مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} (54)

قوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم }

اعلم أن هذا الإنعام الخامس قال بعض المفسرين : هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم وذلك لأنها أمر بالقتل والقتل لا يكون نعمة وهذا ضعيف من وجوه ، أحدها : أن الله تعالى نبههم على عظم ذنبهم ، ثم نبههم على ما به يتخلصون عن ذلك الذنب العظيم وذلك من أعظم النعم في الدين ، وإذا كان الله تعالى قد عدد عليهم النعم الدنيوية فبأن يعدد عليهم هذه النعمة الدينية أولى ، ثم إن هذه النعمة وهي كيفية هذه التوبة لما لم يكن وصفها إلا بمقدمة ذكر المعصية كان ذكرها أيضا في تمام النعمة . فصار كل ما تضمنته هذه الآية معدودا في نعم الله فجاز التذكير بها . وثانيها : أن الله تعالى لما أمرهم بالقتل رفع ذلك الأمر عنهم قبل فنائهم بالكلية فكان ذلك نعمة في حق أولئك الباقين ، وفي حق الذين كانوا موجودين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، لأنه تعالى لولا أنه رفع القتل عن آبائهم لما وجد أولئك الأبناء فحسن إيراده في معرض الامتنان على الحاضرين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، وثالثها : أنه تعالى لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل مع أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان يقول لهم : لا حاجة بكم الآن في التوبة إلى القتل بل إن رجعتم عن كفركم وآمنتم قبل الله إيمانكم منكم فكان بيان التشديد في تلك التوبة تنبيها على الإنعام العظيم بقبول مثل هذه التوبة السهلة الهينة . ورابعها : أن فيه ترغيبا شديدا لأمة محمد صلوات الله وسلامه عليه في التوبة ، فإن أمة موسى عليه السلام لما رغبوا في تلك التوبة مع نهاية مشقتها على النفس فلأن يرغب الواحد منا في التوبة التي هي مجرد الندم كان أولى . ومعلوم أن ترغيب الإنسان فيما هو المصلحة المهمة من أعظم النعم .

وأما قوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه } أي واذكروا إذ قال موسى لقومه بعدما رجع من الموعد الذي وعده ربه فرآهم قد اتخذوا العجل { يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم } وللمفسرين في الظلم قولان : أحدهما : أنكم نقصتم أنفسكم الثواب الواجب بالإقامة على عهد موسى عليه السلام ، والثاني : أن الظلم هو الإصرار الذي ليس بمستحق ولا فيه نفع ولا دفع مضرة لا علما ولا طبا ، فلما عبدوا العجل كانوا قد أضروا بأنفسهم لأن ما يؤدي إلى ضرر الأبد من أعظم الظلم ، ولذلك قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } لكن هذا الظلم من حقه أن يقيد لئلا يوهم إطلاقه إنه ظلم الغير لأن الأصل في الظلم ما يتعدى ، فلذلك قال : { إنكم ظلمتم أنفسكم } .

أما قوله تعالى : { باتخاذكم العجل } ففيه حذف لأنهم لم يظلموا أنفسهم بهذا القدر لأنهم لو اتخذوه ولم يجعلوه إلها لم يكن فعلهم ظلما ، فالمراد باتخاذكم العجل إلها ، لكن لما دلت مقدمة الآية على هذا المحذوف حسن الحذف .

أما قوله تعالى : { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } ففيه سؤالات .

السؤال الأول : قوله تعالى : { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } يقتضي كون التوبة مفسرة بقتل النفس كما أن قوله عليه السلام : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ثم يديه ) يقتضي أن وضع الطهور مواضعه مفسر بغسل الوجه واليدين ولكن ذلك باطل لأن التوبة عبارة عن الندم على الفعل القبيح الذي مضى والعزم على أن لا يأتي بمثله بعد ذلك وذلك مغاير لقتل النفس وغير مستلزم له فكيف يجوز تفسيره به ؟ والجواب ليس المراد تفسير التوبة بقتل النفس بل بيان أن توبتهم لا تتم ولا تحصل إلا بقتل النفس وإنما كان كذلك لأن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن شرط توبتهم قتل النفس كما أن القاتل عمدا لا تتم توبته إلا بتسليم النفس حتى يرضى أولياء المقتول أو يقتلوه فلا يمتنع أن يكون من شرع موسى عليه السلام أن توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل . إذا ثبت هذا فنقول شرط الشيء مجازا كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة أن توبتك ردما غصبت يعني أن توبتك لا تتم إلا به فكذا ههنا .

