعم الناس بالإسماع فتتبعهم بالأذان بها أيضاً{[35606]} يوم النحر ، وفي ذلك اليوم بعث أبو بكر رضي الله عنه من يعينه بها كأبي هريرة وغيره رضي الله عنهم ويتبعوا{[35607]} أيضا أسواق العرب كذي المجاز وغيره ؛ وبهذا يترجح قول سفيان - انتهى . وروى عبد الرزاق عن علي رضي الله عنه أن يوم النحر ، وقال في تفسيره أيضاً : أخبرنا معمر عن الحسن قال : إنما سمي الحج الأكبر لأنه حج أبو بكر رضي الله عنه الحجة التي حجها ، واجتمع فيها{[35608]} المسلمون والمشركون ، ووافق أيضاً{[35609]} ذلك{[35610]} عيد اليهود والنصارى - .
ولما أعلم سبحانه بالبراءة عنها ، سبب عنها{[35611]} مرغباً مرهباً قوله التفاتاً إلى الخطاب : { فإن تبتم } أي عن الكفر والغدر { فهو } أي ذلك الأمر العظيم وهو المتاب { خير لكم } أي لأنكم تفوزون في الوفاء بالأمان في الدنيا ، وفي الإسلام بالسلامة في الدارين .
ولما كانت التوبة محبوبة بالطبع لما لها من النفع قال : { وإن توليتم } أي كلفتم أنفسكم خلاف ما يشتهي من التوبة موافقة للفطرة الأولى ، وأصررتم على الكفر والغدر اتباعاً للهوى المكتسب من خباثة{[35612]} الجبلة ورداءة الأخلاط التي قعدت بالروح عن أوجها الأول إلى الحضيض الأسفل { فاعلموا } أي علماً لا شبهة فيه{[35613]} { أنكم غير معجزي الله } أي لأن له صفات الكمال من الجلال والجمال ، والالتفات هنا مثله{[35614]} في { فسيحوا } والإشارة به إلى ما ذكر في ذلك .
ولما واجههم بالتهديد ، أعرض عنهم وجه الخطاب تحقيراً لهم مخاطباً لأعلى خلقه مبشراً{[35615]} له في أسلوب التهكم بهم ، فقال عاطفاً على ما تقديره : فبشر الغادرين بالخدلان ، أو فبشر التائبين بنعيم مقيم : { وبشر الذين كفروا } أي أوقعوا هذا الوصف { بعذاب أليم* } أي في الدنيا والآخرة أو فيهما .
قوله تعالى : { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } { وأذان } ، معطوف على براءة . وفيه الوجهان من الإعراب اللذان ذكرا في { براءة } وهو أنه خبر مبتدأ محذوف . أو أنه مبتدأ ، وخبره قوله : { إلى الناس يوم الحج } {[1712]} والأذان ، معناه الإعلام . وهذا إعلام صادر من الله ورسوله إلى الناس وهم جميع الخلق { يوم الحج الأكبر } واختلفوا في المراد بالحج الأكبر على قولين . أحدهما : أنه يوم عرفة ، وهو مروي عن ابن عباس وعمر وعثمان وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاووس ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ؛ فقد احتجوا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خطيب عشية عرفة فقال : ( أما بعد ، فإن هذا يوم الحج الكبر ) .
ثانيهما : أنه يوم النحر ، الذي هو أفضل المناسك وأظهرها . وهو رواية عن أبي عباس ، وهو قول المغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير –واحتجوا بما رواه أبو داود عن ابن عكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في الحجة التي حج فيها فقال : ( أي يوم هدا ؟ ) فقالوا : يوم النحر . فقال : ( هذا يوم الحج الأكبر ) .
وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر بالصديق ( رضي الله عنه ) فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ويوم الحج الكبر يوم النحر . وقيل : يوم الحج الكبر ، أيام منى كلها .
أما سبب التسمية بالحج الكبر ؛ فلأن العمرة تسمى الحج الأصغر . وهذا هو الحج الأكبر . وقيل : سمي بذلك ؛ لاجتماع المسلمين والمشركين فيه ؛ فقد حجوا جميعا في تلك السنة . وقيل غير ذلك{[1713]} .
قوله : { أن الله برئ من المشركين ورسوله } رسوله ، مرفوع بالابتداء ، وخبره محذوف وتقديره : ورسوله برئ . وقيل : مرفوع بالعطف على الضمير المرفوع في { برئ } {[1714]} على أن الفرق بين قوله : { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } وقوله : { أن الله برئ من المشركين ورسوله : { من وجهين :
الوجه الأول : أن المقصود من الكلام الأول : الإخبار بثبوت البراءة . أما المقصود من الكلام الثاني : إعلام جميع الناس بما حصل وثبت .
الوجه الثاني : أن الله تعالى قد أظهر في الكلام الأول البراءة عن المشركين الذين عاهدوا ونفضوا العهد . أما في هذه الآية : فقد أظهر الله فيها البراءة عن المشركين من غير أن يصفهم بوصف معين ، وفي ذلك تنبيه إلى أن الموجب لهذه البراءة هو كفرهم وشركهم{[1715]} .
قوله : { فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله } يدعوا الله المشركين إلى التوبة من الشرك والضلال ، فإن تابوا فهو خير لهم ؛ لما يفضي إليه ذلك من النجاة في الدارين . لكنهم عن تولوا واستمروا على شركهم وضلالهم وعتوهم ؛ فإنهم غير معجزين ؛ بل إن الله قادر عليهم ؛ فهم في قبضته وتحت قهره وجبروته ، فلا يعز عليه إهلاكهم وتدميرهم .
قوله : { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } لفظ البشارة ورد هنا على سبيل التهكم والاستهزاء بالمشركين الذين ظلموا أنفسهم وسفهوا عقولهم بشركهم وضلالهم . والمراد الإخبار من اله بأن لهم العذاب الشديد في الآخرة فوق ما يحيق بهم من العذاب في الدنيا بالإذلال والخزي{[1716]} .
قال محمد بن إسحاق في هذا الصدد عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ابن علي قال : لما نزلت براءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان بعث أبا بكر ليقيم الحج للناس فقيل : يا رسول الله لو بعثت إلى أبي بكر ، فقال : ( لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي ) ثم دعا عليا فقال : ( اذهب بهذه القصة من سورة براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو له إلى مدته ) فخرج علي ( رضي الله عنه ) على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء{[1717]} حتى أدرك أن أبا بكر في الطريق فلما رآه أبو بكر قال : أمير أو مأمور ؟ فقال : بل مأمور . ثم مضيا ، فأقام أبو بكر للناس الحج ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية ، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أيها الناس إنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إلى مدته . فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان . ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد وأهل المدة إلى الأجل المسمى .
وعن أبي الصهباء البكري قال : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر . فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس يوم الحج ، وبعثني معه بأربعين آية من براءة ، حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة ، فلما قضى خطبته التفت إلي فقال : قم يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقمت فقرأت عليهم أربعين أية من براءة ، ثم صدرنا{[1718]} فأتينا منى ، فرميت الجمرة ، ونحرت البدنة ، ثم حلقت رأسي ، وعلمت أن أهل الجمعة لم يكونوا كلهم حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة ، فطفت أتتبع بها الفساطيط{[1719]} أقرأها عليهم{[1720]} .