قوله تعالى : { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون * وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون * إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل * ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون * وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم * ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين } في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى ذكر أنواعا كثيرة من كفرياتهم في هذه السورة وأجاب عنها بالوجوه الكثيرة ( فأولها ) قوله تعالى : { وجعلوا له من عباده جزءا } ( وثانيها ) قوله تعالى : { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } ( وثالثها ) قوله { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم } ( ورابعها ) قوله { وقالوا لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } ( وخامسها ) هذه الآية التي نحن الآن في تفسيرها ، ولفظ الآية لا يدل إلا على أنه لما ضرب ابن مريم مثلا أخذ القوم يضجون ويرفعون أصواتهم ، فأما أن ذلك المثل كيف كان ، وفي أي شيء كان فاللفظ لا يدل عليه والمفسرون ذكروا فيه وجوها كلها محتملة ( فالأول ) أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا إذا عبدوا عيسى فآلهتنا خير من عيسى ، وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يعبدون الملائكة ( الثاني ) روي أنه لما نزل قوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } قال عبد الله بن الزبعري هذا خاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «بل لجميع الأمم » فقال خصمتك ورب الكعبة ، ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي وتثني عليه خيرا وعلى أمه ، وقد علمت أن النصارى يعبدونهما واليهود يعبدون عزيرا والملائكة يعبدون ، فإذا كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وفرح القوم وضحكوا وضجوا ، فأنزل الله تعالى : { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } ونزلت هذه الآية أيضا والمعنى ، ولما ضرب عبدالله بن الزبعري عيسى ابن مريم مثلا وجادل رسول الله بعبادة النصارى إياه إذا قومك قريش منه أي من هذا المثل يصدون أي يرتفع لهم ضجيج وجلبة فرحا وجدلا وضحكا بسبب ما رأوا من إسكات رسول الله فإنه قد جرت العادة بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الثاني الفرح والضجيج .
{ وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً } الخ بيان لعناد قريش بالباطل والرد عليهم ، فقد روي أن عبد الله بن الزبعري قبل إسلامه ، قال للنبي صلى الله عليه وسلم وقد سمعه يقول : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ] أليست النصارى يعبدون المسيح وأنت تقول كان نبياً وعبداً من عباد الله تعالى صالحاً فإن كان في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه ففرح قريش وضحكوا وارتفعت أصواتهم وذلك قوله تعالى : { إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } فالمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى بن مريم مثلاً وحاجك بعبادة النصارى إياه إذا قومك من ذلك ولأجله يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحاً وجدلاً ، والحجة لما كانت تسير مسير الأمثال شهرة قيل لها مثل أو المثل بمعنى المثال أي جعله مقياساً وشاهداً على إبطال قوله عليه الصلاة والسلام : إن آلهتهم من حصب جهنم ، وجعل عيسى عليه السلام نفسه مثلاً من باب «الحج عرفة » .
وقرأ أبو جعفر . والأعرج . والنخعي . وأبو رجاء . وابن وثاب . وابن عامر . ونافع . والكسائي { يَصِدُّونَ } بضم الصاد من الصدود ، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه ، وأنكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذه القراءة وهو قبل بلوغه تواترها ، والمعنى عليها إذا قومك من أجل ذلك يعرضون عن الحق بالجدل بحجة داحضة واهية ، وقيل : المراد يثبتون على ما كانوا عليه من الإعراض .
وقال الكسائي . والفراء : يصدون بالكسر ويصدون بالضم لغتان بمعنى واحد مثل { يعرشون } و { يعرشون } [ الأعراف : 137 ] ومعناهما يضجون ، وجوز أن يكون يعرضون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.