الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (157)

{ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ وكانت هذه الخلة مؤكدة لمعجزته في القران { الذي يجدونه } بنعته وصفته { مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف } بالتوحيد وشرائع الإسلام { وينهاهم عن المنكر } عبادة الأوثان وما لا يعرف في شريعة { ويحل لهم الطيبات } يعني ما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل وشحوم الضأن { ويحرم عليهم الخبائث } الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة { ويضع عنهم إصرهم } ويسقط عنهم ثقل العهد الذي أخذ عليهم { والأغلال التي كانت عليهم } الشدائد التي كانت عليهم كقطع آثر البول وقتل النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة { فالذين آمنوا به } من اليهود { وعزروه } ووقروه { ونصروه } على عدوه { واتبعوا النور الذي أنزل معه } يعني القرآن الآيتين

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (157)

فيه عشر مسائل :

الأولى - روى يحيى بن أبي كثير عن نوف البكالي الحميري : لما اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات ربه قال الله تعالى لموسى : أن أجعل لكم الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث أدركتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر ، وأجعل السكينة في قلوبكم ، وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهر قلوبكم ، يقرأها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير . فقال ذلك موسى لقومه ، فقالوا : لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس ، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا ، ونريد أن تكون كما كانت في التابوت ، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهر قلوبنا ، ولا نريد أن نقرأها إلا نظرا . فقال الله تعالى : " فسأكتبها للذين يتقون - إلى قوله - المفلحون " . فجعلها لهذه الأمة . فقال موسى : يا رب ، اجعلني نبيهم . فقال : نبيهم منهم . قال : رب اجعلني{[7402]} منهم . قال : إنك لن تدركهم . فقال موسى : يا رب ، أتيتك بوفد بني إسرائيل ، فجعلت وفادتنا لغيرنا . فأنزل الله عز وجل : " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون{[7403]} " [ الأعراف : 159 ] . فرضي موسى . قال نوف : فاحمدوا الله الذي جعل وفادة بني إسرائيل لكم . وذكر أبو نعيم أيضا هذه القصة من حديث الأوزاعي قال : حدثنا يحيى بن أبي عمرو الشيباني{[7404]} قال حدثني نوف البكالي{[7405]} إذا افتتح موعظة قال : ألا تحمدون ربكم الذي حفظ غيبتكم وأخذ لكم بعد سهمكم وجعل وفادة القوم لكم . وذلك أن موسى عليه السلام وفد ببني إسرائيل فقال الله{[7406]} لهم : إني قد جعلت لكم الأرض مسجدا حيثما صليتم فيها تقبلت صلاتكم إلا في ثلاثة مواطن من صلى فيمن لم أقبل صلاته المقبرة والحمام والمرحاض . قالوا : لا ، إلا في الكنيسة . قال : وجعلت لكم التراب طهورا إذا لم تجدوا الماء . قالوا : لا ، إلا بالماء . قال : وجعلت لكم حيثما صلى الرجل فكان وحده تقبلت صلاته . قالوا : لا ، إلا في جماعة .

الثانية - قوله تعالى : " الذين يتبعون الرسول النبي الأمي " هذه الألفاظ كما ذكرنا أخرجت اليهود والنصارى من الاشتراك الذي يظهر في قوله : " فسأكتبها للذين يتقون " وخلصت هذه العدة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم . قاله ابن عباس وابن جبير وغيرهما . و " يتبعون " يعني في شرعه ودينه وما جاء به . والرسول والنبي صلى الله عليه وسلم اسمان لمعنيين ، فإن الرسول أخص من النبي . وقدم الرسول اهتماما بمعنى الرسالة ، وإلا فمعنى النبوة هو المتقدم ؛ ولذلك رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على البراء حين قال : وبرسولك الذي أرسلت . فقال له : ( قل آمنت بنبيك الذي أرسلت ) خرجه في الصحيح . وأيضا فإن في قوله : " وبرسولك الذي أرسلت " تكرير الرسالة ، وهو معنى واحد فيكون كالحشو الذي لا فائدة فيه . بخلاف قوله : " ونبيك الذي أرسلت " فإنهما لا تكرار فيهما . وعلى هذا فكل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا ؛ لأن الرسول والنبي قد اشتركا في أمر عام وهو النبأ ، وافترقا في أمر خاص{[7407]} وهي الرسالة . فإذا قلت : محمد رسول من عند الله تضمن ذلك أنه نبي ورسول الله . وكذلك غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .

الثالثة - قوله تعالى : " الأمي " هو منسوب إلى الأمة الأمية ، التي هي على أصل ولادتها ، لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها قاله ابن عزيز{[7408]} . وقال ابن عباس رضي الله عنه : كان نبيكم صلى الله عليه وسلم أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب . قال الله تعالى : " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك{[7409]} " [ العنكبوت : 48 ] . وروي في الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) . الحديث . وقيل : نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة أم القرى . ذكره النحاس .

