الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (11)

{ إن الذين جاؤوا بالإفك } بالكذب على عائشة رضوان الله عليها وصفوان { عصبة } جماعة { منكم } يعني حسان بن ثابت ومسطحا وعبد الله ابن أبي المنافق وحمنة بنت جحش { لا تحسبوه } لا تحسبوا ذلك الإفك { شرا لكم بل هو خير لكم } لأن الله تعالى يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم { لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم } جزاء ما اجترح من الذنب { والذي تولى كبره } تحمل معظمه فبدأ بالخوض فيه وهو عبد الله ابن أبي

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (11)

فيه ثمان وعشرون مسألة{[11815]} :

الأولى-قوله تعالى : " إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم " " عصبة " خبر " إن " . ويجوز نصبها على الحال ، ويكون الخبر " لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم " . وسبب نزولها ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشة رضوان الله عليها ، وهو خبر صحيح مشهور ، أغنى اشتهاره عن ذكره ، وسيأتي مختصرا . وأخرجه البخاري تعليقا ، وحديثه أتم . قال : وقال أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، وأخرجه أيضا عن محمد بن كثير عن أخيه سليمان من حديث مسروق عن أم رومان أم عائشة أنها قالت : لما رميت عائشة خرت مغشيا عليها . وعن موسى بن إسماعيل من حديث أبي وائل قال : حدثني مسروق بن الأجدع قال حدثتني أم رومان وهي أم عائشة قالت : بينا أنا قاعدة أنا وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار فقالت : فعل الله بفلان وفعل بفلان فقالت أم رومان : وما ذاك ؟ قالت ابني فيمن حدّث الحديث قالت : وما ذاك ؟ قالت كذا وكذا . قالت عائشة : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت نعم . قالت : وأبو بكر ؟ قالت نعم فخرت مغشيا عليها ، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض{[11816]} فطرحت عليها ثيابها فغطيتها فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما شأن هذه ؟ ) فقلت : يا رسول الله ، أخذتها الحمى بنافض . قال : ( فلعل في حديث تُحُدِّث به ) قالت : نعم . فقعدت عائشة فقالت : والله ، لئن حلفت لا تصدقوني ولئن قلت لا تعذروني مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه{[11817]} والله المستعان على ما تصفون . قالت : وانصرف ولم يقل شيئا فأنزل الله عذرها . قالت : بحمد الله لا بحمد أحد ولا بحمدك . قال أبو عبد الله الحميدي : كان بعض من لقينا من الحفاظ البغداديين يقول الإرسال في هذا الحديث أبين ، واستدل على ذلك بأن أم رومان توفيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسروق لم يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف . وللبخاري من حديث عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة كانت تقرأ " إذ تلقونه بألسنتكم " وتقول : الولق الكذب . قال ابن أبي مليكة : وكانت أعلم بذلك{[11818]} من غيرها لأنه نزل فيها . قال البخاري : وقال معمر{[11819]} بن راشد عن الزهري : كان حديث الإفك في غزوة المريسيع . قال ابن إسحاق : وذلك سنة ست . وقال موسى بن عقبة : سنة أربع . وأخرج البخاري من حديث معمر عن الزهري قال : قال لي الوليد بن عبد الملك : أبلغك أن عليا كان فيمن قذف ؟ قال : قلت : لا ، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبدالرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عائشة قالت لهما : كان عليٌّ مُسَلَِّمًا{[11820]} في شأنها . وأخرجه أبو بكر الإسماعيلي في كتابه المخرج على الصحيح من وجه آخر من حديث معمر عن الزهري ، وفيه : قال كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال : الذي تولى كبره منهم علي بن أبي طالب ؟ فقلت : لا ، حدثني سعيد بن المسيب وعروة وعلقمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كلهم يقول سمعت عائشة تقول : والذي تولى كبره : عبدالله بن أبي[ بن سلول ]{[11821]} . وأخرج{[11822]} البخاري أيضا من حديث الزهري عن عروة عن عائشة : والذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي .

الثانية-قوله تعالى : " بالإفك " الإفك الكذب . والعصبة ثلاثة رجال ، قاله ابن عباس . وعنه أيضا من الثلاثة إلى العشرة . ابن عيينة : أربعون رجلا . مجاهد : من عشرة إلى خمسة عشر . وأصلها في اللغة وكلام العرب الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض . والخير حقيقته ما زاد نفعه على ضره . والشر ما زاد ضره على نفعه . وإن خيرا لا شر فيه هو الجنة . وشرا لا خير فيه هو جهنم . فأما البلاء النازل على الأولياء فهو خير ؛ لأن ضرره من الألم قليل في الدنيا ، وخيره هو الثواب الكثير في الأخرى . فنبه الله تعالى عائشة وأهلها وصفوان ، إذ الخطاب لهم في قوله " لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم " ؛ لرجحان النفع والخير على جانب الشر .