السؤال الثاني : ما معنى قوله تعالى : { فتوبوا إلى بارئكم } والتوبة لا تكون إلا للبارئ ، والجواب : المراد منه النهي عن الرياء في التوبة كأنه قال لهم : لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله الذي هو مطلع على ضميركم ، وإنما تبتم إلى الناس وذلك مما لا فائدة فيه ، فإنكم إذا أذنبتم إلى الله .

السؤال الثالث : كيف اختص هذا الموضع بذكر البارئ ؟ والجواب : البارئ هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت : { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } ومتميزا بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة فكان ذلك تنبيها على أن من كان كذلك فهو أحق بالعبادة من البقر الذي يضرب به المثل في الغباوة .

السؤال الرابع : ما الفرق بين الفاء في قوله : { فتوبوا } والفاء في قوله : { فاقتلوا } ؟ الجواب : أن الفاء الأولى للسبب لأن الظلم سبب التوبة والثانية للتعقيب لأن القتل من تمام التوبة فمعنى قوله : { فتوبوا } أي فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم .

السؤال الخامس : ما المراد بقوله : { فاقتلوا أنفسكم } أهو ما يقتضيه ظاهره من أن يقتل كل واحد نفسه أو المراد غير ذلك ؟ الجواب : اختلف الناس فيه فقال قوم من المفسرين : لا يجوز أن يكون المراد أمر كل واحد من التائبين بقتل نفسه وهو اختيار القاضي عبد الجبار ، واحتجوا عليه بوجهين . الأول : وهو الذي عول عليه أهل التفسير أن المفسرين أجمعوا على أنهم ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ولو كانوا مأمورين بذلك لصاروا عصاة بترك ذلك ، الثاني : وهو الذي عول عليه القاضي عبد الجبار أن القتل هو نقض البنية التي عندها يجب أن يخرج من أن يكون حيا وما عدا ذلك مما يؤدي إلى أن يموت قريبا أو بعيدا إنما سمي قتلا على طريق المجاز . إذا عرفت حقيقة القتل فنقول : إنه لا يجوز أن يأمر الله تعالى به لأن العبادات الشرعية إنما تحسن لكونها مصالح لذلك المكلف ولا تكون مصلحة إلا في الأمور المستقبلة وليس بعد القتل حال تكليف حتى يكون القتل مصلحة فيه وهذا بخلاف ما يفعله الله تعالى من الإماتة لأن ذلك من فعل الله فيحسن أن يفعله إذا كان صلاحا لمكلف آخر ويعوض ذلك المكلف بالعوض العظيم وبخلاف أن يأمر الله تعالى بأن يجرح نفسه أو يقطع عضوا من أعضائه ولا يحصل الموت عقبه لأنه لما بقي بعد ذلك الفعل حيا لم يمتنع أن يكون ذلك الفعل صلاحا في الأفعال المستقبلة . ولقائل أن يقول : لا نسلم أن القتل اسم للفعل المزهق للروح في الحال بل هو عبارة عن الفعل المؤدي إلى الزهوق إما في الحال أو بعده والدليل عليه أنه لو حلف أن لا يقتل إنسانا فجرحه جراحة عظيمة وبقي بعد تلك الجراحة حيا لحظة واحدة ثم مات فإنه يحنث في يمينه وتسميه كل أهل هذه اللغة قاتلا والأصل في الاستعمال الحقيقة فدل على أن اسم القتل اسم الفعل المؤدي إلى الزهوق سواء أدى إليه في الحال أو بعد ذلك وأنت سلمت جواز ورود الأمر بالجراحة التي لا تستعقب الزهوق في الحال وإذا كان كذلك ثبت جواز أن يراد الأمر بأن يقتل الإنسان نفسه ، سلمنا أن القتل اسم الفعل المزهق للروح في الحال فلم لا يجوز ورود الأمر به ؟ قوله : لابد في ورود الأمر به من مصلحة استقبالية ، قلنا : أولا لا نسلم أنه لابد فيه من مصلحة ، والدليل عليه أنه أمر من يعلم كفره بالإيمان ولا مصلحة في ذلك إذ لا فائدة من ذلك التكليف إلا حصول العقاب ، سلمنا أنه لابد من مصلحة ولكن لم قلت إنه لابد من عود تلك المصلحة إليه ، ولم لا يجوز أن قتله نفسه مصلحة لغيره فالله تعالى أمره بذلك لينتفع به ذلك الغير ، ثم إنه تعالى يوصل العوض العظيم إليه . سلمنا أنه لابد من عود المصلحة إليه ، لكن لم لا يجوز أن يقال إن علمه بكونه مأمورا بذلك الفعل مصلحة له ، مثل أنه لما أمر بأن يقتل نفسه غدا فإن علمه بذلك يصير داعيا له إلى ترك القبائح من ذلك الزمان إلى ورود الغد ، وإذا كانت هذه الاحتمالات ممكنة سقط ما قال القاضي ، بل الوجه الأول الذي عول عليه المفسرون أقوى ، وعلى هذا يجب صرف الآية عن ظاهرها ، ثم فيه وجهان : الأول : أن يقال أمر كل واحد من أولئك التائبين بأن يقتل بعضهم بعضا فقوله : { اقتلوا أنفسكم } معناه ليقتل بعضكم بعضا وهو كقوله في موضع آخر :

