قوله تعالى : { اليوم أحل لكم الطيبات } .
اعلم أنه تعالى أخبر في هذه الآية المتقدمة أنه أحل الطيبات ، وكان المقصود من ذكره الأخبار عن هذا الحكم ، ثم أعاد ذكره في هذه الآية ، والغرض من ذكره أنه قال : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } فبين أنه كما أكمل الدين وأتم النعمة في كل ما يتعلق بالدين ، فكذلك أتم النعمة في كل ما يتعلق بالدنيا ، ومنها إحلال الطيبات ، والغرض من الإعادة رعاية هذه النكتة .
ثم قال تعالى : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } وفي المراد بالطعام هاهنا وجوه ثلاثة : الأول : أنه الذبائح ، يعني أنه يحل لنا أكل ذبائح أهل الكتاب ، وأما المجوس فقد سن فيهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاس نسائهم ، وعن علي رضي الله عنه أنه استثنى نصارى بني تغلب ، وقال : ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر ، وبه أخذ الشافعي رحمه الله . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال لا بأس به ، وبه أخذوا أبو حنيفة رحمه الله .
والوجه الثاني : أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة ، وهو منقول عن بعض أئمة الزيدية ، والثالث : أن المراد جميع المطعومات ، والأكثرون على القول الأول ورجحوا ذلك من وجوه : أحدها : أن الذبائح هي التي تصير طعاما بفعل الذابح ، فحمل قوله { وطعام الذين أوتوا الكتاب } على الذبائح أولى ، وثانيها : أن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم ، فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة ، وثالثها : ما قبل هذه الآية في بيان الصيد والذبائح ، فحمل هذه الآية على الذبائح أولى .
ثم قال تعالى : { وطعامكم حل لهم } أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله أن نطعمهم من ذبائحنا ، وأيضا فالفائدة في ذكر ذلك أن إباحة المناكحة غير حاصلة في الجانبين ، وإباحة الذبائح كانت حاصلة في الجانبين ، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك تنبيها على التمييز بين النوعين .
ثم قال تعالى : { والمحصنات من المؤمنات } وفي المحصنات قولان : أحدهما : أنها الحرائر ، والثاني : أنها العفائف ، وعلى التقدير الثاني يدخل فيه نكاح الأمة ، والقول الأول أولى لوجوه : أحدها : أنه تعالى قال بعد هذه الآية { إذا آتيتموهن أجورهن } ومهر الأمة لا يدفع إليها بل إلى سيدها ، وثانيها : أنا بينا في تفسير قوله تعالى : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } أن نكاح الأمة إنما يحل بشرطين : عدم طول الحرة ، وحصول الخوف من العنت ، وثالثها : أن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهرا على تحريم نكاح الزانية ، وقد ثبت أنه غير محرم ، أما لو حملنا المحصنات على الحرائر يلزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات ، ورابعها : أنا بينا أن اشتقاق الإحصان من التحصن ، ووصف التحصن في حق الحرة أكثر ثبوتا منه في حق الأمة لما بينا أن الأمة وإن كانت عفيفة إلا أنها لا تخلو من الخروج والبروز والمخالطة مع الناس بخلاف الحرة ، فثبت أن تفسير المحصنات بالحرائر أولى من تفسيرها بغيرها .
ثم قال تعالى : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يحل التزوج بالذمية من اليهود والنصارى وتمسكوا فيه بهذه الآية ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يرى ذلك ويحتج بقوله { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ويقول : لا اعلم شركا أعظم من قولها : إن ربها عيسى ، ومن قال بهذا القول أجابوا عن التمسك بقوله تعالى : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } بوجوه : الأول : أن المراد الذين آمنوا منهم ، فإنه كان يحتمل أن يخطر ببال بعضهم أن اليهودية إذا آمنت فهل يجوز للمسلم أن يتزوج بها أم لا ؟ فبين تعالى بهذه الآية جواز ذلك ، والثاني : روي عن عطاء أنه قال : إنما رخص الله تعالى في التزوج بالكتابية في ذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ، وأما الآن ففيهن الكثرة العظيمة ، فزالت الحاجة فلا جرم زالت الرخصة ، والثالث : الآيات الدالة على وجوب المباعدة عن الكفار ، كقوله { لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء } وقوله { لا تتخذوا بطانة من دونكم } ولأن عند حصول الزوجية ربما قويت المحبة ويصير ذلك سببا لميل الزوج إلى دينها ، وعند حدوث الولد فربما مال الولد إلى دينها ، وكل ذلك إلقاء للنفس في الضرر من غير حاجة . الرابع : قوله تعالى في خاتمة هذه الآية { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين } وهذا من أعظم المنفرات عن التزوج بالكافرة ، فلو كان المراد بقوله تعالى : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } إباحة التزوج بالكتابية لكان ذكر هذه الآية عقيبها كالتناقض وهو غير جائز .