الثالثة-لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة معه في غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع ، وقفل ودنا من المدينة آذن ليلة بالرحيل قامت حين آذنوا بالرحيل فمشت حتى جاوزت الجيش ، فلما فرغت من شأنها أقبلت إلى الرحل فلمست صدرها ، فإذا عقد من جزع ظفار{[11823]} قد انقطع ، فرجعت فالتمسته فحبسها ابتغاؤه ، فوجدته وانصرفت فلما لم تجد أحدا ، وكانت شابة قليلة اللحم ، فرفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها منه ، فلما لم تجد أحدا اضطجعت في مكانها رجاء أن تفتقد فيرجع إليها ، فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وذلك أنه كان تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة . وقيل : إنها استيقظت لاسترجاعه ، ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة ، وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة ، فوقع أهل الإفك في مقالتهم ، وكان الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه{[11824]} ويشعله عبد الله بن أبي بن سلول المنافق ، وهو الذي رأى صفوان آخذا بزمام ناقة عائشة فقال : والله ما نجت منه ولا نجا منها ، وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل . وكان من قالته حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش . هذا اختصار الحديث ، وهو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم ، وهو في مسلم أكمل . ولما بلغ صفوان قول حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربة على رأسه وقال :

تلقَّ ذُبَابَ السيف عني فإنني *** غلامٌ إذا هُوجِيت ليس بشاعر

فأخذ جماعة حسان ولبَّبُوه{[11825]} وجاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم جرح حسان واستوهبه إياه . وهذا يدل على أن حسان ممن تولى الكبر ، على ما يأتي والله أعلم . وكان صفوان هذا صاحبَ ساقَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته لشجاعته ، وكان من خيار الصحابة[ رضي الله عنهم ]{[11826]} . وقيل : كان حصورا لا يأتي النساء ، ذكره ابن إسحاق من طريق عائشة . وقيل : كان له ابنان ، يدل على ذلك حديثه المروي مع امرأته ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في ابنيه : ( لهما أشبه به من الغراب بالغراب ) . وقوله في الحديث : والله ما كشف كنف أنثى قط ، يريد بزنى . وقتل شهيدا رضي الله عنه في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمان عمر ، وقيل : ببلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمان معاوية .

الرابعة-قوله تعالى : " لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم " يعني ممن تكلم بالإفك . ولم يسم من أهل الإفك إلا حسان ومسطح وحمنة وعبد الله ، وجهل الغير ، قاله عروة بن الزبير ، وقد سأله عن ذلك عبدالملك بن مروان ، وقال : إلا أنهم كانوا عصبة ، كما قال الله تعالى . وفي مصحف حفصة " عصبة{[11827]} أربعة " .

الخامسة-قوله تعالى : " والذي تولى كبره منهم " وقرأ حميد الأعرج ويعقوب " كُبره " بضم الكاف . قال الفراء : وهو وجه جيد ؛ لأن العرب تقول : فلان تولى عظم كذا وكذا ؛ أي أكبره . روي عن عائشة أنه حسان ، وأنها قالت حين عمي : لعل العذاب العظيم الذي أوعده الله به ذهاب بصره ، رواه عنها مسروق . وروي عنها أنه عبد الله بن أبي ، وهو الصحيح ، وقال ابن عباس . وحكى أبو عمر بن عبدالبر أن عائشة برأت حسان من الفرية ، وقالت : إنه لم يقل شيئا . وقد أنكر حسان أن يكون قال شيئا من ذلك في قوله :

حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ *** وتصبحُ غَرْثَى من لحومِ الغَوَافِلِ{[11828]}

حليلةُ خير الناس ديناً ومنصباً *** نبيِّ الهدى والمكرمات الفواضلِ

عقيلةُ حيٍّ من لؤيِّ بن غالب *** كرام المساعي مجدُها غيرُ زائل

مهذبةٌ قد طيب الله خِيمَها{[11829]} *** وطهَّرَهَا من كل شَيْنٍ وباطل

فإن كان ما بلغت أني قلته *** فلا رفعت سوطي إلي أناملي

فكيف ووُدِّي ما حييت ونصرتي *** لآل رسول الله زينِ المحافلِ

له رُتَبٌ عالٍ على الناس فضلها *** تَقَاصَرُ عنها سَوْرَةُ المتطاولِ

وقد روي أنه لما أنشدها : حصان رزان ، قالت له : لست كذلك ، تريد أنك وقعت في الغوافل . وهذا تعارض ، ويمكن الجمع بأن يقال : إن حسانا لم يقل ذلك نصا وتصريحا ، ويكون عرض بذلك وأومأ إليه فنسب ذلك إليه ، والله أعلم .

