البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

القرح والقرح لغتان ، كالضعف والضعف ، والكره والكره : الفتحُ لغة الحجاز : وهو الجرح .

قال حندج :

وبدلت قرحاً دامياً بعد صحة *** لعل منايانا تحولن أبؤسا

وقال الأخفش : هما مصدران .

ومن قال : القَرح بالفتح الجرح ، وبالضم المد ، فيحتاج في ذلك إلى صحة نقل عن العرب .

وأصل الكلمة الخلوص ، ومنه : ماء قراح لا كدورة فيه ، وأرض قراح خالصة الطين ، وقريحة الرجل خالصة طبعه .

المداولة : المعاودة ، وهي المعاهدة مرة بعد مرة .

يقال : داولت بينهم الشيء فتداولوه .

قال :

يرد المياه فلا يزال مداويا *** في الناس بين تمثل وسماع

وأدلته جعلت له دولة وتصريفاً ، والدولة بالضم المصدر ، وبالفتح الفعلة الواحدة ، فلذلك يقال : في دولة فلان ، لأنها مرة في الدهر .

والدور والدول متقاربان ، لكن الدور أعم .

فإن الدولة لا تقال إلا في الحظ الدنيوي .

{ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } المعنى : إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم يوم بدر ، ثم لم يضعفوا إنْ قاتلوكم بعد ذلك ، فلا تضعفوا أنتم .

أو فقد مس القوم في غزوة أحد قبل مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحوه ، فإنهم يألمون كما تألمون ، وترجون من الله ما لا يرجون .

وهذه تسلية منه تعالى للمؤمنين والتأسي فيه أعظم مسلاة .

وقالت الخنساء :

ولولا كثرة الباكين حولي *** على إخوانهم لقتلت نفسي

وما يبكون مثل أخي ولكن *** أعزي النفس عنه بالتأسي

والمثلية تصدق بأدنى مشابهة .

وقال ابن عباس والحسن : أصاب المؤمنين يوم أحد ما أصاب المشركين يوم بدر ، استشهد من المؤمنين يوم أحد سبعون .

وقال الزمخشري : قتل يومئذ أي يوم أحد خلق من الكفار ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { إذ تحسونهم بإذنه } فعلى قوله يكون مس القوم قرح مثله يوم بدر .

وأبعد من ذهب إلى أن القوم هنا الأمم التي قد خلت ، أي نال مؤمنهم من أذى كافرهم مثل الذي نالكم من أعدائكم .

ثم كانت العاقبة للمؤمنين ، فلكم بهم أسوة .

فإنّ تأسيكم بهم مما يخفف ألمكم ، ويثبت عند اللقاء أقدامكم .

وقرأ الإخوان وأبو بكر والأعمش من طريقة قُرح بضم القاف فيهما ، وباقي السبعة بالفتح ، والسبعة على تسكين الراء .

قال أبو علي : والفتح أولى انتهى .

ولا أولوية إذ كلاهما متواتر .

وقرأ أبو السمال وابن السميفع قَرَحَ بفتح القاف والراء ، وهي لغة : كالطرد والطرد ، والشل والشلل .

وقرأ الأعمش : إنْ تمسسكم بالتاء من فوق قروح بالجمع ، وجواب الشرط محذوف تقديره : فتأسوا فقد مس القوم قرح ، لأن الماضي معنى يمتنع أن يكون جواباً للشرط .

ومن زعم أن جواب الشرط هو فقد مس ، فهو ذاهل .

{ وتلك الأيام نداولها بين الناس } أخبر تعالى على سبيل التسلية أن الأيام على قديم الدهر لا تبقي الناس على حالة واحدة .

والمراد بالأيام أوقات الغلبة والظفر ، يصرفها الله على ما أراد تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء ، كما جاء الحرب سجال .

وقال :

فيوم علينا ويوم لنا *** ويوم نساء ويوم نسر

وسمع بعض العرب الأقحاح قارئاً يقرأ هذه الآية فقال : إنما هو نداولها بين العرب ، فقيل له : إنما هو بين الناس ، فقال : أنا الله ، ذهب ملك العرب ورب الكعبة .

