{ فإذا انسلخ الأشهر الحرم } يعني مدة التأجيل { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } في حل أو حرم { وخذوهم } بالأسر { واحصروهم } إن تحصنوا { واقعدوا لهم كل مرصد } على كل طريق تأخذون فيه { فإن تابوا } رجعوا عن الشرك { وأقاموا الصلاة } المفروضة { وآتوا الزكاة } من العين والثمار والمواشي { فخلوا سبيلهم } فدعوهم وما شاؤوا { إن الله غفور رحيم } لمن تاب وآمن
ولما قرر أمر البراءة إثباتاً ونفياً ، أمر بما يصنع بعد ما ضربه لهم من الأجل فقال : { فإذا } أي فتسبب عن ذلك أنه إذا { انسلخ } أي انقضى وانجرد وخرج ومضى { الأشهر الحرم } أي التي حرمت عليكم فيها قتالهم{[35620]} وضربتها أجلاً لسياحتهم ، والتعريف فيها مثله { كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول }{[35621]}[ المزمل : 15-16 ] { فاقتلوا المشركين } أي الناكثين الذين ضربتم لهم هذا الأجل إحساناً وكرماً ؛ قال البغوي : قال الحسن بن الفضل : هذه الآية تنسخ{[35622]} كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء - انتهى .
ومعنى { حيث وجدتموهم } أي في حل أو حرم في شهر حرام أو غيره { وخذوهم } أي بالأسر { واحصروهم } أي بالحبس عن إتيان المسجد والتصرف في بلاد الإسلام وكل مقصد { واقعدوا لهم } أي لأجلهم خاصة فإن ذلك{[35623]} من أفضل العبادات { كل مرصد } أي ارصدوهم وخذوهم بكل طريق يمكن ولو على غرة أو{[35624]} اغتيالاً من غير دعوة ، وانتصابه على الظرف لأن{[35625]} معنى اقعدوا لهم : ارصدوهم ، ومتى كان العامل في الظرف المختص عاملاً{[35626]} من لفظه أو من معناه جاز أن يصل إليه بغير واسطة{[35627]} " في " فكما{[35628]} يتعدى الفعل إلى المصدر من غير لفظه إذا كان بمعناه فكذلك إلى الظرف - ذكره أبو حيان ، والتعبير بالقعود للإرشاد إلى التأني ، وفي الترصد والاستقرار{[35629]} والتمكن وإيصال الفعل إلى الظرف إشارة إلى أن يشغلوا في الترصد كل جزء من أجزاء كل مرصد إن قدروا على ذلك بخلاف ما لو عبر ب " في " فإنه إنما يدل على شغل كل مرصد الصادق بالكون في موضع واحد منه أيّ موضع كان .
ولما أمر تعالى بالتضييق عليهم ، بين ما يوجب الكف{[35630]} عنهم فقال : { فإن تابوا } أي عن الكفر { وأقاموا } أي وصدقوا دعواهم التوبة بالبينه العادلة بأن أقاموا { الصلاة وآتوا الزكاة } أي فوصلوا{[35631]} ما بينهم وبين الخالق وما بينهم وبين الخلائق خضوعاً لله تعالى وتركاً للفساد ومباشرة للصلاح على الوجه الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا وجد هذان الشاهدان العدلان { فخلوا } أي{[35632]} بسبب ذلك { سبيلهم } أي بأن لا تعرضوا لشيء مما تقدم لأن الله يقبل ذلك منهم{[35633]} ويغفر لهم ما سلف { إن } أي لأن { الله } أي الذي له الجلال والإكرام { غفور رحيم* } أي بليغ المحو للذنوب التي تاب صاحبها عنها والاتباع له بالإكرام .
قوله تعالى : { فإذا انسلخ الأشهر الحرام فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } انسلاخ الأشهر الحرم ؛ أي مضيها . سلخت الشهر : أمضيته وصرت في آخره{[1722]} .
واختلف العلماء في المراد بالأشهر الحرم في هذه الآية على ثلاثة أقوال :
القول الأول : إنها الأشهر الحرم المعروفة التي هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب ؛ فهي ثلاثة سرد ، وواحدا فرد . وعلى هذا المعنى وجب الإمساك عن قتال من ليس له عهد من المشركين حتى انسلاخ الأشهر الحرم وهي مدة خمسين يوما ؛ لأن النداء بذلك كان يوم النحر ؛ فكان الباقي من الأشهر الحرم التي هي المسودة خمسين يوما تنقضي بانقضاء شهر محرم . وقد أمرهم الله بعد مرور هذه المدة أن يتقلوا المشركين حيث يجدونهم . وهو قول جماعة ، وهي رواية عن ابن عباس .
