مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ} (15)

ثم بين إنعامه عليه قبل قتل القبطي . وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اختلفوا في المدينة فالجمهور على أنها هي المدينة التي كان يسكنها فرعون ، وهي قرية على رأس فرسخين من مصر ، وقال الضحاك : هي عين شمس .

المسألة الثانية : اختلفوا في معنى قوله : { على حين غفلة من أهلها } على أقوال . فالقول الأول : أن موسى عليه السلام لما بلغ أشده واستوى وآتاه الله الحكم والعلم في دينه ودين آبائه ، علم أن فرعون وقومه على الباطل ، فتكلم بالحق وعاب دينهم ، واشتهر ذلك منه حتى آل الأمر إلى أن أخافوه وخافهم ، وكان له من بني إسرائيل شيعة يقتدون به ويسمعون منه ، وبلغ في الخوف بحيث ما كان يدخل مدينة فرعون إلا خائفا ، فدخلها يوما على حين غفلة من أهلها ، ثم الأكثرون على أنه عليه السلام دخلها نصف النهار وقت ما هم قائلون ، وعن ابن عباس يريد بين المغرب والعشاء والأول أولى ، لأنه تعالى أضاف الغفلة إلى أهلها ، وإذا دخل المرء مستترا لأجل خوف ، لا تضاف الغفلة إلى القوم . القول الثاني : قال السدي : إن موسى عليه السلام حين كبر كان يركب مراكب فرعون ، ويلبس مثل ما يلبس ، ويدعى موسى ابن فرعون ، فركب يوما في أثره فأدركه المقيل في موضع ، فدخلها نصف النهار ، وقد خلت الطرق ، فهو قوله : { على حين غفلة } . القول الثالث : قال ابن زيد : ليس المراد من قوله : { على حين غفلة من أهلها } حصول الغفلة في تلك الساعة ، بل المراد الغفلة من ذكر موسى وأمره ، فإن موسى حين كان صغيرا ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته ، فأراد فرعون قتله ، فجيء بجمر فأخذه وطرحه في فيه ، فمنه عقدة لسانه ، فقال فرعون : لا أقتله ، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد ، فأخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر ، والقوم نسوا ذكره وذلك قوله : { على حين غفلة } ولا مطمع في ترجيح بعض هذه الروايات على بعض ، لأنه ليس في القرآن ما يدل على شيء منها .

المسألة الثالثة : قال تعالى : { فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه } قال الزجاج : قال : هذا وهذا وهما غائبان على وجه الحكاية ، أي وجد فيها رجلين يقتتلان ، إذا نظر الناظر إليهما قال هذا من شيعته وهذا من عدوه ، ثم اختلفوا ، فقال مقاتل : الرجلان كانا كافرين ، إلا أن أحدهما من بني إسرائيل ، والآخر من القبط ، واحتج عليه بأن موسى عليه السلام قال له في اليوم الثاني { إنك لغوي مبين } والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلما ، لأنه لا يقال فيمن يخالف الرجل في دينه وطريقه : إنه من شيعته ، وقيل إن القبطي الذي سخر الإسرائيلي كان طباخ فرعون ، استسخره لحمل الحطب إلى مطبخه ، وقيل الرجلان المقتتلان : أحدهما السامري وهو الذي من شيعته ، والآخر طباخ فرعون ، والله أعلم بكيفية الحال ، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ، أي سأله أن يخلصه منه واستنصره عليه ، فوكزه موسى عليه السلام ، الوكز الدفع بأطراف الأصابع ، وقيل بجمع الكف . وقرأ ابن مسعود : ( فلكزه موسى ) ، وقال بعضهم : الوكز في الصدر واللكز في الظهر ، وكان عليه السلام شديد البطش ، وقال بعض المفسرين : فوكزه بعصاه ، قال المفضل هذا غلط ، لأنه لا يقال وكزه بالعصا { فقضى عليه } أي أماته وقتله .

المسألة الرابعة : احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء عليه السلام من وجوه . أحدها : أن ذلك القبطي إما أن يقال إنه كان مستحق القتل أو لم يكن كذلك ، فإن كان الأول فلم قال : { هذا من عمل الشيطان } ولم قال : { رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له } ولم قال في سورة أخرى { فعلتها إذا وأنا من الضالين } ؟ وإن كان الثاني وهو أن ذلك القبطي لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنبا . وثانيها : أن قوله : { وهذا من عدوه } يدل على أنه كان كافرا حربيا فكان دمه مباحا فلم استغفر عنه ، والاستغفار عن الفعل المباح غير جائز ، لأنه يوهم في المباح كونه حراما ؟ وثالثها : أن الوكز لا يقصد به القتل ظاهرا ، فكان ذلك القتل قتل خطأ ، فلم استغفر منه ؟ والجواب : عن الأول لم لا يجوز أن يقال إنه كان لكفره مباح الدم .

