مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

قوله تعالى : { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ، وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين } .

واعلم أن هذا من تمام قوله : { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون } فبين تعالى أن الذي يصيبهم من القرح لا يجب أن يزيل جدهم واجتهادهم في جهاد العدو ، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، فإذا كانوا مع باطلهم ، وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب ، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { قرح } بضم القاف وكذلك قوله : { من بعد ما أصابهم القرح } والباقون بفتح القاف فيهما واختلفوا على وجوه : فالأول : معناهما واحد ، وهما لغتان : كالجهد والجهد ، والوجد والوجد ، والضعف والضعف . والثاني : أن الفتح لغة تهامة والحجاز والضم لغة نجد . والثالث : أنه بالفتح مصدر وبالضم اسم . والرابع : وهو قول الفراء إنه بالفتح الجراحة بعينها وبالضم ألم الجراحة . والخامس : قال ابن مقسم : هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع قرحة .

المسألة الثانية : في الآية قولان : أحدهما : إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد مسهم يوم بدر ، وهو كقوله تعالى : { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا } والثاني : أن الكفار قد نالهم يوم أحد مثل ما نالكم من الجرح والقتل ، لأنه قتل منهم نيف وعشرون رجلا ، وقتل صاحب لوائهم والجراحات كثرت فيهم وعقر عامة خيلهم بالنبل ، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار .

فإن قيل كيف قال : { قرح مثله } وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين ؟

قلنا : يجب أن يفسر القرح في هذا التأويل بمجرد الانهزام لا بكثرة القتلى .

ثم قال تعالى : { وتلك الأيام نداولها بين الناس } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : { تلك } مبتدأ { والأيام } صفة و { نداولها } خبره ويجوز أن يقال : تلك الأيام مبتدأ وخبر كما تقول : هي الأيام تبلي كل جديد ، فقوله : { تلك الأيام } إشارة إلى جميع أيام الوقائع العجيبة ، فبين أنها دول تكون على الرجل حينا وله حينا والحرب سجال .

المسألة الثانية : قال القفال : المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر ، يقال : تداولته الأيدي إذا تناقلته ومنه قوله تعالى : { كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم } أي تتداولونها ولا تجعلون للفقراء منها نصيبا ، ويقال : الدنيا دول ، أي تنتقل من قوم إلى آخرين ، ثم عنهم إلى غيرهم ، ويقال : دال له الدهر بكذا إذا انتقل إليه ، والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها ، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه ، ويوم آخر بالعكس من ذلك ، ولا يبقى شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها .

واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين وذلك لأن نصرة الله منصب شريف وإعزاز عظيم ، فلا يليق بالكافر ، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه : الأول : أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل ، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإيمان ، وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام فيعظم ثوابه عند الله . والثاني : أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي ، فيكون عند الله تشديد المحنة عليه في الدنيا أدبا له وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من الله عليه . والثالث : وهو أن لذات الدنيا وآلامها غير باقية وأحوالها غير مستمرة ، وإنما تحصل السعادات المستمرة في دار الآخرة ، ولذلك فإنه تعالى يميت بعد الإحياء ، ويسقم بعد الصحة ، فإذا حسن ذلك فلم لا يحسن أن يبدل السراء بالضراء ، والقدرة بالعجز ، وروي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد ثم قال : أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب ، فقال عمر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا أبو بكر ، وها أنا عمر ، فقال أبو سفيان : يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال ، فقال عمر رضي الله تعالى عنه لا سواء ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، فقال : إن كان كما تزعمون ، فقد خبنا إذن وخسرنا .

