ثم قال تعالى : { أولئك } أي أهل هذا القول { الذين نتقبل عنهم } قرئ بضم الياء على بناء الفعل للمفعول وقرئ بالنون المفتوحة ، وكذلك نتجاوز وكلاهما في المعنى واحد ، لأن الفعل وإن كان مبنيا للمفعول فمعلوم أنه لله سبحانه وتعالى ، فهو كقوله { يغفر لهم ما قد سلف } فبين تعالى بقوله { أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا } أن من تقدم ذكره ممن يدعو بهذا الدعاء ، ويسلك هذه الطريقة التي تقدم ذكرها { نتقبل عنهم } والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله ، فإن قيل ولم قال تعالى : { أحسن ما عملوا } والله يتقبل الأحسن وما دونه ؟ قلنا الجواب من وجوه : ( الأول ) المراد بالأحسن الحسن كقوله تعالى : { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } كقولهم : الناقص والأشج أعدلا بني مروان ، أي عادلا بني مروان ( الثاني ) أن الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب والأحسن ما يغاير ذلك ، وهو وكل ما كان مندوبا أو واجبا .
ثم قال تعالى : { ونتجاوز عن سيئاتهم } والمعنى أنه تعالى يتقبل طاعاتهم ويتجاوز عن سيئاتهم . ثم قال : { في أصحاب الجنة } قال صاحب «الكشاف » ومعنى هذا الكلام مثل قولك : أكرمني الأمير في مائتين من أصحابه ، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم وضمني في عدادهم ، ومحله النصب على الحال على معنى كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين منهم ، وقوله { وعد الصدق } مصدر مؤكد ، لأن قوله { نتقبل . . . نتجاوز } وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز ، والمقصود بيان أنه تعالى يعامل من صفته ما قدمناه بهذا الجزاء ، وذلك وعد من الله تعالى فبين أنه صدق ولا شك فيه .
{ أولئك } إشارة إلى { الإنسان } [ الأحقاف : 15 ] ، والجمع لأن المراد به الجنس المتصف بالمعنى المحكي عنه ، وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلته وعلو درجته أي أولئك المنعوتون بما ذكر من النعوت الجليلة .
{ الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَلِمُواْ } من الطاعات فإن المباح حسن لا يثاب عليه { وَنَتَجَاوَزُ عَن } لتوبتهم المشار إليها بأني تبت وإلا فعند أهل الحق أن مغفرة الذنب مطلقاً لا تتوقف على توبة { سيئاتهم فِى أصحاب الجنة } كائنين في عدادهم منتظمين في سلكهم ، وقيل : { فِى } بمعنى مع وليس بذاك { وَعْدَ الصدق } مصدر لفعل مقدر وهو مؤكد لمضمون الجملة قبله ، فإن قوله سبحانه : { نَتَقَبَّلُ . وَنَتَجَاوَزُ } وعد منه عز وجل بالتقبل والتجاوز .
{ الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ } على ألسنة الرسل عليهم السلام . وقرئ { يُتَقَبَّلْ } بالياء والبناء للمفعول و { أَحْسَنُ } بالرفع على النيابة مناب الفاعل وكذا { يتجاوز عن سيآتهم } .
وقرأ الحسن . والأعمش . وعيسى بالياء فيهما مبنيين للفاعل وهو ضميره تعالى شأنه و { مّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ } بالنصب على المفعولية .
{ أُولَئِكَ } الذين ذكرت أوصافهم { الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا } وهو الطاعات لأنهم يعملون أيضا غيرها . { وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ } فِي جملة { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ } فحصل لهم الخير والمحبوب وزال عنهم الشر والمكروه .
{ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ } أي : هذا الوعد الذي وعدناهم هو وعد صادق من أصدق القائلين الذي لا يخلف الميعاد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.