القول الثاني : إن المراد بها شهور العهد وهي الأربعة المشار إليها في قوله : { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } وسميت حرما ؛ لأن الله حرم فيها على المؤمنين دماء المشركين أو التعرض لهم بأذى .
القول الثالث : إنها الأشهر المذكورة في قوله : { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } وهي رواية أخرى عن ابن عباس ، وقول جماعة آخرين .
قوله : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } المشركون عام في كل مشرك . لكن هذا العموم مخصوص بالسنة ؛ فخرج من المشركين في وجوب القتال كل من النساء والصبيان والرهبان والعاجزون عن القتال لهرم ونحوه . وقد مر تفصيل هذه المسألة في سورة البقرة . وهو كذلك مخصوص بأهل الكتاب ؛ فإنهم يجوز لهم أن يعقد لهم المسلمون عقد الذمة على أن يؤدوا الجزية .
قوله : { حيث وجدتموهم } أي في كل موضع يجدونهم فيه . وقيل : هذا عام وقد خص بتحريم القتال في الحرم . وهو قول أبي حنيفة محتجا بقوله تعالى : { ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإنه قتلوكم فاقتلوهم } .
قوله : { وخذوهم واحصروهم } المراد بالأخذ هنا ، الأسر ، فإن أسروهم ؛ قضوا فيهم ما يرونه أصلح ، سواء في ذلك المن أو الفداء أو القتل . وذلك منوط بالإمام ومعه الفئة الظاهرة من أهل العلم والاجتهاد .
أما حصرهم : فالمراد به منعهم من الخروج أو التصرف في البلاد .
قوله : { واقعدوا لهم كل مرصد } { كل } ، منصوب ، على الظرف{[1723]} والمرصد ، هو موضع الرصد . ومنه الرصد ؛ أي الراقب . والترصد معناه الترقب{[1724]} والمراد بالرصد هنا ؛ الموضع الذي يرقب فيه العدو ؛ أي اقعدوا لهم على كل طريق يمضون فيه إلى البيت أو الصحراء أو التجارة .
قوله : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } أي تابوا عن الشرك وخلعوا عن أنفسهم هوى العبودية لغير الله من الأصنام ونحوها . فآمنوا بالله ورسوله . وثمة شرطان آخران مضافان للإيمان بالله ورسوله لتتحقق التوبة الصحيحة فيخلى المسلمون سبيلهم . أولهما : الصلاة . ولا خلاف بين المسلمين أن من ترك الصلاة أو سائر الفرائض استحلالا أو جحدا ؛ فقد كفر . أما من تركها من غير جحد لها ولا استحلال ، بل على سبيل التهاون والتثاقل أو الكسل ؛ فإنه يكون فاسقا لكنه يقتل حدا وعقوبة ، في قول مالك والشافعي ؛ ويقتل كفرا ، في قوله أحمد وإن لم يكن جاحدا لها . وقال أبو حنيفة : لا يقتل بل يسجن ويضرب حتى يصلي .
وثانيهما : الزكاة ؛ فغنها تؤخذ من ذوي النصاب قسرا إن أبوا ، ويقاتلون عليها قتالا إن منعوها ؛ فهي اشرف أركان الإسلام وواجباته بعد الشهادة والصلاة لما فيها من منفعة للفقراء والمساكين والمحاويج .
ولهذا اعتمد الصديق ( رضي الله عنه ) في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية ، وعلى غيرها من أدلة السنة . ومنها ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر ( رضي الله عنهما ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ) .
قوله : { فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } أي إن تحقق الشرط وهو توبتهم عن الشرك وأداؤهم الصلاة وإيتاؤهم الزكاة ؛ فدعوهم يتصرفون في بلادكم ويدخلون البيت الحرام ؛ فغن الله يغفر لمن تاب عن الذنوب وأناب إلى ربه بالطاعة وحسن العبادة . ذلكم وأن الله رحيم بعباده يتجاوز عن سيئاتهم وخطيئاتهم ، ويسكنهم فسيح جناته ، ويغشاهم بفضله ورضوانه{[1725]} .