أما قوله تعالى { وليعلم الله الذين آمنوا } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : اللام في قوله : { وليعلم الله } متعلق بفعل مضمر ، أما بعده أو قبله ، أما الإضمار بعده فعلى تقدير { وليعلم الله الذين آمنوا } فعلنا هذه المداولة ، وأما الإضمار قبله فعلى تقدير { وتلك الأيام نداولها بين الناس لأمور } ، منها ليعلم الله الذين آمنوا ، ومنها ليتخذ منكم شهداء ، ومنها ليمحص الله الذين آمنوا ، ومنها ليمحق الكافرين ، فكل ذلك كالسبب والعلة في تلك المداولة .

المسألة الثانية : الواو في قوله : { وليعلم الله الذين آمنوا } نظائره كثيرة في القرآن ، قال تعالى : { وليكون من الموقنين } وقال تعالى : { ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون } والتقدير : وتلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم الله ، وإنما حذف المعطوف عليه للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ، ليسليهم عما جرى ، وليعرفهم أن تلك الواقعة وأن شأنهم فيها ، فيه من وجه المصالح ما لو عرفوه لسرهم .

المسألة الثالثة : ظاهر قوله تعالى : { وليعلم الله الذين آمنوا } مشعر بأنه تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم ، ومعلوم أن ذلك محال على الله تعالى ، ونظير هذه الآية في الإشكال قوله تعالى :

{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } وقوله : { ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } وقوله : { لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } وقوله : { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } وقوله : { إلا لنعلم من يتبع الرسول } وقوله { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } وقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن الله تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها ، فقال : كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها .

أجاب المتكلمون عنه : بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها ، فثبت أن التغيير في العلم محالا إلا أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على المقدور مجاز مشهور ، يقال : هذا علم فلان والمراد معلومه ، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره ، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم ، فالمراد تجدد المعلوم .

إذا عرفت هذا ، فنقول : في هذه الآية وجوه : أحدها : ليظهر الإخلاص من النفاق والمؤمن من الكافر . والثاني : ليعلم أولياء الله ، فأضاف إلى نفسه تفخيما . وثالثها : ليحكم بالامتياز ، فوضع العلم مكان الحكم بالامتياز ، لأن الحكم بالامتياز لا يحصل إلا بعد العلم . ورابعها : ليعلم ذلك واقعا منهم كما كان يعلم أنه سيقع ، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد .

المسألة الرابعة : العلم قد يكون بحيث يكتفي فيه بمفعول واحد ، كما يقال : علمت زيدا ، أي علمت ذاته وعرفته ، وقد يفتقر إلى مفعولين ، كما يقال : علمت زيدا كريما ، والمراد منه في هذه الآية هذا القسم الثاني ، إلا أن المفعول الثاني محذوف والتقدير : وليعلم الله الذين آمنوا متميزين بالإيمان من غيرهم ، أي الحكمة في هذه المداولة أن يصير الذين آمنوا متميزين عمن يدعي الإيمان بسبب صبرهم وثباتهم على الإسلام ، ويحتمل أن يكون العلم ههنا من القسم الأول ، بمعنى معرفة الذات ، والمعنى وليعلم الله الذين آمنوا لما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم ، أي ليعرفهم بأعيانهم إلا أن سبب حدوث هذا العلم ، وهو ظهور الصبر حذف ههنا .

أما قوله : { ويتخذ منكم شهداء } فالمراد منه ذكر الحكمة الثانية في تلك المداولة ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : الأول : يتخذ منكم شهداء على الناس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي ، فإن كونهم شهداء على الناس منصب عال ودرجة عالية . والثاني : المراد منه وليكرم قوما بالشهادة ، وذلك لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر ، وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم يوم كيوم بدر يقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة ، وأيضا القرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء قال تعالى :

{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } وقال : { وجيء بالنبيين والشهداء } وقال : { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } فكانت هذه المنزلة هي المنزلة الثالثة للنبوة ، وإذا كان كذلك فكان من جملة الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين .

المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بإرادة الله تعالى فقالوا : منصب الشهادة على ما ذكرتم ، فإن كان يمكن تحصيلها بدون تسليط الكفار على المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه ، وإن كان لا يمكن فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من لوازم تلك الشهادة ، فإذا كان تحصيل تلك الشهادة للعبد مطلوبا لله تعالى وجب أن يكون ذلك القتل مطلوبا لله تعالى ، وذلك يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى .

المسألة الثالثة : الشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء ، والمقتول من المسلمين بسيف الكفار شهيدا ، وفي تعليل هذا الاسم وجوه : الأول : قال النضر بن شميل : الشهداء أحياء لقوله : { بل أحياء عند ربهم يرزقون } فأرواحهم حية وقد حضرت دار السلام ، وأرواح غيرهم لا تشهدها ، الثاني : قال ابن الأنباري : لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة ، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول ، الثالث : سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين ، كما قال تعالى : { لتكونوا شهداء على الناس } الرابع : سموا شهداء لأنهم كما قتلوا أدخلوا الجنة ، بدليل أن الكفار كما ماتوا أدخلوا النار بدليل قوله : { أغرقوا فأدخلوا نارا } فكذا ههنا يجب أن يقال : هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله ، كما ماتوا دخلوا الجنة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

{ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مّثْلُهُ } قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم بضم القاف والباقون بالفتح ، وهما لغتان كالدف والدف ، والضعف والضعف وقال الفراء : القرح بالفتح الجراحة ، وبالضم ألمها ، ويقرأ بضم القاف والراء على الاتباع كاليسر واليسر ، والطنب والطنب وقرأ أبو السمال بفتحهما وهو مصدر قرح يقرح إذا صار له قرحة والمعنى إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال وأنتم أحق بأن لا تضعفوا فإنكم ترجون من الله تعالى ما لا يرجون ، والمضارع على ما ذهب إليه العلامة التفتازاني لحكاية الحال لأن المساس مضى ، وأما استعمال إن فبتقدير كان ، أي إن كان مسكم قرح ، و إن لا تتصرف في كان لقوة دلالته على المضي ، أو على ما قيل : إن { إِن } قد تجيء لمجرد التعليق من غير نقل فعله من الماضي إلى المستقبل ، وما وقع في موضع جواب الشرط ليس بجواب حقيقة لتحققه قبل هذا الشرط بل دليل الجواب ، والمراد إن كان مسكم قرح فذلك لا يصحح عذركم وتقاعدكم عن الجهاد بعد لأنه قد مس أعداءكم مثله وهم على ما هم عليه ، أو يقال : إن مسكم قرح فتسلوا فقد مسّ القوم قرح مثله ، والمثلية باعتبار كثرة القتلى في الجملة فلا يرد أن المسلمين قتلوا من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين ، وقتل المشركون من المسلمين يوم أحد خمسة وسبعين وجرحوا سبعين ، والتزم بعضهم تفسير القرح بمجرد الانهزام دون تكثير القتلى فراراً من هذا الإيراد ، وأبعد بعض في توجيه الآية وحملها على ما لا ينبغي أن يحمل عليه كلام الله تعالى فقال : الأوجه أن يقال : إن المراد ( إن يمسسكم قرح ) فلا تهنوا ؛ لأنه مس القوم أي الرجال قرح مثله والقرح للرجال لا للنساء فمن هو من زمرة الرجال ينبغي أن لا يعرض عما هو سمته بل ينبغي أن يسعى له ، وبهذا يظهر بقاء وجه التعبير بالمضارع وأنه على ظاهره ، وكذا يندفع ما قيل : إن قرح القوم لم يكن مثل قرحهم ولا يحتاج إلى ما تقدم من الجواب . وقيل : إن كلا المسَّين كان في أحد فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم قتلوا منهم نيفاً وعشرين رجلاً أحدهم صاحب لوائهم ، وجرحوا عدداً كثيراً وعقروا عامة خيلهم بالنبل ، وقيل : إن ذلك القرح الذي مسهم أنهم رجعوا خائبين مع كثرتهم وغلبتهم بحفظ الله تعالى للمؤمنين .

