مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ سَبِيلَۢا} (137)

قوله تعالى { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا }

فيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما أمر بالإيمان ورغب فيه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان فذكر هذه الآية .

واعلم أن فيها أقوالا كثيرة : الأول : أن المراد منه الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإيمان مرات وكرات ، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإيمان في قلوبهم ، إذ لو كان للإيمان وقع ورتبة في قلوبهم لما تركوه بأدنى سبب ، ومن لا يكون للإيمان في قلبه وقع فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا فهذا هو المراد بقوله { لم يكن الله ليغفر لهم } وليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبرا ، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذي ذكرناه ، وكذلك نرى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع فإنه لا يكاد يرجى منه الثبات ، والغالب أنه يموت على الفسق ، فكذا هاهنا . الثاني : قال بعضهم : اليهود آمنوا بالتوراة وبموسى ، ثم كفروا بعزير ، ثم آمنوا بداود ، ثم كفروا بعيسى ، ثم ازدادوا كفرا عند مقدم محمد عليه الصلاة والسلام . الثالث : قال آخرون : المراد المنافقون ، فالإيمان الأول إظهارهم الإسلام ، وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم ، والإيمان الثاني هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسلمين قالوا إنا مؤمنون والكفر الثاني هو أنهم إذا دخلوا على شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون ، وازديادهم في الكفر هو جدهم واجتهادهم في استخراج أنواع المكر والكيد في حق المسلمين ، وإظهار الإيمان قد يسمى إيمانا قال تعالى { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } قال القفال رحمة الله عليه : وليس المراد بيان هذا العدد ، بل المراد ترددهم كما قال { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } قال والذي يدل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية { بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما } . الرابع : قال قوم : المراد طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة ، والكفر أخرى على ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا { ءامنوا بالذي أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون } وقوله { ثم ازدادوا كفرا } معناه أنهم بلغوا في ذلك إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام .

المسألة الثانية : دلت الآية على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وهذا يبطل مذهب القائلين بالموافاة ، وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان .

المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان ، فوجب أن يكون الإيمان أيضا كذلك لأنهما ضدان متنافيان ، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذلك الآخر ، وذكروا في تفسير هذه الزيادة وجوها : الأول : أنهم ماتوا على كفرهم . الثاني : أنهم ازدادوا كفرا بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم ، وعلى هذا التقدير لما كانت إصابة الذنوب وقت الكفر زيادة في الكفر فكذلك إصابة الطاعات وقت الإيمان يجب أن تكون زيادة في الإيمان . الثالث : أن الزيادة في الكفر إنما حصلت بقولهم { إنما نحن مستهزؤن } وذلك يدل على الاستهزاء بالدين أعظم درجات الكفر وأقوى مراتبه .

ثم قال تعالى : { لم يكن الله ليغفر لهم } وفيه سؤالان : الأول : أن الحكم المذكور في هذه الآية إما أن يكون مشروطا بما قبل التوبة أو بما بعدها ، والأول باطل لأن الكفر قبل التوبة غير مذكور على الإطلاق ، وحينئذ تضيع هذه الشرائط المذكورة في هذه الآية . والثاني : أيضا باطل لأن الكفر بعد التوبة مغفور ، ولو كان ذلك بعد ألف مرة ، فعلى كلا التقديرين فالسؤال لازم .

والجواب عنه من وجوه : الأول : أنا لا نحمل قوله { إن الذين } على الاستغراق ، بل نحمله على المعهود السابق ، والمراد به أقوام معينون علم الله تعالى منهم أنهم يموتون على الكفر ولا يتوبون عنه قط فقوله { لم يكن الله ليغفر لهم } إخبار عن موتهم على الكفر ، وعلى هذا التقدير زال السؤال . الثاني : أن الكلام خرج على الغالب المعتاد ، وهو أن كل من كان كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر لم يكن للإسلام في قلبه وقع ولا عظم ، والظاهر من حال مثل هذا الإنسان أنه يموت على الكفر على ما قررناه . الثالث : أن الحكم المذكور في الآية مشروط بعدم التوبة عن الكفر ، وقول السائل : إن على هذا التقدير تضيع الصفات المذكورة .

قلنا : إن إفرادهم بالذكر يدل على كفرهم أفحش وخيانتهم أعظم وعقوبتهم في القيامة أقوى فجرى هذا مجرى قوله { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } خصهما بالذكر لأجل التشريف ، وكذلك قوله { وملئكته . . . وجبريل وميكال } .

السؤال الثاني : في قوله { ليغفر لهم } اللام للتأكيد فقوله { لم يكن الله ليغفر لهم } يفيد نفي التأكيد ، وهذا غير لائق بهذا الموضع إنما اللائق به تأكيد النفي ، فما الوجه فيه ؟

والجواب : أن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم كان المراد منه المبالغة في تأكيد النفي .