الرابعة - قوله تعالى : " الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل " روى البخاري قال : حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا فليح قال حدثنا هلال عن عطاء بن يسار لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة . فقال : أجل ، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا{[7410]} ، وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب{[7411]} في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ، ويفتح بها أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلقا . في غير البخاري{[7412]} قال عطاء : ثم لقيت كعبا فسألته عن ذلك فما اختلفا حرفا ، إلا أن كعبا قال بلغته : قلوبا غلوفيا وآذانا صموميا وأعينا عموميا . قال ابن عطية : وأظن هذا وهما أو عجمة . وقد روي عن كعب أنه قالها : قلوبا غلوفا وآذانا صموما وأعينا عموميا . قال الطبري : هي لغة حميرية . وزاد كعب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم قال : مولده بمكة ، وهجرته بطابة{[7413]} ، وملكه بالشأم ، وأمته الحامدون ، يحمدون الله على كل حال وفي كل منزل ، يوضؤون أطرافهم ويأتزرون إلى أنصاف ساقهم ، رعاة الشمس ، يصلون الصلوات حيثما أدركتهم ولو على ظهر الكناسة{[7414]} ، صفهم في القتال مثل{[7415]} صفهم في الصلاة . ثم قرأ " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص{[7416]} " [ الصف : 4 ] .

الخامسة - قوله تعالى : " يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر " قال عطاء : " يأمرهم بالمعروف " بخلع الأنداد ، ومكارم الأخلاق ، وصلة الأرحام . " وينهاهم عن المنكر " عبادة الأصنام ، وقطع الأرحام .

السادسة - قوله تعالى : " ويحل لهم الطيبات " مذهب مالك أن الطيبات هي المحللات ، فكأنه وصفها بالطيب ؛ إذ هي لفظة تتضمن مدحا وتشريفا . وبحسب هذا نقول في الخبائث : إنها المحرمات ؛ ولذلك قال ابن عباس : الخبائث هي لحم الخنزير والربا وغيره . وعلى هذا حلل مالك المتقذرات كالحيات والعقارب والخنافس ونحوها . ومذهب الشافعي رحمه الله أن الطيبات هي من جهة الطعم ، إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها ؛ لأن عمومها بهذا الوجه من الطعم يقتضي تحليل الخمر والخنزير ، بل يراها مختصة فيما حلله الشرع . ويرى الخبائث لفظا عاما في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات ، فيحرم العقارب والخنافس والوزغ وما جرى هذا المجرى . والناس على هذين القولين وقد تقدم في " البقرة{[7417]} " هذا المعنى .

السابعة - قوله تعالى : " ويضع عنهم إصرهم " الإصر : الثقل . قاله مجاهد وقتادة وابن جبير . والإصر أيضا : العهد . قاله ابن عباس والضحاك والحسن . وقد جمعت هذه الآية المعنيين ، فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال ، فوضع عنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك العهد وثقل تلك الأعمال ، كغسل البول ، وتحليل الغنائم ، ومجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها ، فإنهم كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضه . وروي : جلد أحدهم . وإذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء فأكلتها ، وإذا حاضت المرأة لم يقربوها ، إلى غير ذلك مما ثبت في الحديث{[7418]} الصحيح وغيره .

الثامنة - قوله تعالى : " والأغلال التي كانت عليهم " فالأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال . ومن الأثقال ترك الاشتغال يوم السبت ، فإنه يروى أن موسى عليه السلام رأى يوم السبت رجلا يحمل قصبا فضرب عنقه . هذا قول جمهور المفسرين . ولم يكن فيهم الدية ، وإنما كان القصاص . وأمروا بقتل أنفسهم علامة لتوبتهم ، إلى غير ذلك . فشبه ذلك بالأغلال ، كما قال الشاعر :

فليس كعهد الدار يا أم مالك *** ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل

عاد الفتى كالكهل ليس بقائل *** سوى العدل شيئا فاستراح العواذل

فشبه حدود الإسلام وموانعه عن التخطي إلى المحظورات بالسلاسل المحيطات بالرقاب . ومن هذا المعنى قول أبي أحمد بن جحش لأبي سفيان :

اذهب بها اذهب بها *** طُوِّقْتَهَا طوقَ الحَمَامَهْ

أي لزمك عارها . يقال : طوق فلان كذا إذا لزمه .

