الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ} (63)

{ فكان كل فرق } قطعة من الماء { كالطود العظيم } كالجبل

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ} (63)

أمر الله تعالى موسى أن يضرب البحر بعصاه ، وذلك أنه عز وجل أراد أن تكون الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل يفعله ، وإلا فضرب العصا ليس بفارق للبحر ، ولا معين على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة الله تعالى واختراعه . وقد مضى في " البقرة " {[12207]} قصة هذا البحر . ولما انفلق صار فيه اثنا عشر طريقا على عدد أسباط بني إسرائيل ، ووقف الماء بينها كالطود العظيم ، أي الجبل العظيم . والطود الجبل ؛ ومنه قول امرئ القيس :

فبينا المرءُ في الأحياء طَوْدُ *** رماه الناس عن كَثَبٍ فمَالا

وقال الأسود بن يعفر :

حلُّوا بأنقَرةٍ يَسيلُ عليهم *** ماءُ الفرات يجيء من أطْوَادِ

جمع طود أي جبل . فصار لموسى وأصحابه طريقا في البحر يبسا ، فلما خرج أصحاب موسى وتكامل آخر أصحاب فرعون على ما تقدم في " يونس " {[12208]} انصب عليهم وغرق فرعون ، فقال بعض أصحاب موسى : ما غرق فرعون ، فنبذ على ساحل البحر حتى نظروا إليه . وروى ابن القاسم عن مالك قال : خرج مع موسى عليه السلام رجلان من التجار إلى البحر ، فلما أتوا إليه قالا له بم أمرك الله ؟ قال : أمرت أن أضرب البحر بعصاي هذه فينفلق ، فقالا له : افعل ما أمرك الله فلن يخلفك ، ثم ألقيا أنفسهما في البحر تصديقا له ، فما زال كذلك البحر حتى دخل فرعون ومن معه ، ثم ارتد كما كان . وقد مضى هذا المعنى في سورة " البقرة " .


[12207]:راجع ج 1 ص 389 وما بعدها في طبعة ثانية أو ثالثة.
[12208]:راجع ج 8 ص 378 طبعة أولى أو ثانية.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ} (63)

قوله : { فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ } وهذه بداية النصر والتأييد من الله بإهلاك الظالمين المجرمين ، فرعون وجنوده أجمعين . فقد أمر الله كليمه موسى أن يضرب البحر بعصاه فانفلق ؛ أي صار فيه اثنا عشر طريقا على عدد أسباط بني إسرائيل ؛ ليمضي كل سبط منهم في طريق . وكل ذلك بقدرة الله المطلقة ومشيئته التي لا تعرف الحدود . نوقن بذلك تمام اليقين ونحن نتصور العصا ، هذا الجرم الصغير المهين ، وهو يُضرب به البحر ؛ فإنه في معيار الطبيعة وقوانينها لا يساوي شيئا ولا يؤثر في البحر أهون تأثير . لكن الله العزيز المقتدر خالق الأشياء والكائنات ، والذي أودع فيها ما أودع من القوانين والخصائص قادر أن يفعل ما يريد من المعجزات الحسية التي تتعطل عندها قوانين الطبيعة ونواميسها . وهذه واحدة من المعجزات الكبرى التي تحققت لبني إسرائيل بقيادة النبي العظيم موسى عليه الصلاة والسلام . وهي انفراق البحر اثني عشر طريقا يبسا ممهدا يسيرون فيه في أمن ويسر .

قوله : { فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ } الفرق ، القطعة أو الجزء المنفرق من البحر . والطود ، معناه الجبل العظيم{[3377]} والمعنى : قام الماء عن يمين كل طريق من هذه الطرق وعن يساره كالجبل الشاهق العظيم . وهذه معجزة كبيرة مثيرة توجج العجب وتدير الرأس . وللمرء أن يتخيل الماء وهو يقف شاهقا مركوما على جانبي كل طريق من هذه الطرق . ومجرد قيامه عاليا متراكما لا يسقط ولا يسيل ، ينبئ بمعجزة ظاهرة ثانية .

وذكر كثير من المفسرين أنه قد جُعلت لهم كوى أو منافذ في الجدران المائية التي تفصل بين الأسباط الاثني عشر ليرى بنو إسرائيل بعضهم بعضا . وهذه معجزة ثالثة من معجزات حسية قد أوتيها بنو إسرائيل ليشكروا الله على ما آتاهم من فضله من عظيم العطايا مما لم يعط مثله أحد غيرهم في العالمين . لكنهم في الحقيقة لم يشكروا ولم يتذكروا ، ولم يقابلوا عطايا الله بالخشوع والتواضع والرحمة بالبشرية بل إنهم وذراريهم من بعدهم قد جحدوا واستكبروا بعد أن طال عليهم الأمد فقست قلوبهم . فهم أولوا طبائع غريبة . بما خالطها من انحراف وعوج وبما تجلى في نفوسهم وسلوكهم وطريقة تفكيرهم من زيغ واعوجاج وجنوح للتخريب وبما مردوا عليه خلال تاريخهم الطويل من رغبة ملحة في التدسس خلف المجتمعات لإضعافها والسيطرة عليها .


[3377]:مختار الصحاح ص 399