وقد اختلف الناس فيه هل خاض في الإفك أم لا ؟ وهل جلد الحد أم لا ؟ فالله أعلم أي ذلك كان ، وهي المسألة :

السادسة- فروى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الإفك رجلين وامرأة : مسطحا وحسان وحمنة ، وذكره الترمذي وذكر القشيري عن ابن عباس قال : جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي ثمانين جلدة ، وله في الآخرة عذاب النار . قال القشيري : والذي ثبت في الأخبار أنه ضرب ابن أبي وضرب حسان وحمنة ، وأما مسطح فلم يثبت عنه قذف صريح ، ولكنه كان يسمع ويشيع من غير تصريح . قال الماوردي{[11830]} وغيره : اختلفوا هل حد النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب الإفك ، على قولين : أحدهما أنه لم يحد أحدا من أصحاب الإفك ؛ لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو ببينة ، ولم يتعبده الله أن يقيمها بإخباره عنها ، كما لم يتعبده بقتل المنافقين ، وقد أخبره بكفرهم .

قلت : وهذا فاسد مخالف لنص القرآن ، فإن الله عز وجل يقول : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " أي على صدق قولهم : " فاجلدوهم ثمانين جلدة " . والقول الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم حد أهل الإفك عبد الله بن أبي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ، وفي ذلك قال شاعر من المسلمين :

لقد ذاق حسان الذي كان أهلَه *** وحَمْنَة إذ قالوا هجيراً ومسطحُ

وابن سلول ذاق في الحد خِزْيَةً *** كما خاض في إفك من القول يفصح

تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم *** وسخطة ذي العرش الكريم فأبرحوا{[11831]}

وآذوا رسول الله فيها فجلدوا *** مخازي تبقى عمموها وفضحوا

فصب عليهم مُحْصَدَات كأنها *** شآبيبُ قطر من ذُرَى المُزْنِ تسفحُ

قلت : المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذي حد حسان ومسطح وحمنة ، ولم يسمع بحد لعبد الله بن أبي . روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما نزل عذري قام النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك ، وتلا القرآن ، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم ، وسماهم : حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش . وفي كتاب الطحاوي " ثمانين ثمانين " . قال علماؤنا . وإنما لم يحد عبد{[11832]}الله بن أبي ؛ لأن الله تعالى قد أعد له في الآخرة عذابا عظيما ، فلو حد في الدنيا لكان ذلك نقصا من عذابه في الآخرة وتخفيفا عنه مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة رضي الله عنها وبكذب كل من رماها ، فقد حصلت فائدة الحد ؛ إذ مقصوده إظهار كذب القاذف وبراءة المقذوف ، كما قال الله تعالى : " فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون " . وإنما حد هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحدود ( إنها كفارة لمن أقيمت عليه ) ، كما في حديث عبادة بن الصامت . ويحتمل أن يقال : إنما ترك حد ابن أبي استئلافا لقومه واحتراما لابنه ، وإطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك ، وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عبادة ومن قومه ، كما في صحيح مسلم . والله أعلم .


[11815]:يلاحظ أن المسائل سبع وعشرون في جميع الأصول.
[11816]:أي برعشة.
[11817]:إذ قال في محنته: والله المستعان...إلخ.
[11818]:أي بالذي قرأت به.
[11819]:الذي في لبخاري "النعمان بن راشد".
[11820]:قوله "مسلما" بكسر اللام المشددة من التسليم؛ أي ساكتا في شأنها. وقيل: بفتح اللام، من السلامة من الخوض فيه.
[11821]:من ك.
[11822]:في ك: وأخرجه.
[11823]:الجزع (بفتح الجيم وسكون الزاي): خرز معروف في سواده بياض كالعروق. وظفار (كخضار): مدينة باليمن.
[11824]:يستوشيه: يستخرجه بالبحث والمسألة ثم يفشيه ويشيعه ويحركه.
[11825]:لبب فلان فلانا: أخذ بتلبيبه، أي: جمع ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة ثم جره.
[11826]:من ك.
[11827]:في ك: عصيبة بالتصغير.
[11828]:الحصان: العفيفة. ورزان: ذات ثياب ووقار وعفاف. وغرثى: جائعة. ما تزن: ما تتهم. الغوافل: جمع غافلة؛ أي: لا ترتع في أعراض الناس.
[11829]:الخيم(بالكسر): الشيمة والطبيعة والخلق والأصل.
[11830]:في ك و ط: السابعة قال الماوردي....إلخ.
[11831]:أي جاءوا بأمر مفرط في الإثم.
[11832]:في ك: عدو الله.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (11)