التاسعة - إن قيل : كيف عطف الأغلال وهو جمع على الإصر وهو مفرد ؟ فالجواب أن الإصر مصدر يقع على الكثرة . وقرأ ابن عامر " آصارهم " بالجمع ، مثل أعمالهم . فجمعه لاختلاف ضروب المآثم . والباقون بالتوحيد ؛ لأنه مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه مع إفراد لفظه . وقد أجمعوا على التوحيد في قوله : " ولا تحمل علينا إصرا{[7419]} " [ البقرة : 286 ] . وهكذا كلما يرد عليك من هذا المعنى ، مثل " وعلى سمعهم{[7420]} " [ البقرة : 7 ] . " لا يرتد إليهم طرفهم{[7421]} " [ إبراهيم : 43 ] . و " من طرف خفي{[7422]} " [ الشورى : 45 ] . كله بمعنى الجمع .

العاشرة - قوله تعالى : " فالذين آمنوا به وعزروه " أي وقروه ونصروه . قال الأخفش : وقرأ الجحدري وعيسى " وعزروه " بالتخفيف . وكذا " وعزرتموهم{[7423]} " [ المائدة : 12 ] . يقال : عزره يعزره ويعزره . " واتبعوا النور الذي أنزل معه " القرآن " أولئك هم المفلحون " " الفلاح " الظفر بالمطلوب . وقد تقدم هذا{[7424]} .


[7402]:في ج: أخرني حتى تجعلني منهم.
[7403]:راجع ج 302 من هذا الجزء.
[7404]:السيباني في التقريب: بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة وسيبان بطن من حمير. وهـ التهذيب.
[7405]:في ج و ز و ك و ى: قال كان أبو عمرو البكالي إذا افتتح. الخ وأبو عمرو كنية نوف ولعله يحدث عن نفسه.
[7406]:من ج و ز و ى.
[7407]:من ك.
[7408]:من ا و ب و ج و ح و ز و ى. وابن عزيز أو عزيز من علماء المالكية، وفي ل: ابن جرير وفي ك: ابن العربي.
[7409]:راجع ج 13 ص 351.
[7410]:راجع ج 14 ص 199 .
[7411]:في ع: هـ سخاب: بمهملة لغة في صخاب.
[7412]:من ب و ج و ك و ى
[7413]:طابة : طيبة وهي المدينة المنورة
[7414]:كذا في كل الأصول: والكناسة :القمامة ومكانها والصلاة لا تجوز على المزبلة : فتأمل.
[7415]:في ج: كصفهم.
[7416]:راجع ج 18 ص 81
[7417]:راجع ج 2 ص 207.
[7418]:من ع
[7419]:راجع ج 3 ص 430 و ج 1 ص 185 و 181 .
[7420]:راجع ج 3 ص 430 و ج 1 ص 185 و 181.
[7421]:راجع ج 9 ص 377.
[7422]:راجع ج 16 ص 45
[7423]:راجع ج 6 ص 114.
[7424]:من ج و ك
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (157)

قوله تعالى : { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هن المفلحون } هذه الآية تؤكد المعنى السابق ومفاده أن الله يكتب رحمته الواسعة { للذين يتقون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } وهم أمة الاسلام ، أمة محمد صلى الله عليه وسلم . أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فلاحظ لهم في الإيمان الحقيقي والصحيح ؛ لأنهم أمنوا ببعض النبيين وكفروا ببعضهم وذلك هو الجحد والكفران فضلا عما فعلوه في كتبهم السماوية من تغيير وتبديل .

قوله : { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } هذا الكلام من الله لموسى من قبل أن ينزل الإنجيل فهو من باب الإخبار بما سيكون في المستقبل . والرسول النبي الأمي هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادتها من السذاجة والبدائية . فلم تتعلم الكتابة ولا القراءة . وفي ذلك جاء في الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) وهذه علامة ظاهرة بلجة تكشف عن صدق نبوة هذا الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم ، وهي كونه أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة . لا جرم أن ذلك أبلغ في الدليل وأعظم في ظهور الحجة على صدق نبوته وأنه مرسل من عند الله ، وأن ما أنزل إليه من ربه الحق ، وهو القرآن الحكيم . هذا الكتاب المبارك الممجد الذي يعبق به الخير وتفوح منه الرحمة والبركة على الإنسانية والكائنات جميعا . وهو الذي تتندى منه ظواهر شتى من الإعجاز مما ليس له نظير في كلام الأولين والآخرين ، إن هذا الكتاب في روعة كلمه ، وجمال أسلوبه ، وعلو مستواه ، وكمال مبناه ، وجليل مضمونه ومحتواه ؛ إنما يدل على أنه من لدن رب العالمين . وأنى لبشر من البشر أن يصطنع شيئا مثل هذا الكلام العجيب الفذ ؟ ! مع التذكير والتنبيه أن محمدا صلى الله عليه وسلم رجل أمي ما عرف الكتابة ولا القراءة . وما درس من العلوم أو المعارف شيئا . وما تلقى من أخبار التاريخ أو الفلك أو الطبيعة أو غير ذلك من علوم الحياة .