ثم قال تعالى : { ولا ليهديهم سبيلا } قال أصحابنا : هذا يدل على أنه سبحانه وتعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان خلافا للمعتزلة ، وهم أجابوا عنه بأنه محمول على المنع من زيادة اللطف ، أو على أنه تعالى لا يهديه في الآخرة إلى الجنة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ سَبِيلَۢا} (137)

{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً } هم قوم تكرر منهم الارتداد وأصروا على الكفر وازدادوا تمادياً في الغي ، وعن مجاهد وابن زيد أنهم أناس منافقون أظهروا الإيمان ثم ارتدوا ثم أظهروا ثم ارتدوا ثم ماتوا على كفرهم ، وجعلها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عامة لكل منافق في عهده صلى الله عليه وسلم في البر والبحر ، وعن الحسن أنهم طائفة من أهل الكتاب أرادوا تشكيك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يظهرون الإيمان بحضرتهم ، ثم يقولون قد عرضت لنا شبهة فيكفرون ثم يظهرون ثم يقولون : قد عرضت لنا شبهة أخرى فيكفرون ، ويستمرون على الكفر إلى الموت ، وذلك معنى قوله تعالى : { وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب ءامِنُواْ بالذي أُنزِلَ عَلَى الذين ءامَنُواْ وَجْهَ النهار واكفروا ءاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [ آل عمران : 72 ] ، وقيل : هم اليهود آمنوا بموسى عليه السلام ، ثم كفروا بعبادتهم العجل حين غاب عنهم ، ثم آمنوا عند عوده إليهم ، ثم كفروا بعيسى عليه السلام ، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وروي ذلك عن قتادة ، وقال الزجاج والفراء : إنهم آمنوا بموسى عليه السلام ، ثم كفروا بعده ، ثم آمنوا بعزيز ، ثم كفروا بعيسى عليه السلام ، ثم ازدادوا كفراً بنبينا عليه الصلاة والسلام ، وأورد على ذلك بأن الذين ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم ليسوا بمؤمنين بموسى عليه السلام ، ثم كافرين بعبادة العجل أو بشيء آخر ، ثم مؤمنين بعوده إليهم أو بعزير ، ثم كافرين بعيسى عليه السلام بل هم إما مؤمنون بموسى عليه السلام وغيره ، أو كفار لكفرهم بعيسى عليه السلام والإنجيل . وأجيب بأنه لم يرد على هذا قوم بأعيانهم بل الجنس ، ويحصل التبكيت على اليهود الموجودين باعتبار عد ما صدر من بعضهم كأنه صدر من كلهم ، والذي يميل القلب إليه أن المراد قوم تكرر منهم الارتداد أعم من أن يكونوا منافقين أو غيرهم ، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في المرتد : إن كنت لمستتيبه ثلاثاً ، ثم قرأ هذه الآية وإلى رأي الإمام كرم الله تعالى وجهه ذهب بعض الأئمة فقال : يقتل المرتد في الرابعة ولا يستتاب ، وكأنه أراد أنه لا فائدة في الإستتابة إذ لا منفعة .

وعليه فالمراد من قوله سبحانه : { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } أنه سبحانه لا يفعل ذلك أصلاً وإن تابوا ، وعلى القول المشهور الذي عليه الجمهور : المراد من نفي المغفرة والهداية نفي ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت ومعنى نفيه استبعاد وقوعه فإن من تكرر منهم الإرتداد وازدياد الكفر والإصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر وتمرنت على الردة وكان الإيمان عندهم أدون شيء وأهونه فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم .

وخص بعضهم عدم الاستتابة بالمتلاعب المستخف إذا قامت قرينة على ذلك ، وخبر كان في أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام كما ذهب إليه البصريون أي ما كان الله تعالى مريداً للغفران لهم ، ونفي إرادة الفعل أبلغ من نفيه . وذهب الكوفيون إلى أن اللام زائدة والخير هو الفعل . وضعف بأن ما بعدها قد انتصب فإن كان النصب باللام نفسها فليست بزائدة ، وإن كان بأن ففاسد لما فيه من الإخبار بالمصدر عن الذات . وأجيب باختيار الشق الأول وأنه لا مانع من العمل مع الزيادة كما في حروف الجر الزائدة ، وباختيار الشق الثاني وامتناع الإخبار بالمصدر عن الذات لعدم كونه دالاً بصيغته على فاعل وعلى زمان دون زمان ، والفعل المصدر بأن يدل عليهما فيجوز الإخبار به وإن لم يجز بالمصدر ولا يخفى ما فيه ، فإن الإخبار على هذا بالفعل لا بالمصدر وإن أوّل المصدر باسم الفاعل كان الإخبار باسم الفاعل لا به أيضاً فافهم . واختار قوم في القوم ما ذهب إليه مجاهد وأيد ذلك بقوله تعالى :

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } بالتقليد { ثُمَّ كَفَرُواْ } إذ لم يكن للتقليد أصل { ثُمَّ كَفَرُواْ } بالاستدلال العقلي { ثُمَّ كَفَرُواْ } إذ لم تكن عقولهم مشرفة بالنور الإلهي { ثُمَّ ازدادوا كُفْراً } بالشبهات والاعتراضات ، وقد يكون ذلك إشارة إلى وصف أهل التردد في سلوك سبيل أولياء الله تعالى ، والإيمان بأحوالهم حين هاجت رغبتهم إلى رياسة القوم . فلما جن عليهم ليل المجاهدات لم يتحملوا وأنكروا ورجعوا إلى حظوظ أنفسهم ، ولما رأوا نهاية الأكابر وظنوا اللحوق بهم لو استقاموا وآمنوا فلما لم يصلوا إلى شيء من مقامات القوم وكراماتهم لعدم إخلاصهم وسوء استعدادهم ارتدوا وصاروا منكرين عليهم وعلى مقاماتهم وازدادوا إنكاراً على إنكار حين رجعوا إلى اللذات والشهوات واختاروا الدنيا على الآخرة وجعلوا يقولون للخلق : إن هؤلاء ليسوا على الحق فقد سلكنا ما سلكوا وخضنا ما خاضوا فلم نر إلا سراباً بقيعة ، وهذا حال كثير من علماء السوء المنكرين على القوم قدس الله تعالى أسرارهم { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ } لمكان الريب الحاجب وفساد جوهر القلب وزوال الاستعداد { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } [ النساء : 137 ] إلى الحق ولا إلى الكمال لعدم قبولهم ذلك