الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{بَلِ ٱدَّـٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ} (66)

وقوله { بل ادارك علمهم في الآخرة } أي لحقهم علمهم بأن الساعة والبعث حق في الآخرة حين لا ينفعهم ذلك ومن قرأ { ادارك } فمعناه تدارك أي تكامل علمهم يوم القيامة لأنهم يبعثون ويشاهدون ما وعدوا { بل هم في شك منها } في الدنيا { بل هم منها } من علمها { عمون } جاهلون

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{بَلِ ٱدَّـٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ} (66)

قوله تعالى : " بل ادارك علمهم في الآخرة " هذه قراءة أكثر الناس منهم عاصم وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي . وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وحميد : " بل أدرك " من الإدراك . وقرأ عطاء بن يسار وأخوه سليمان بن يسار والأعمش{[12314]} : " بل ادَّرك " غير مهموز مشددا . وقرأ ابن محيصن : " بل أأدرك " على الاستفهام . وقرأ ابن عباس : " بلى " بإثبات الياء " أدَّارك " بهمزة قطع والدال مشددة وألف بعدها ؛ قال النحاس : وإسناده إسناد صحيح ، هو من حديث شعبة يرفعه إلى ابن عباس . وزعم هارون القارئ أن قراءة أُبي " بل تدارك علمهم " .

القراءة الأولى والأخيرة معناهما واحد ، لأن أصل " ادارك " تدارك ، أدغمت الدال في التاء وجيء بألف الوصل ، وفي معناه قولان : أحدهما أن المعنى بل تكامل علمهم في الآخرة ؛ لأنهم رأوا كل ما وعدوا به معاينة فتكامل علمهم به . والقول الآخر أن المعنى : بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة ، فقالوا تكون وقالوا لا تكون . القراءة الثانية فيها أيضا قولان : أحدهما أن معناه كمل في الآخرة ، وهو مثل الأول ؛ قال مجاهد : معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم ؛ لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين . والقول الآخر أنه على معنى الإنكار ، وهو مذهب أبي إسحاق ، واستدل على صحة هذا القول بأن بعده " بل هم منها عمون " أي لم يدرك علمهم علم الآخرة . وقيل : بل ضل وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم . والقراءة الثالثة : " بل ادرك " فهي بمعنى " بل ادارك " وقد يجيء افتعل وتفاعل بمعنى ؛ ولذلك صحح ازدوجوا حين كان بمعنى تزاوجوا . القراءة الرابعة : ليس فيها إلا قول واحد يكون فيه معنى الإنكار ؛ كما تقول : أأنا قاتلتك ؟ ! فيكون المعنى لم يدرك ؛ وعليه ترجع قراءة ابن عباس ؛ قال ابن عباس : " بلى أدارك علمهم في الآخرة " أي لم يدرك . قال الفراء : وهو قول حسن كأنه وجهه إلى الاستهزاء بالمكذبين بالبعث ، كقولك لرجل تكذبه : بلى لعمري قد أدركت السلف فأنت تروي ما لا أروي وأنت تكذبه . وقراءة سابعة : " بلَ ادرك " بفتح اللام ، عدل إلى الفتحة لخفتها . وقد حكي نحو ذلك عن قطرب في " قم الليل " فإنه عدل إلى الفتح . وكذلك و " بع الثوب " ونحوه . وذكر الزمخشري في الكتاب : وقرئ " بل أأدرك " بهمزتين " بل آأدرك " بألف بينهما " بلى أأدرك " " أم تدارك " " أم أدرك " فهذه ثنتا عشرة قراءة ، ثم أخذ يعلل وجوه القراءات وقال : فإن قلت فما وجه قراءة " بل أأدرك " على الاستفهام ؟ قلت : هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم ، وكذلك من قرأ : أم أدرك " و " أم تدارك " لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة ، وأما من قرأ : " بلى أأدرك " على الاستفهام فمعناه بلى يشعرون متى يبعثون ، ثم أنكر علمهم بكونها ، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور وقت كونها ؛ لأن العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن . " في الآخرة " في شأن الآخرة ومعناها . " بل هم في شك منها " أي في الدنيا . " بل هم منها عمون " أي بقلوبهم واحدهم عمو . وقيل : عم ، وأصله عميون حذفت الياء لالتقاء الساكنين ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها .


[12314]:لم تذكر كتب التفسير الأخرى الأعمش في هذه القراءة. ولعل هذه رواية عنه غير الرواية المتقدمة.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{بَلِ ٱدَّـٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ} (66)

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث والكفر قد عم الأرض ، وكانوا قد أكثروا في التكذيب بالساعة والقطع بالإنكار لها بعضهم صريحاً ، وبعضهم لزوماً ، لضلاله عن منهاج الرسل وكان الذي ينبغي للعالم الحكيم أن لا يقطع بالشيء إلا بعد إحاطة علمه به ، قال متهكماً بهم كما تقول لأجهل الناس : ما أعلمك ! استهزاء به مستدركاً لنفي شعورهم بها بياناً لكذبهم باضطراب قولهم : { بل ادّارك } أي بلغ وتناهي { علمهم في الآخرة } أي أمرها مطلقاً : علم وقتها ومقدار عظمتها في هو لها وغير ذلك من نعتها لقطعهم بإنكارها وتمالؤهم عليه ، وتنويع العبارات فيه ، وتفريع القول في أمره - هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ، وكذا في قراءة الباقين : ادّارك بمعنى تدارك يعني تتابع واستحكم .

ولما كانوا مع تصريحهم بالقطع في إنكارها كاذبين في قطعهم ، مرتبكين في جهلهم ، وقد يعبرون - دليلاً على أنه لا علم من ذلك عندهم - بالشك ، قال تعالى : { بل هم في شك } ولما كانت لشدة ظهورها لقوة أدلتها كأنها موجودة ، عبر بمن ، أي مبتدىء { منها } ولما كانوا يجزمون بنفيها تارة ويترددون أخرى ، كانت حقيقة حال من ينكر الشيء تارة على سبيل القطع وأخرى وجه الشك الوصف بالجهل البالغ به قال : { بل هم } ولما كان الإنسان مطبوعاً على نقائص موجبة لطغيانه ، ومبالغته في العلو في جميع شأنه ، ولا يوهن تلك النقائص منه إلا الخوف من عرضه على ديانه ، الموجب لجهله . وتماديه على قبيح فعله ، فقال مقدماً للجار : { منها عمون* } أي ابتدأ عماهم البالغ الثابت من اضطرابهم في أمرها ، فضلوا فأعماهم ضلالهم عن جميع ما ينفعهم ، فصاروا لا ينتفعون بعقولهم ، بل انعكس نفعها ضراً ، وخيرها شراً ، ونسب ما ذكر لجميع من في السماوات والأرض ، لأن فعل البعض قد يسند إلى الكل لغرض ، وهو هنا التنبيه على عظمة هذا الأمر ، وتناهي وصفه ، وأنه يجب على الكل الاعتناء به ، والوقوف على حقه ، والتناهي عن باطله ، أو لشك البعض وسكوت الباقي لقصد تهويله ، أو أن إدراك العلم من حيث التهويل بقيام الأدلة التي هي أوضح من الشمس ، فهم بها في قوة من أدرك علمه بالشيء ، وهو معرض عنه ، فقد فوّت على نفسه من الخير ما لا يدري كنهه ، ثم نزل درجة أخرى بالشك ثم أهلكها بالكلية ، وأنزلها العمى عن رتبة البهائم التي لا همّ لها إلا لذة البطن والفرج ، وهذا كمن يسمع باختلاف المذاهب وتضليل بعضهم لبعض فيضلل بعضهم من غير نظر في قوله فيصير خابطاً خبط عشواء ، ويكون أمره على خصمه هيناً أو الشك لأجل أن أعمالهم أعمال الشاك ، أو أنهم لعدم علم الوقت بعينة كأنهم في شك بل عمى ، ولأن العقول والعلوم لا تستقل بإدراك شيء من أمرها ، وإنما يؤخذ ذلك عن الله بواسطة رسله من الملك والبشر .

ومن أخذ شيئاً من علمها عن غيرهم ضل .