ثم قال تعالى : { الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا }
{ الذين } : نصب على الذم ، بمعنى أريد الذين ، أو رفع بمعنى هم الذين ، واتفق المفسرون على أن المراد بالذين يتخذون : المنافقون ، وبالكافرين اليهود ، وكان المنافقون يوالونهم ويقول بعضهم لبعض : إن أمر محمد لا يتم ، فيقول اليهود بأن العزة والمنعة لهم .
ثم قال تعالى : { أيبتغون عندهم العزة } قال الواحدي : أصل العزة في اللغة الشدة ، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة : عزاز ، ويقال : قد استعز المرض على المريض إذا اشتد مرضه وكاد أن يهلك ، وعز الهم اشتد ، ومنه عز على أن يكون كذا بمعنى اشتد ، وعز الشيء إذا قل حتى لا يكاد يوجد لأنه اشتد مطلبه ، واعتز فلان بفلان إذا اشتد ظهره به ، وشاة عزوز التي يشتد حلبها ويصعب والعزة القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما . والعزيز القوي المنيع بخلاف الذليل .
إذا عرفت هذا فنقول : إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود ، ثم إنه تعالى أبطل عليهم هذا الرأي بقوله { فإن العزة لله جميعا } .
فإن قيل : هذا كالمناقض لقوله { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } .
قلنا : القدرة الكاملة لله ، وكل من سواه فباقداره صار قادرا ، وبإعزازه صار عزيزا ، فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله تعالى ، فكان الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله .
{ الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء } في موضع النصب أو الرفع على الذم على معنى أريد بهم الذين أو هم الذين ، ويجوز أن يكون منصوباً على اتباع المنافقين ولا يمنع منه وجود الفاصل فقد جوزه العرب ، والمراد بالكافرين قيل : اليهود ، وقيل : مشركو العرب ، وقيل : ما يعم ذلك والنصارى ، وأيد الأول بما روي أنه كان يقول بعضهم لبعض : إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لا يتم فتولوا اليهود . { مِن دُونِ المؤمنين } أي متجاوزين ولاية المؤمنين ، وهو حال من فاعل { يَتَّخِذُونَ } .
{ أَيَبْتَغُونَ } أي المنافقون { عِندَهُمُ } أي الكافرين { العزة } أي القوة والمنعة وأصلها الشدة ، ومنه قيل للأرض الصلبة : عزاز ، والاستفهام للإنكار ، والجملة معترضة مقررة لما قبلها ، وقيل : للتهكم ، وقيل : للتعجب . { فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً } أي أنها مختصة به تعالى يعطيها من يشاء وقد كتبها سبحانه لأوليائه فقال عز شأنه : { وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } [ المنافقون : 8 ] والجملة تعليل لما يفيده الاستفهام الإنكاري من بطلان رأيهم وخيبة رجائهم . وقيل : بيان لوجه التهكم أو التعجب ، وقيل : إنها جواب شرط محذوف أي إن يبتغوا العزة من هؤلاء فإن العزة الخ ، وهي على هذا التقدير قائمة مقام الجواب لا أنها الجواب حقيقة ، و { جَمِيعاً } قيل : حال من الضمير في الجار والمجرور لاعتماده على المبتدأ ، وليس في الكلام مضاف أي لأولياء كما زعمه البعض .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء } لمناسبتهم إياهم وشبيه الشيء من منجذب إليه { مِن دُونِ المؤمنين } لعدم الجنسية { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة } أي أيطلبون التعزز بهم في الدنيا والتقوي بمالهم وجاههم
{ فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً } [ النساء : 139 ] فلا سبيل لهم إليها إلا منه سبحانه عز وجل ، ثم ذكر سبحانه من وصف المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى لعدم شوقهم إلى الحضور ونفورهم عنه لعدم استعدادهم واستيلاء الهوى عليهم
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.