أما قوله : { هذا من عمل الشيطان } ففيه وجوه . أحدها : لعل الله تعالى وإن أباح قتل الكافر إلا أنه قال الأولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر ، فلما قتل فقد ترك ذلك المندوب فقوله : { هذا من عمل الشيطان } معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان . وثانيها : أن قوله ( هذا ) إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه فقوله : { هذا من عمل الشيطان } أي عمل هذا المقتول من عمل الشيطان ، المراد منه بيان كونه مخالفا لله تعالى مستحقا للقتل . وثالثها : أن يكون قوله ( هذا ) إشارة إلى المقتول ، يعني أنه من جند الشيطان وحزبه ، يقال فلان من عمل الشيطان ، أي من أحزابه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ} (15)

{ وَدَخَلَ المدينة } قال ابن عباس على ما في «البحر » : هي منف { على حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا } أي في وقت لا يعتاد دخولها ، أو لا يتوقعونه فيه ، وكان على ما روي عن الحبر وقت القائلة . وفي رواية أخرى عنه بين العشاء والعتمة . وذلك أن فرعون ركب يوماً وسار إلى تلك المدينة فعلم موسى عليه السلام بركوبه فلحق ودخل المدينة في ذلك الوقت . وقال ابن إسحاق : هي مصر ، كان موسى عليه السلام قد بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما يكرهون ، فاختفى وغاب ، فدخلها متنكراً . وقال ابن زيد : كان فرعون قد أخرجه منها فغاب سنين فنسي فجاء ودخلها وأهلها في غفلة بنسيانهم له ، وبعد عهدهم به . وقيل : دخل في يوم عيد وهم مشغولون بلهوهم . وقيل : خرج من قصر فرعون ودخل مصر وقت القيلولة أو بين العشاءين . وقيل : المدينة عين شمس . وقيل : قرية على فرسخين من مصر يقال لها : حابين . وقيل : هي الإسكندرية ، والأشهر أنها مصر ، ولعله هو الأظهر والمتبادر أن على حين متعلق بدخل ، وعليه فالظاهر أن على بمعنى في مثلها في قوله تعالى : { واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سليمان } [ البقرة : 102 ] على قول .

وقال أبو البقاء : هو في موضع الحال من المدينة ، ويجوز أن يكون في موضع الحال من الفاعل أي مختلساً اه ولعل الذي دعاه إلى العدول عن المتبادر احتياجه إلى جعل على بمعنى في وخفاء نكتة التعبير بها دونها أو الاكتفاء بالظرف وحده عليه والأمر ظاهر لمن له أدنى تأمل ، وقيل : إن الداعي إلى ذلك أن دخول المدينة في حين غفلة من أهلها ليس نصاً في دخولها غافلاً أهلها كما في وجه الحالية من المدينة ولا في دخولها مختلساً كما في وجه الحالية من الضمير فإن وقت الغفلة كوقت القائلة وما بين العشاءين قد لا يغفل فيه وفيه بحث .

و { مّنْ أَهْلِهَا } في موضع الصفة لغفلة وما في «النظم الكريم » أبلغ من غفلة أهلها بالإضافة لما في التنوين من إفادة التفخيم ، ولعله عدل عن ذلك إلى ما ذكر لهذا فتدبر ، وقرأ أبو طالب القارئ على حين بفتح النون ووجه بأنه فتح لمجاورة الغين كما كسر في بعض القراآت الدال في { الحمد لله } [ الفاتحة : 2 ] مجاورة اللام أو بأنه أجرى المصدر مجرى الفعل كأنه قيل : على حين غفل أهلها فنبي حين كما يبنى إذا أضيف إلى الجملة المصدرة بفعل ماض نحو قوله :

على حين عاتبت المشيب على الصبا *** وهو كما ترى : { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ } أي يتحاربان والجملة صفة لرجلين . وقال ابن عطية : في موضع الحال وهو مبني على مذهب سيبويه من جواز مجيء الحال من النكرة من غير شرط ، وقرأ نعيم بن ميسرة يقتلان بإدغام التاء في التاء ونقل فتحتها إلى القاف ، وقوله تعالى : { هذا مِن شِيعَتِهِ } أي ممن شايعه وتابعه في أمره ونهيه أو في الدين على ما قاله جماعة وهم بنو إسرائيل قال في الإتقان : هو السامري { وهذا مِنْ عَدُوّهِ } من مخالفيه فيما يريد أو في الدين على ما قاله الجماعة وهم القبط واسمه كما في «الإتقان » أيضاً قانون صفة بعد صفة لرجلين والإشارة بهذا واقعة على طريق الحكاية لما وقع وقت الوجدان كأن الرائي لهما يقوله لا في المحكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال المبرد : العرب تشير بهذا إلى الغائب قال جرير :