قوله تعالى : { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ( 11 ) } .

هذه الآية وما بعدها من الآيات التسع نزلت كلها في شأن أم المؤمنين عائشة ( رضي الله عنها ) وذلك لما رماها الأفاكون الكذابون بالفرية والبهتان . رماها المنافقون الماكرون الذين يتدسسون كعادتهم ، خلف كل أمة من كل زمان . إنهم يستخفون من أنظار الناس ليجيدوا في الظلام صنعة الخيانة والغدر والكيد للمسلمين ودينهم .

ذلك هو ديدن المنافقين الأنذال وهم يتلصصون مثل خفافيش الظلام ليجدوا من بين المسلمين فرجة ينفذون منها ليثيروا في أوساط المسلمين القلاقل والظنون والخلخلة والأوهام والفوضى ، وهم خلف الصفوف راقدون مستخفون يتسمعون- نتيجة لكيدهم وعذرهم- ما سوف يحيق بالمسلمين من الأرزاء والبلايا .

وذلكم رسول الله ( ص ) ، نبراس البشرية في الهدى والتقى والصلاح ، وحامل لواء الهداية والفضيلة والنور للعالمين ، وشفيع الخلائق في يوم الزحام ، يوم الفزع الأكبر- لم ينج ( ص ) من قالة الكذب والباطل ، يندلق من أفواه المنافقين الرعاديد وهم يفترون على زوجته الطاهرة المصون . الزوجة الكريمة المبرأة الفضلى ، إحدى خير نساء العالمين ، بكمال دينها وتقواها ، ورجاحة عقلها المميز الكبير ، وطهر محتدها الأصيل المفضال في كنف الأبوة الصديقة ، والنبوة الميمونة .

لقد افترى الظالمون والمنافقون والأغرار على أم المؤمنين بفاحش القول مما يثير في المؤمنين المتقين بالغ الغيرة والغضب ، وشديد الابتئاس والاشمئزاز كلما فطنوا القصة أو تلوها . وما يزيدهم مثل هذا الإفك والباطل إلا ثقة برسول الله ( ص ) ، ويقينا بحقيقة الإسلام وصدق رسالته ، وأنه الدين الحق الذي جيء به من عند الله ليكون رحمة للناس . ومن أجل ذلك كرهه المبطلون الأشرار من الكافرين والملحدين والمنافقين .

قوله : ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ) ( عصبة ) مرفوع على أنه خبر ( إن ) {[3231]} والعصبة من الرجال نحو العشرة . وقيل : من العشرة إلى الأربعين . والعصابة بالكسر : الجماعة من الناس{[3232]} والإفك : معناه الكذب . والأفاك ، الكذاب{[3233]} والمراد بالإفك هنا : أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء . وهو القلب ؛ أي الحديث المقلوب ؛ فقد افترى الأفاكون على السيدة عائشة كذبا وقلبا للحقيقة . والمعروف من حال السيدة عائشة ، هذه المرأة الزكية المصون ، خلاف ما زعموه واصطنعوه من الباطل ؛ فهي زوجة الرسول ( ص ) ، وهو معصوم من كل سوء أو خطيئة أو دنس . والمراد بالعصبة ، الجماعة من القاذفين المبطلين وكانوا من المنافقين وأتباعهم . وكان طليعة هؤلاء في النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول . فقد كان رأسا من رؤوس النفاق في زمن النبوة وقد ركب رأسه وتولى كبره وهو يعيث بين الناس تشويشا وتوهيما وإشاعة للفتنة والريبة .