وقرئ شاذاً .

يداً ، ولها بالياء .

وهو جار على الغيبة قبله وبعده .

وقراءة النون فيها التفات ، وإخبار بنون العظمة المناسبة لمداولة الأيام ، والأيام : صفة لتلك ، أو بدل ، أو عطف بيان .

والخبر نداولها ، أو خبر لتلك ، ونداولها جملة حالية .

{ وليعلم الله الذين آمنوا } هذه لام كي قبلها حرف العطف ، فتتعلق بمحذوف متأخر أي : فعلنا ذلك وهو المداولة ، أو نيل الكفار منكم .

أو هو معطوف على سبب محذوف هو وعامله أي : فعلنا ذلك ليكون كيت وكيت وليعلم .

هكذا قدّره الزمخشري وغيره ، ولم يعين فاعل العلة المحذوفة إنما كنى عنه بكيت وكيت ، ولا يكنى عن الشيء حتى يعرف .

ففي هذا الوجه حذف العلة ، وحذف عاملها ، وإبهام فاعلها .

فالوجه الأول أظهر إذ ليس فيه غير حذف العامل .

ويعلم هنا ظاهره التعدي إلى واحد ، فيكون كعرف .

وقيل : يتعدّى إلى اثنين ، الثاني محذوف تقديره : مميزين بالإيمان من غيرهم .

أي الحكمة في هذه المداولة : أنْ يصير الذين آمنوا متميزين عن من يدعي الإيمان بسبب صبرهم وثباتهم على الإسلام .

وعلم الله تعالى لا يتجدد ، بل لم يزل عالماً بالأشياء قبل كونها ، وهو من باب التمثيل بمعنى فعلنا ذلك فعْلَ مَنْ يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم من غير الثابت .

وقيل : معناه ليظهر في الوجود إيمان الذين قد علم أزلاً أنهم يؤمنون ، ويساوق علمه إيمانهم ووجودهم ، وإلا فقد علمهم في الأزل .

إذْ علمه لا يطرأ عليه التغير .

ومثلُه أن يضرب حاكم رجلاً ثم يبين سبب الضرب ويقول : فعلت هذا التبيين لا ضرب مستحقاً معناه : ليظهر أن فعلي وافق استحقاقه .

وقيل : معناه وليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء ، وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات .

وقيل : العلم باق على مدلوله ، وهو على حذف مضاف التقدير : وليعلم أولياء الله ، فأسند ذلك إلى نفسه تفخيماً .

{ ويتخذ منهم شهداء } أي بالقتل في سبيله ، فيكرمهم بالشهادة .

يعني يوم أحد .

وقد ورد في فضل الشهيد غير ما آية وحديث .

أو شهداء على الناس يوم القيامة أي وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما يبتلي به صبركم على الشدائد من قوله تعالى :

{ لتكونوا شهداء على الناس } والقول الأول أظهر وأليق بقصة أحد .

{ والله لا يحب الظالمين } أي لا يحب من لا يكون ثابتاً على الإيمان صابراً على الجهاد .

وفيه إشارة إلى أن من انخذل يوم أحد كعبد الله بن أبي وأتباعه من المنافقين ، فإنهم بانخذالهم ، لم يطهر إيمانهم بل نجم نفاقهم ، ولم يصلحوا لاتخاذهم شهداء بأن يقتلوا في سبيل الله .

وذلك إشارة أيضاً إلى أن ما فعل من ادالة الكفار ، ليس سببه المحبة منه تعالى ، بل ما ذكر من الفوائد من ظهور إيمان المؤمن وثبوته ، واصطفائه من شاء من المؤمنين للشهادة .

وهذه الجملة اعترضت بين بعض الملل وبعض ، لما فيها من التشديد والتأكيد .

وأن مناط انتفاء المحبة هو الظلم ، وهو دليل على فحاشته وقبحه من سائر الأوصاف القبيحة .

/خ141