المسألة الثانية : إن قلنا : المراد بالمحصنات : الحرائر ، لم تدخل الأمة الكتابية تحت الآية ، وإن قلنا : المراد بالمحصنات : العفائف دخلت ، وعلى هذا البحث وقع الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة فعند الشافعي لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية . قال : لأنه اجتمع في حقها نوعان من النقصان : الكفر والرق ، وعند أبي حنيفة رحمه الله يجوز ، وتمسك بهذه الآية بناء على أن المراد بالمحصنات العفائف وقد سبق الكلام فيه .
المسألة الثالثة : قال سعيد بن المسيب والحسن { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } يدخل فيه الذميات والحربيات ، فيجوز التزوج بكلهن ، وأكثر الفقهاء على أن ذلك مخصوص بالذمية فقط ، وهذا قول ابن عباس ، فإنه قال : من نساء أهل الكتاب من يحل لنا ، ومنهن من لا يحل لنا ، وقرأ { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } إلى قوله { حتى يعطوا الجزية عن يد } فمن أعطى الجزية حل ، ومن لم يعط لم يحل .
المسألة الرابعة : اتفقوا على أن المجوس قد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم ، وروي عن ابن المسيب أنه قال : إذا كان المسلم مريضا فأمر المجوسي أن يذكر الله ويذبح فلا بأس ، وقال أبو ثور : وإن أمرة بذلك في الصحة فلا بأس .
المسألة الخامسة : قال الكثير من الفقهاء : إنما يحل نكاح الكتابية التي دانت بالتوراة والإنجيل قبل نزول القرآن ، قالوا : والدليل عليه قوله { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } فقوله { من قبلكم } يدل على أن من دان بالكتاب بعد نزول الفرقان خرج عن حكم الكتاب .
ثم قال تعالى : { إذا أتيتموهن أجورهن } وتقييد التحليل بإيتاء الأجور يدل على تأكد وجوبها وأن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقها كان في صورة الزاني ، وتسمية المهر بالأجر يدل على أن الصداق لا يتقدر ، كما أن أقل الأجر لا يتقدر في الإجارات .
ثم قال تعالى : { محصنين غير مسافحين ولا متخذى أخدان } قال الشعبي : الزنا ضربان : السفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان ، واتخاذ الخدن وهو الزنا في السر ، والله تعالى حرمهما في هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة الإحصان وهو التزوج .
ثم قال تعالى : { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أن المقصود منه الترغيب فيما تقدم من التكاليف والأحكام ، يعني ومن يكفر بشرائع الله وبتكاليفه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة ، والثاني : قال القفال : المعنى أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم في الدنيا فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلا أن ذلك لا يفرق بينهم وبين المشركين في أحوال الآخرة وفي الثواب والعقاب ، بل كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة البتة .
المسألة الثانية : قوله { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } فيه إشكال ، وهو أن الكفر إنما يعقل بالله ورسوله ، فأما الكفر بالإيمان فهو محال ، فلهذا السبب اختلف المفسرون على وجوه : الأول : قال ابن عباس ومجاهد { ومن يكفر بالإيمان } أي ومن يكفر بالله ، إنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى رب الإيمان ، ورب الشيء قد يسمى باسم ذلك الشيء على سبيل المجاز ، والثاني : قال الكلبي { ومن يكفر بالإيمان } أي بشهادة أن لا إله إلا الله ، فجعل كلمة التوحيد إيمانا ، فإن الإيمان بها لما كان واجبا كان الإيمان من لوازمها بحسب أمر الشرع ، وإطلاق اسم الشيء على لازمه مجاز مشهور ، والثالث : قال قتادة : إن ناسا من المسلمين قالوا : كيف نتزوج نساءهم مع كونهم على غير ديننا ! فأنزل الله تعالى هذه الآية أي ، ومن يكفر بما نزل في القرآن فهو كذا وكذا ، فسمى القرآن إيمانا لأنه هو المشتمل على بيان كل ما لابد منه في الإيمان .