قوله : { الذين يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } ذلك هو ذكر رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وصفته في الكتب السماوية السابقة ؛ إذ بشر بها النبييون السابقون أممهم أن الله مرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم مبعوثا للعالمين فأمرهم بتصديقه واتباعه ولم يزل صفته موجودة في التوراة والإنجيل لولا الضالون منهم الذين بدلوا كلام الله تبديلا ، وأسرفوا في تحريف كتبهم ، وأنكروا صفته صلى الله عليه وسلم . وفي ذلك روي الإمام أحمد عن رجل من الأعراب قال : جلبت حلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغت من بيعي قلت : لألفين هذا الرجل فلأسمعن منه . قال : فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي ؟ ) فقال برأسه : هكذا . أي لا . فقال ابنه : والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فقال : ( أقيموا اليهودي عن أخيكم ) ثم تولى كفنه والصلاة عليه .

قوله : { يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } ذلك إخبار عن رسالة الإسلام للبشرية . الرسالة الكاملة الشاملة المعتدلة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم لهداية العالمين وتخليصهم من الشرور والمفاسد والآفات النفسية والاجتماعية والفكرية وغيرها ، ولتنجيهم من أهوال القيامة .

وأول هذه الواجبات من التبليغ التي نيطت برسول الله { يأمرهم بالمعروف } وهو الإيمان بالله ولزوم طاعته في أوامره ونواهيه ، والدعوة إلى مكارم الأخلاق كالبر والإحسان والحياء والرحمة وصلة الأرحام ونحو ذلك .

وثاني هذه الواجبات { وينهاهم عن المنكر } وهو الشرك بالله ، واجتناب ما نهى اله عنه وزجر ، كقطع الأرحام ، وعقوق الوالدين ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وظلم الناس بكل صور الظلم وأشكاله .

وثالث هذه الواجبات { ويحل لهم الطبيات } أي يحل لهم ما كان أهل الجاهلية يحرمونه على أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي وغير ذلك من عادات الجاهلية مما كان فيه تضييق على أنفسهم .

ورابع هذه الواجبات : { ويحرم عليهم الخبائث } أي المحرمات كلحم الخنزير والربا والقمار والميتة وغير ذلك من المستقذرات كالأفاعي والعقارب والضفادع والخنافس نحو ذلك من الخبائث .

وخامس هذه الواجبات { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } الإصر معناه الثقل والعهد{[1537]} ؛ أي أن هذا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم جاء ليضع بشريعة القرآن العهد الذي كان الله أخذ على بني إسرائيل من إقامة التوراة والعمل بما فيها من الواجبات الشديدة والأعمال الثقال مما تضيق به النفوس وتفتر العزائم وتنثني دونه الهمم بمرور الزمن . لقد وضع الله عنهم بشريعة الإسلام هذه التكاليف الشاقة كقرض الثوب بالمقراض إذا أصابه بول . وقيل : قرض الجلد من البول . وكذلك تحريم الغنائم ، وتحريم مجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها ؛ فقد كانوا إذا حاضت المرأة لا يقربونها . وغير ذلك مما كان مفروضا عليهم ثم نسخ بالقرآن ، أما الأغلال ، فهي جمع غل ، بالضم . وهو طوق من حديد يجعل ف العنق{[1538]} والمراد به في الآية هنا ، تلك التكاليف الشاقة والواجبات الثقال التي لزمت بني إسرائيل ثم نسخت بشريعة الإسلام . هذا الدين الذي بني على التيسير والسماحة وهو ما يعبر عنه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ( بعثت بالحنيفية السمحة ) .

قوله : { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } عزروه ، من التعزيز ، وهو التوقير والتعظيم{[1539]} . أي أن الذين صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغروره ، أي وقروه وعظموه ونصوره وذادوا عنه كيلا يخلص إليه أذى أو مكروه { واتبعوا النور الذي أنزل معه } يعني القرآن { أولك من المفلحون } أي أن هؤلاء الذين يتصفون بتلك الصفات من الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتأييده بالمناصرة ، وبذل العون له والتعظيم ، واتباع ما جاء به هذا النبي من الكتاب المنزل الحكيم ؛ فإنهم الفائزون الناجون في الدنيا والآخرة{[1540]} .


[1537]:القاموس المحيط جـ 1 ص 378.
[1538]:المصباح المنير جـ 1 ص 105.
[1539]:مختار الصحاح ص 249.
[1540]:تفسير القرطبي جـ 7 ص 297- 301 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 251- 254 وفتح القدير جـ 2 ص 252، 253.