{ ولا تقتلوا أنفسكم } ومعناه لا يقتل بعضكم بعضا وتحقيقه أن المؤمنين كالنفس الواحدة ، وقيل في قوله تعالى : { ولا تلمزوا أنفسكم } أي إخوانكم من المؤمنين ، وفي قوله : { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا } أي بأمثالهم من المسلمين ، وكقوله : { فسلموا على أنفسكم } أي ليسلم بعضكم على بعض . ثم قال المفسرون : أولئك التائبون برزوا صفين فضرب بعضهم بعضا إلى الليل . الوجه الثاني : أن الله تعالى أمر غير أولئك التائبين بقتل أولئك التائبين فيكون المراد من قوله : { اقتلوا أنفسكم } أي استسلموا للقتل ، وهذا الوجه الثاني أقرب لأن في الوجه الأول تزداد المشقة لأن الجماعة إذا اشتركت في الذنب كان بعضهم أشد عطفا على البعض من غيرهم عليهم فإذا كلفوا بأن يقتل بعضهم بعضا عظمت المشقة في ذلك ثم اختلفت الروايات فالأول : أنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم ، وكان المقتولون سبعين ألفا فما تحركوا حتى قتلوا على ثلاثة أيام ، وهذا لقول ذكره محمد بن إسحاق . الثاني : أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبروا على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة وأتاهم هارون بالاثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل البتة وبأيديهم السيوف ، فقال التائبون : إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا الله واصبروا فلعن الله رجلا قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل يقولون أمين ، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء وقام موسى وهارون عليهما السلام يدعوان الله ويقولان البقية البقية يا إلهنا فأوحى الله تعالى إليهما ، قد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي ، قال : وكان القتلى سبعين ألفا ، هذه رواية الكلبي . الثالث : أن بني إسرائيل كانوا قسمين : منهم من عبد العجل ومنهم من لم يعبده ولكن لم ينكر على من عبده ، فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة ، ثم قال المفسرون : إن الرجل كان يبصر والده وولده وجاره فلم يمكنه المضي لأمر الله فأرسل الله تعالى سحابة سوداء ، ثم أمر بالقتل فقتلوا إلى المساء حتى دعا موسى وهارون عليهما السلام وقالا : يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فانكشفت السحابة ونزلت التوراة وسقطت الشفار من أيديهم .

السؤال السادس : كيف استحقوا القتل وهم قد تابوا من الردة والتائب من الردة لا يقتل ؟ الجواب : ذلك مما يختلف بالشرائع فلعل شرع موسى عليه السلام كان يقتضي قتل التائب عن الردة إما عاما في حق الكل أو كان خاصا بذلك القوم .