قوله : ( لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ) الضمير في ( تحسبوه ) عائد على من ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله ( ص ) وأبي بكر وعائشة وصفوان ابن المعطل ( رضي الله عنهم ) والمراد بكون ذلك خيرا لا شرا أنهم اكتسبوا بما أصابهم ثوابا عظيما وذكرا حميدا إلى يوم الدين ؛ فقد أصابهم بلاء كبير ومحنة ظاهرة مما لمزهم به المنافقون من بهتان وفحش الكلام . فأنزل الله في شأنهم هذه القصة وفيها عدة آيات ، كل واحدة منها مستقلة بما فيه تعظيم لشأن رسول الله ( ص ) وتكريم له ولزوجه أم المؤمنين رضوان الله عليها وتنزيهه لها مما رماها به المنافقون وأتباعهم من الدنس . إلى غير ذلك من تهويل لمن تكلم في هذه القصة أو سمع بها فلم يألم ولم يغضب ولم تثره فيه ثائرة الحماسة والغيرة على أهل بيت رسول الله ( ص ) وزوجته الفاضلة الطهور . ثم صفوان بن المعطل الصحابي التقي الجليل الذي نالته ألسنة المتقولين بالسوء . وقد كان صفوان صاحب ساقة رسول الله ( ص ) في غزواته لشجاعته . وكان من خيار الصحابة ( رضي الله عنه ) وقد قتل شهيدا في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمان عمر . وخلاصة القصة في أمر صفوان أنه لما خرج رسول الله ( ص ) بعائشة معه في غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع ، وقفل ودنا من المدينة قافلا ، آذن ليلة بالرحيل فقامت عائشة حين أذنوا بالرحيل فمشت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضت شأنها أقبلت إلى رحلها فلمست صدرها فإذا عقد من خرز قد انقطع فرجعت تلتمسه فحبسها ابتغاؤه ، فوجدته ثم انصرفت فلم تجد أحدا . فلما لم تجد أحدا اضطجعت في مكانها رجاء أن تُفتقد فيرجع إليه فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل : إنا لله وإنا إليه راجعون . وذلك أنه كان تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة . فنزل عن ناقته وتنحّى عنها حتى ركبت عائشة وأخذ يقودها حتى بلغ الجيش في نحر الظهيرة . فوقع أهل الإفك فيما افتروه من باطل وبهتان . وكان أشدهم في ذلك وأنكاهم عبد الله بن أبي ابن سلول ، كبير المنافقين في المدينة . فهو الذي رأى صفوان آخذا بزمام ناقة عائشة فقال فريته الظالمة : والله ما نجت منه ولا نجا منها . وكان من قالة السوء في قصة عائشة حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش .

فيا ويح هؤلاء أنى لهم أن يتقوّلوا على أقدس بيت في العالمين بالسوء من فُحش القول الأثيم ، وقد علموا رسولهم الأكرم عصمته وصونه في كرامته المثلى وشرفه المبجل الأجل . وليت شعري هل أظلت السماء كريما رفيعا بالغا في طهر السيرة وشرف البيت والحمى مثل رسول الله محمد ( ص ) .

قوله : ( لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ) لكل واحد من هؤلاء المفترين على عائشة من الجزاء بقدر ما خاض فيه أو اجترم .

قوله : ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) ( كبره ) بكسر الكاف ، ومعناه معظم الإثم والإفك . والمراد بذلك موضع خلاف . فقد قيل : إنه حسان بن ثابت ولعل العذاب العظيم الذي توعده الله به ذهاب بصره . وقيل : المراد عبد الله بن أبي سلول ؛ فهو الذي ابتدأ الإفك ، وكان يجمع القائلين بهذه الفرية في بيته ويحدثهم بمقالة الإفك . فقد أوعده الله جزاء إفكه عذابا عظيما وهي النار .

وقد اختلفوا هل حد النبي ( ص ) أصحاب الإفك ؟ ثمة قولان في ذلك . أحدهما : أنه لم يحدّ أحدا من أصحاب الإفك . وثانيهما : أنه حد أهل الإفك عبد الله بن أبي ومسطح حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش . والمشهور أن الذي حُدّ ، حسان ومسطح وحمنة . أما عبد الله فلم يحد ليلقى جزاءه في النار في مقابلة ما اجترم من الإفك . أما الذين حدهم فيكما يكون حدهم كفارة لهم عما اقترفوه من الإفك{[3234]} .


[3231]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 194.
[3232]:- مختار الصحاح ص 435 والمصباح المنير جـ2 ص 63.
[3233]:- القاموس المحيط جـ3 ص 302.
[3234]:- تفسير القرطبي جـ 12 ص 197- 202 والكشاف جـ3 ص 53 وفتح القدير جـ3 ص 12 وتفسير ابن كثير جـ3 ص 268.