هذا ابن عمي في دمشق خليفة *** لو شئت ساقكم إليّ قطينا

وهذه الإشارة قائمة مقام الضمير في الربط والعطف سابق على الوصفية ، واختلف في سبب تقاتل هذين الرجلين ، فقيل : كان أمراً دينياً ، وقيل : كان أمراً دنيوياً ، روي أن القبطي كلف الإسرائيلي حمل الحطب إلى مطبخ فرعون فأبى فاقتتلا لذلك ، وكان القبطي على ما أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير خبازاً لفرعون .

{ فاستغاثه الذي مِن شِيعَتِهِ } أي فطلب غوثه ونصره إياه { عَلَى الذي مِنْ عَدُوّهِ } ولتضمين الفعل معنى النصر عدى بعلى ويؤيده قوله تعالى بعد : { استنصره بالأمس } [ القصص : 18 ] ، ويجوز أن يكون تعديته بعلى لتضمينه معنى الإعانة ويؤيده أنه قرئ فاستعانه بالعين المهملة والنون بدل الثاء ، وقد نقل هذه القراءة ابن خالويه ، عن سيبويه . وأبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة عن ابن مقسم . والزعفراني ، وقول ابن عطية أنه ذكرها الأخفش وهو تصحيف لا قراءة مما لا ثبت له فيه ، وقد حذف من جملة الصلة صدرها أي الذي هو من شيعته والذي هو من عدوه ولو لم يعتبر حذف ذلك صح { فَوَكَزَهُ موسى } أي ضرب القبطي بجمع كفه أي بكفه المضمومة أصابعها على ما أخرجه غير واحد عن مجاهد .

وقال أبو حيان : الوكز الضرب باليد مجموعة أصابعها كعقد ثلاثة وسبعين وعلى القولين يكون عليه السلام قد ضربه باليد ؛ وأخرج ابن المنذر . وجماعة عن قتادة أنه عليه السلام ضربه بعصاه فكأنه يفسر الوكز بالدفع أو الطعن وذلك من جملة معانيه كما في «القاموس » ولعله أراد بعصاه عصا كانت له فإن عصاه المشهورة أعطاه إياها شعيب عليه السلام بعد هذه الحادثة كما هو مشهور ، وفي كتب التفاسير مسطور .

وقرأ عبد الله فلكزه باللام وعنده فنكزه بالنون واللكز على ما في «القاموس » الوكز والوجء في الصدر والحنك والنكز على ما فيه أيضاً الضرب والدفع ، وقيل : الوكز والنكز واللكز الدفع بأطراف الأصابع ، وقيل : ا لوكز على القلب واللكز على اللحى .

روي أنه لما اشتد التناكر قال القبطي لموسى عليه السلام : لقد هممت أن أحمله يعني الحطب عليك فاشتد غضب موسى عليه السلام ، وكان قد أوتي قوة فوكزه { فقضى عَلَيْهِ } أي فقتله موسى وأصله أنهى حياته أي جعلها منتهية متقضية وهو بهذا المعنى يتعدى بعلى كما في الأساس فلا حاجة إلى تأويله بأوقع القضاء عليه ، وقد يتعدى الفعل بإلى لتضمينه معنى الإيحاء كما في قوله تعالى : { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الامر } [ الحجر : 66 ] وعود ضمير الفاعل في قضى على موسى هو الظاهر ، وقيل : هو عائد على الله تعالى أي فقضى الله سبحانه عليه بالموت فقضى بمعنى حكم ، وقيل : يحتمل أن يعود على المصدر المفهوم من وكزه أي فقضى الوكز عليه أي أنهى حياته { قَالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان } أي من تزيينه .

وقيل : من جنس عمله والأول أوفق بقوله تعالى : { إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } أي ظاهر العداوة على أن مبين صفة ثانية لعدو ، وقيل : ظاهر العداوة والإضلال ، ووجه بأنه صفة لعدو الملاحظ معه وصف الإضلال أو بأنه متنازع فيه لعدو ومضل كل يطلبه صفة له وأياً ما كان فمبين من أبان اللازم .