السؤال السابع : هل يصح ما روي أن منهم من لم يقتل ممن قبل الله توبته ؟ الجواب : لا يمتنع ذلك لأن قوله تعالى : { إنكم ظلمتم أنفسكم } خطاب مشافهة فلعله كان مع البعض أو إنه كان عاما فالعام قد يتطرق إليه التخصيص .

أما قوله تعالى : { ذلكم خير لكم عند بارئكم } ففيه تنبيه على ما لأجله يمكن تحمل هذه المشقة وذلك لأن حالتهم كانت دائرة بين ضرر الدنيا وضرر الآخرة ، والأول أولى بالتحمل لأنه متناه ، وضرر الآخرة غير متناه ، ولأن الموت لابد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقديم والتأخير ، وأما الخلاص من العقاب والفوز بالثواب فذاك هو الغرض الأعظم .

أما قوله تعالى : { فتاب عليكم } ففيه محذوف ، ثم فيه وجهان : أحدهما : أن يقدر من قول موسى عليه السلام كأنه قال : فإن فعلتم فقد تاب عليكم ، والآخر : أن يكون خطابا من الله لهم على طريقة الالتفات فيكون التقدير ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم .

وأما معنى قوله تعالى : { فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } ، فقد تقدم في قوله : { فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} (54)

{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ باتخاذكم العجل } نعمة أخروية في حق المقتولين من بني إسرائيل حيث نالوا درجة الشهداء ، كما أن العفو نعمة دنيوية في حق الباقين ، وإنما فصل بينهما بقوله : { وإذ آتينا } [ البقرة : 3 5 ] الخ ؛ لأن المقصود تعداد النعم فلو اتصلا لصارا نعمة واحدة وقيل : هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم وليس بشيء واللام في { لِقَوْمِهِ } للتبليغ ، وفائدة ذكره التنبيه على أن خطاب موسى لقومه كان مشافهة لا بتوسط من يتلقى منه كالخطابات المذكورة سابقاً لبني إسرائيل والقوم اسم جمع لا واحد له من لفظه ، وإنما واحده امرئ ، وقياسه أن لا يجمع وشذ جمعه على أقاويم والمشهور اختصاصه بالرجال لقوله تعالى : { لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ } مع قوله : { وَلاَ نِسَاء مّن نّسَاء } [ الحجرات : 11 ] وقال زهير :

فما أدري وسوف أخال أدري *** أ( قوم ) آل حصن أم ( نساء )

وقيل : لا اختصاص له بهم ، بل يطلق على النساء أيضاً لقوله تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ } [ نوح : 1 ] والأول أصوب ، واندراج النساء على سبيل الاستتباع ، والتغليب والمجاز خير من الاشتراك ، وسمي الرجال قوماً لأنهم يقومون بما لا يقوم به النساء ، وفي إقبال موسى عليهم بالنداء ، ونداؤه لهم بيا قوم إيذان بالتحنن عليهم وأنه منهم وهم منه ، وهزّ لهم لقبولهم الأمر بالتوبة بعد تقريعهم بأنهم ظلموا أنفسهم والباء في { باتخاذكم } سببية وفي الاتخاذ هنا الاحتمالان السابقان هناك .

{ فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ } الفاء للسببية لأن الظلم سبب للتوبة وقد عطفت ما بعدها على { إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ } والتوافق في الخبرية والإنشائية إنما يشترط في العطف بالواو وتشعر عبارات بعض الناس أنها للسببية دون العطف ، والتحقيق أنها لهما معاً ، والبارئ هو الذي خلق الخلق برياً من التفاوت وعدم تناسب الأعضاء وتلاؤم الأجزاء بأن تكون إحدى اليدين في غاية الصغر والرقة ، والأخرى بخلافه ؛ ومتميزاً بعضه عن بعض بالخواص والإشكال والحسن والقبح فهو أخص من الخالق وأصل التركيب لخلوص الشيء وانفصاله عن غيره إما على سبيل التفصي كبرء المريض أو الإنشاء كبرأ الله تعالى آدم أي خلقه ابتداءً متميزاً عن لوث الطين ، وفي ذكره في هذا المقام تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله تعالى ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم ، وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم حين لم يشكروا النعمة في ذلك وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها وهو مثل في الغباوة والبلادة وقرأ أبو عمرو : { بَارِئِكُمْ } بالاختلاس ، وروي عنه السكون أيضاً وهو من إجراء المتصل من كلمتين مجرى المنفصل من كلمة ، وللناس في تخريجه وجوه لا تخلو عن شذوذ .

{ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } الفاء للتعقيب ، والمتبادر من القتل القتل المعروف من إزهاق الروح وعليه جمع من المفسرين والفعل معطوف على سابقه ، فإن كانت توبتهم هو القتل إما في حقهم خاصة ، أو توبة المرتد مطلقاً في شريعة موسى عليه السلام ، فالمراد بقوله تعالى : { فَتُوبُواْ } اعزموا على التوبة ليصح العطف وإن كانت هي الندم والقتل من متمماتها كالخروج عن المظالم في شريعتنا فهو على معناه ولا إشكال ، وقد يقال : إن التوبة جعلت لهؤلاء عين القتل ولا حاجة إلى تأويل توبوا باعزموا ، بل تجعل الفاء للتفسير كما تجعل الواو له وقد قيل به في قوله تعالى : { فانتقمنا مِنْهُمْ فأغرقناهم فِي اليم } [ الأعراف : 136 ] وظاهر الأمر أنهم مأمورون بأن يباشر كل قتل نفسه ، وفي بعض الآثار أنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً ، فمعنى { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } [ النساء : 9 2 ] { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } [ الحجرات : 11 ] والمؤمنون كنفس واحدة ، وروي أنه أمر من لم يعبد العجل أن يقتل من عبده ، والمعنى عليه استسلموا أنفسكم للقتل ، وسمي الاستسلام للقتل قتلاً على سبيل المجاز ، والقاتل إما غير معين ، أو الذين اعتزلوا مع هارون عليه السلام ، والذين كانوا مع موسى عليه السلام ، وفي كيفية القتل أخبار لا نطيل بذكرها ، وجملة القتلى سبعون ألفاً ، وبتمامها نزلت التوبة وسقطت الشفار من أيديهم ، وأنكر القاضي عبد الجبار أن يكون الله تعالى أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم وقال : لا يجوز ذلك عقلاً إذ الأمر لمصلحة المكلف وليس بعد القتل حال تكليف ليكون فيه مصلحة ، ولم يدر هذا القاضي بأن لنفوسنا خالقاً بأمره نستبقيها ؛ وبأمره نفنيها وأن لها بعد هذه الحياة التي هي لعب ولهو ، حياة سرمدية وبهجة أبدية ، وأن الدار الآخرة لهي الحيوان ، وأن قتلها بأمره يوصلها إلى حياة خير منها ، ومن علم أن الإنسان في هذه الدنيا كمجاهد أقيم في ثغر يحرسه ، ووال في بلد يسوسه وأنه مهما استرد فلا فرق بين أن يأمره الملك بخروجه بنفسه ، أو يأمر غيره بإخراجه وهذا واضح لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة ، وعرف قدر الحياتين والميتتين فيهما ، ومن الناس من جوّز ذلك إلا أنه استبعد وقوعه فقال : معنى { فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } ذللوا ، ومن ذلك قوله :

إن التي عاطيتني فرددتها *** قتلت ، قتلت ، فهاتها لم تقتل

ولولا أن الروايات على خلاف ذلك لقلت به تفسيراً . ونقل عن قتادة أنه قرأ : ( فأقيلوا أنفسكم ) والمعنى أن أنفسكم قد تورطت في عذاب الله تعالى بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه ، وقد هلكت فأقيلوها بالتوبة والتزام الطاعة ، وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات .

{ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ } جملة معترضة للتحريض على التوبة أو معللة ، والإشارة إلى المصدر المفهوم مما تقدم ، و{ خَيْرٌ } أفعل تفضيل حذفت همزته ، ونطقوا بها في الشعر . قال الراجز :

بلا خير الناس وابن الأخير ***

وقد تأتي ولا تفضيل والمعنى : أن ذلكم خير لكم من العصيان والإصرار على الذنب أو خير من ثمرة العصيان ، وهو الهلاك الدائم ، والكلام على حد العسل أحلى من الخل أو خير من الخيور كائن لكم . والعندية هنا مجاز ، وكرر البارئ بلفظ الظاهر اعتناءً بالحث على التسليم له في كل حال ، وتلقى ما يرد من قبله بالقبول والامتثال فإنه كما رأى الإنشاء راجحاً فأنشأ رأي الإعدام راجحاً ، فأمر به وهو العليم الحكيم .

{ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } جواب شرط محذوف بتقدير قد إن كان من كلام موسى عليه السلام لهم ، تقديره إن فعلتم ما أمرتم به فقد تاب عليكم ومعطوف على محذوف إن كان خطاباً من الله تعالى لهم ، كأنه قال : ففعلتم ما أمرتم فتاب عليكم بارئكم وفيه التفات لتقدم التعبير عنهم في كلام موسى عليه السلام بلفظ القوم وهو من قبيل الغيبة ، أو من التكلم إلى الغيبة في { فَتَابَ } حيث لم يقل : فتبنا ، ورجح العطف لسلامته من حذف الأداة والشرط وإبقاء الجواب ، وفي ثبوت ذلك عن العرب مقال ، وظاهر الآية كونها إخباراً عن المأمورين بالقتل الممتثلين ذلك . وقال ابن عطية : جعل الله تعالى القتل لمن قتل شهادة وتاب عن الباقين وعفا عنهم ، فمعنى { عليكم } عنده ، على باقيكم .

{ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم } تذييل لقوله تعالى : { فَتُوبُواْ } فإن التوبة بالقتل لما كانت شاقة على النفس هوّنها سبحانه بأنه هو الذي يوفق إليها ويسهلها ويبالغ في الإنعام على من أتى بها ، أو تذييل لقوله تعالى : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } وتفسر التوبة منه تعالى حينئذ بالقبول لتوبة المذنبين والتأكيد لسبق الملوح أو للاعتناء بمضمون الجملة ، والضمير المنصوب إن كان ضمير الشأن فالضمير المرفوع مبتدأ وهو الأنسب لدلالته على كمال الاعتناء بمضمون الجملة ، وإن كان راجعاً إلى البارئ سبحانه فالضمير المرفوع إما فصل أو مبتدأ ، هذا وحظ العارف من هذه القصة أن يعرف أن هواه بمنزلة عجل بني إسرائيل فلا يتخذه إلهاً { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } [ الجاثية : 3 2 ] وأن الله سبحانه قد خلق نفسه في أصل الفطرة مستعدة لقبول فيض الله تعالى والدين القويم ، ومتهيئة لسلوك المنهج المستقيم ، والترقي إلى جناب القدس وحضرة الأنس ، وهذا هو الكتاب الذي أوتيه موسى القلب ، والفرقان الذي يهتدى بنوره في ليالي السلوك إلى حضرة الرب ، فمتى أخلدت النفس إلى الأرض واتبعت هواها ، وآثرت شهواتها على مولاها ، أمرت بقتلها بكسر شهواتها وقلع مشتهياتها ليصح لها البقاء بعد الفناء ، والصحو بعد المحو ، وليست التوبة الحقيقية سوى محو البشرية بإثبات الألوهية ، وهذا هو الجهاد الأكبر والموت الأحمر .

ليس من مات فاستراح بميت *** إنما الميت ميت الأحياء

وهذا صعب لا يتيسر إلا لخواص الحق ورجال الصدق ، وإليه الإشارة بموتوا قبل أن تموتوا . وقيل أول قدم في العبودية إتلاف النفس وقتلها بترك الشهوات ، وقطعها عن الملاذ ، فكيف الوصول إلى شيء من منازل الصديقين ومعارج المقربين هيهات هيهات ذاك بمعزل عنا ، ومناط الثريا منا :

تعالوا نقم مأتما للهموم *** فإن الحزين يواسي الحزينا