المسألة الثالثة : القائلون بالإحباط قالوا : المراد بقوله { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } أي عقاب كفره يزيل ما كان حاصلا له من ثواب إيمانه ، والذين ينكرون القول بالإحباط قالوا : معناه أن عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان فقد هلك وضاع ؛ فإنه إنما يأتي بتلك الأعمال بعد الإيمان لاعتقاده أنها خير من الإيمان ، فإذا لم يكن الأمر كذلك بل كان ضائعا باطلا كانت تلك الأعمال باطلة في أنفسها ، فهذا هو المراد من قوله { فقد حبط عمله } .
المسألة الرابعة : قوله تعالى : { وهو في الآخرة من الخاسرين } مشروط بشرط غير مذكور في الآية ، وهو أن يموت على ذلك الكفر ؛ إذ لو تاب عن الكفر لم يكن في الآخرة من الخاسرين ، والدليل على أنه لابد من هذا الشرط قوله تعالى : { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر } الآية .
{ اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } إعادة هذا الحكم للتأكيد والتوطئة لما بعده ، وسبب ذكر اليوم يعلم مما ذكر أمس .
وقال النيسابوري : فائدة الإعاذة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره ، والأول أولى . { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } أي حلال ، والمراد بالموصول اليهود والنصارى حتى نصارى العرب عندنا ، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه استثنى نصارى بني تغلب ، وقال : ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر ، وإلى ذلك ذهب ابن جبير ، وحكاه الربيع عن الشافعي رضي الله تعالى عنه ؛ والمراد بطعامهم ما يتناول ذبائحهم وغيرها من الأطعمة كما روي عن ابن عباس . وأبي الدرداء . وإبراهيم . وقتادة . والسدى . والضحاك . ومجاهد رضوان الله عليهم أجمعين وبه قال الجبائي . والبلخي . وغيرهم .
/ وفي «البخاري » عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد به الذبائح لأن غيرها لم يختلف في حله ، وعليه أكثر المفسرين ، وقيل : إنه مختص بالحبوب وما لا يحتاج فيه إلى التذكية وهو المروي عند الإمامية عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ، وبه قال جماعة من الزيدية ، فلا تحل ذبائحهم عند هؤلاء ، وحكم الصابئين حكم أهل الكتاب عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ، وقال صاحباه : الصابئة صنفان : صنف يقرأون الزبور ويعبدون الملائكة ، وصنف لا يقرأون كتاباً ويعبدون النجوم ، فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب ، وأما المجوس فقد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لما روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي من طريق الحسن بن محمد بن علي قال : «كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم قبل ومن أصر ضربت عليه الجزية غير ناكحي نسائهم » وهو وإن كان مرسلاً وفي إسناده قيس بن الربيع وهو ضيعف إلا أن إجماع أكثر المسلمين كما قال البيهقي عليه يؤكده ، واختلف العلماء في حل ذبيحة اليهودي والنصراني إذا ذكر عليها اسم غير الله تعالى كعزير وعيسى عليهما السلام فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : لا تحل وهو قول ربيعة ، وذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تحل وهو قول الشعبي . وعطاء قالا : فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون . وقال الحسن : إذا ذبح اليهودي والنصراني فذكر اسم غير الله تعالى وأنت تسمع يفلا تأكل ، فإذا غاب عنك فكل فقد أحل الله تعالى لك .
{ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } قال الزجاج وكثير من المتأخرين : إن هذا خطاب للمؤمنين ، والمعنى لا جناح عليكم أيها المؤمنون أن تطعموا أهل الكتاب من طعامكم ، فلا تصلح الآية دليلاً لمن يرى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لأن التحليل حكم ، وقد علقه سبحانه بهم فيها كما علق الحكم بالمؤمنين ، واعترض على ظاهره بأنه إنما يتأتى لو كان الإطعام بدل الطعام ، فإن زعموا أن الطعام يقوم مقام الإطعام توسعاً ورد الفصل بين المصدر وصلته بخبر المبتدأ ، وهو ممتنع فقد صرحوا بأنه لا يجوز إطعام زيد حسن للمساكين وضربك شديد زيداً فكيف جاز { وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } ؟ وعن بعضهم فإن قيل : ما الحكمة في هذه الجملة وهم كفار لا يحتاجون إلى بياننا ؟ أجيب بأن المعنى انظروا إلى ما أحل لكم في شريعتكم فإن أطعموكموه فكلوه ولا تنظروا إلى ما كان محرماً عليهم ، فإن لحوم الإبل ونحوها كانت محرمة عليهم ، ثم نسخ ذلك في شريعتنا ، فالآية بيان لنا لا لهم أي اعلموا أن ما كان محرماً عليهم مما هو حلال لكم قد أحل لكم أيضاً ولذلك لو أطعمونا خنزيراً أو نحوه وقالوا : هو حلال في شريعتنا ، وقد أباح الله تعالى لكم طعامنا كذبناهم وقلنا : إن الطعام الذي يحل لكم هو الذي يحل لنا لا غيره ، فحاصل المعنى طعامهم حل لكم إذا كان الطعام الذي أحللته لكم ، وهذا التفسير معنى قول السدي وغيره فافهمه فقد أشكل على بعض المعاصرين .
{ والمحصنات مِنَ المؤمنات } عطف على { الطيبات } . أو مبتدأ والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه أي حل لكم أيضاً ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من المحصنات ، أو من الضمير فيها على ما قاله أبو البقاء ، والمراد بهن عند الحسن والشعبي وإبراهيم : العفائف ، وعند مجاهد : الحرائر ، واختاره أبو علي ، وعند جماعة العفائف والحرائر ، وتخصيصهن بالذكر للبعث على ما هو أولى لا لنفي ما عداهن ، فإن نكاح الإماء المسلمات بشرطه صحيح بالاتفاق ، وكذا نكاح غير العفائف منهن ، وأما الإماء الكتابيات فهن كالمسلمات عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه .
{ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } وإن كن حربيات كما هو الظاهر ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لا يجوز نكاح الحربيات ، وخص الآية بالذميات ، واحتج له بقوله تعالى : { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ } [ المجادلة : 22 ] والنكاح مقتض للمودة لقوله تعالى : { خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا لتسكنوا إليها وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } [ الروم : 21 ] قال الجصاص : وهذا عندنا إنما يدل على الكراهة ، وأصحابنا يكرهون مناكحة أهل الحرب ، وذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز عقد نكاح الدوام على الكتابيات لقوله تعالى : { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ } [ البقرة : 221 ] ولقوله سبحانه : { وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر } [ الممتحنة : 10 ] وأولوا هذه الآية بأن المراد من المحصنات من الذين أوتوا الكتاب اللاتي أسلمن منهن ، والمراد من المحصنات من المؤمنات اللاتي كن في الأصل مؤمنات ، وذلك أن قوماً كانوا يتحرجون من العقد على من أسلمت عن كفر فبين الله تعالى أنه لا حرج في ذلك ، وإلى تفسير المحصنات بمن أسلمن ذهب ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أيضاً ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر ويأباه النظم ، ولذلك زعم بعضهم أن المراد هو الظاهر إلا أن الحل مخصوص بنكاح المتعة وملك اليمين ، ووطؤهن حلال بكلا الوجهين عند الشيعة ، وأنت تعلم أن هذا أدهى وأمر ، ولذلك هرب بعضهم إلى دعوى أن الآية منسوخة باآيتين المتقدمتين آنفاً احتجاجاً بما رواه الجارود عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه في ذلك ، ولا يصح ذلك من طريق أهل السنة ، نعم أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات وحرم كل ذات دين غير الإسلام » .
أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن جابر بن عبد الله «أنه سئل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية فقال : تزوجناهن زمن الفتح ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيراً فلما رجعنا طلقناهن . وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه سئل أيتزوج الرجل المرأة من أهل الكتاب ؟ فقال : ما له ولأهل الكتاب وقد أكثر الله تعالى المسلمات فإن كان لا بد فاعلاً فليعمد إليها حصاناً غير مسافحة ، قال الرجل : وما المسافحة ؟ قال : هي التي إذا لمح الرجل إليها بعينه اتبعته » .
{ إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي مهورهن وهي عوض الاستمتاع بهن كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره وتقييد الحل بإيتائها لتأكيد وجوبها لا للاحتراز ، ويجوز أن يراد بالإيتاء التعهد والالتزام مجازاً ، ولعله أقرب من الأول ، وإن كان المآل واحداً ، و { إِذَا } ظرف لحل المحذوف ، ويحتمل أن تكون شرطية حذف جوابها أي إذا آتيتموهن أجورهن حللن لكم . { مُّحْصِنِينَ } أي أعفاء بالنكاح وهو منصوب على الحال من فاعل { ءاتَيْتُمُوهُنَّ } وكذا قوله تعالى : { غَيْرَ مسافحين } ، وقيل : هو حال من ضمير { مُّحْصِنِينَ } ، وقيل : صفة لمحصنين أي غير مجاهرين بالزنا ، { وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } أي ولا مسرين به ، والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى ، وقيل : الأول : نهى عن الزنا ، والثاني : نهى عن مخالطتهنّ ، و { مُتَّخِذِى } يحتمل أن يكون مجروراً عطفاً على { مسافحين } وزيدت لا لتأكيد النفي المستفاد من { غَيْرِ } ، ويحتمل أن يكون منصوباً عطفاً على { غَيْرَ مسافحين } باعتبار أوجهه الثلاثة .
{ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان } أي من ينكر المؤمن به ، وهو شرائع الإسلام التي من جملتها ما بين هنا من الأحكام المتعلقة بالحل والحرمة ، ويمتنع عن قبولها { فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } أي الذي عمله واعتقد أنه قربة له إلى الله تعالى .
{ وَهُوَ فِى الاخرة مِنَ الخاسرين } أي الهالكين ، والآية تذييل لقوله تعالى : { اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } الخ تعظيماً لشأن ما أحله الله تعالى وما حرمه ، وتغليظاً على من خالف ذلك ، فحمل الإيمان على المعنى المصدري وتقدير مضاف كما قيل أي بموجب الإيمان وهو الله تعالى ليس بشيء ، وإن أشعر به كلام مجاهد ، وضمير الرافع مبتدأ ، و { مّنَ الخاسرين } خبره ، و { فِى } متعلقة بما تعلق به الخبر من الكون المطلق ، وقيل : بمحذوف دل عليه المذكور أي خاسرين في الآخرة ، وقيل : بالخاسرين على أن أل معرفة لا موصولة لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها ، وقيل : يغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره كما في قوله :
ربيته( {[263]} ) حتى إذا ما تمعددا *** كان جزائي بالعصا أن أجلدا
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } وهو مقام الفرق والجمع { وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } فلا عليكم أن تطعموهم منه بأن تضموا لأهل الفرق جمعاً ، ولأهل الجمع فرقاً { والمحصنات مِنَ المؤمنات } وهي النفوس المهذبة الكاملة { والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } أي حقوقهن من الكمال اللائق بهن وألحقتموهن بالمحصنات من المؤمنات { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } بل قاصدين تكميلهن واستيلاء الآثار النافعة منهن لا مجرد الصحبة وإفاضة ماء المعارف من غير ثمرة { وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان } بأن ينكر الشرائع والحقائق ويمتنع من قبولها { فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } بإنكاره الشرائع { وَهُوَ فِى الآخرة مِنَ الخاسرين } [ المائدة : 5 ] بإنكاره الحقائق ، والظاهر عدم التوزيع ، والله تعالى أعلم بمراده ، وهو الموفق للصواب .