{ وَتِلْكَ الايام } اسم الإشارة مشار به إلى ما بعده كما في الضمائر المبهمة التي يفسرها ما بعدها نحو ربه رجلاً ومثله يفيد التفخيم والتعظيم ، و الأيام بمعنى الأوقات لا الأيام العرفية ، وتعريفها للعهد إشارة إلى أوقات الظفر والغلبة الجارية فيما بين الأمم الماضية والآتية ، ويوما بدر وأحد داخلان فيها دخولاً أولياً .

{ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } نصرفها بينهم فنديل لهؤلاء مرة ولهؤلاء أخرى كما وقع ذلك يوم بدر ويوم أحد ، والمداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر ، يقال : تداولته الأيدي إذا انتقل من واحد إلى واحد ، و { الناس } عام ، وفسره ابن سيرين بالأمراء ، واسم الإشارة مبتدأ ، و الأيام خبره ، و { نُدَاوِلُهَا } في موضع الحال ، والعامل فيها معنى الإشارة أو خبر بعد خبر ، ويجوز أن تكون الأيام صفة أو بدلاً أو عطف بيان ، و { نُدَاوِلُهَا } هو الخبر ، و { بَيْنَ الناس } ظرف لنداولها ، وجوز أن يكون حالاً من الهاء ، وصيغة المضارع الدالة على التجدد والاستمرار للإعلام بأن تلك المداولة سنة مسلوكة فيما بين الأمم قاطبة إلى أن يأتي أمر الله تعالى ومن كلامهم : الأيام دول والحرب سجال ، وفي هذا ضرب من التسلية للمؤمنين ، وقرىء يداولها .

{ وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ } تعليل لما هو فرد من أفراد مطلق المداولة المشار إليها فيما قبل ، وهي المداولة المعهودة الجارية بين فريقي المؤمنين والكافرين ، واللام متعلقة بما دل عليه المطلق من الفعل المقيد بالوقوع بين الفريقين المذكورين ؛ أو بنفس الفعل المطلق باعتبار وقوعه بينهما ، والجملة معطوفة على علة أخرى لها معتبرة إما على الخصوص والتعيين ( محذوفة ) للدلالة المذكورة عليها كأنه قيل : نداولها بينكم وبين عدوكم ليظهر أمركم وليعلم ، وإما على العموم والإبهام للتنبيه على أن العلل غير منحصرة فيما عد من الأمور ، وأن العبد يسوؤه ما يجري عليه ولا يشعر بما لله في طيه من الألطاف ، كأنه قيل : نجعلها دولاً بينكم لتكون حكماً وفوائد جمة وليعلم الخ ، وفيه من تأكيد التسلية ما لا يخفى ، وتخصيص البيان بعلة هذا الفرد من مطلق المداولة دون سائر أفرادها الجارية بين بقية الأمم ، تعييناً أو إبهاماً لعدم تعلق الغرض العلمي ببيانها ، ولك أن تجعل المحذوف المبهم عبارة عن علل سائر أفرادها للإشارة إجمالاً إلى أن كل فرد من أفرادها له علة داعية في الظاهر إليه كأنه قيل : نداولها بين الناس كافة ليكون كيت وكيت من الحكم الداعية إلى تلك الأفراد وليعلم الخ ، فاللام الأولى : متعلقة بالفعل المطلق باعتبار تقييده بتلك الأفراد ، والثانية : باعتبار تقييده بالفرد المعهود قاله مولانا شيخ الإسلام .

وجوزوا أن يكون الفعل معطوفاً على ما قبله باعتبار المعنى كأنه قيل : داولت بينكم الأيام ؛ لأن هذه عادتنا وليعلم الخ ، وقيل : إن الفعل المعلل به محذوف ويقدر مؤخراً ، والتقدير : وليعلم الله الذين آمنوا فعل ذلك ، ومنهم من زعم زيادة الواو وهو من ضيق المجال والكلام من باب التمثيل أي ليعاملكم معاملة من يريد أن يعلم المخلصين الثابتين على الإيمان من غيرهم ، والعلم فيه مجاز عن التمييز من باب إطلاق اسم السبب على المسبب أي ليميز الثابتين على الإيمان من غيرهم .

وحمل العلم على التمييز في حال التمثيل تطويل من غير طائل ، واختار غير واحد حمل العلم على التعلق التنجيزي المترتب عليه الجزاء . وقد تقدم بعض الكلام على ذلك في البقرة . وبالجملة لا يرد لزوم حدوث العلم الذي هو صفة قائمة بذاته تعالى وإطلاق الإيمان مع أن المراد هو الرسوخ والإخلاص فيه ؛ للإشعار بأن اسم الإيمان لا ينطلق على غيره .

وزعم بعضهم أن التقدير ليعلم الله المؤمن من المنافق إلا أنه استغنى بذكر أحدهما عن الآخر ولا حاجة إليه ، ومثله القول بحذف المضاف أي صبر الذين ، والالتفات إلى الغيبة بإسناده إلى الاسم الجليل لتربية المهابة والإشعار بأن صدور كل واحد مما ذكر بصدد التعليل من أفعاله تعالى باعتبار منشأ معين من صفاته التي استجمعها هذا الاسم الأعظم مغاير لمنشأ الآخر .

{ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } جمع شهيد وهو قتيل المعركة وأراد بهم شهداء أحد كما قاله الحسن وقتادة وابن إسحق ، و ( من ) ابتدائية أو تبعيضية متعلقة بيتخذ أو بمحذوف وقع حالاً من { شُهَدَاء } ، وقيل : جمع شاهد أي ويتخذ منكم شهوداً معدلين بما ظهر ( منهم ) من الثبات على الحق والصبر على الشدائد وغير ذلك من شواهد الصدق ليشهدوا على الأمم يوم القيامة ، و ( من ) على هذا بيانية لأن تلك الشهادة وظيفة الكل كما يشير إليه قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } [ البقرة : 143 ] ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : لما أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن فإذا رجلان مقتولان على دابة أو على بعير فقالت امرأة من الأنصار : من هذان ؟ قالوا : فلان وفلان ، أخوها وزوجها أو زوجها وابنها فقالت : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : حيّ قالت : فلا أبالي يتخذ الله تعالى من عباده الشهداء ونزل القرآن على ما قالت ، { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } وكنى بالإتخاذ عن الإكرام لأن من اتخذ شيئاً لنفسه فقد اختاره وارتضاه فالمعنى ليكرم أناساً منكم بالشهادة .

{ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } أي يبغضهم ، والمراد من الظالمين إما المنافقون كابن أبيّ وأتباعه الذين فارقوا جيش الإسلام على ما نقلناه فيما قبل فهم في مقابلة المؤمنين فيما تقدم المفسر بالثابتين على الإيمان الراسخين فيه الذين توافق ظواهرهم بواطنهم ، وإما بمعنى الكافرين المجاهرين بالكفر ، وأياً ما كان فالجملة معترضة لتقرير مضمون ما قبلها ، وفيها تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافر على الحقيقة وإنما يغله أحياناً استدراجاً له وابتلاءاً للمؤمن ، وأيضاً لو كانت النصرة دائماً للمؤمنين لكان الناس يدخلون في الإيمان على سبيل اليمن والفأل ، والمقصود غير ذلك .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مّثْلُهُ } ولم يبالوا مع أنهم دونكم { وَتِلْكَ الايام } أي الوقائع { نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } فيوم لطائفة وآخر لأخرى { وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ } أي ليظهر علمه التفصيلي التابع لوقوع المعلوم { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } وهم الذين يشهدون الحق فيذهلون عن أنفسهم { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } [ آل عمران : 140 ] أي الذين ظلموا أنفسهم وأضاعوا حقها ولم يكملوا نشأتها