الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (5)

{ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } يعني الذبائح { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ } يعني ذبائح اليهود والنصارى ، ومن دخل في دينهم من سائر الأمم قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم حلال لكم ، فمن دخل في دينهم بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم فلا تحل ذبيحته ، فأما إذا سمّى أحدهم غير اللّه عند الذبح مثل قول النصارى : باسم المسيح ، اختلفوا فيه .

فقال ربيعة : سمعت ابن عمر يقول : لا تأكلوا ذبائح النصارى ، فإنهم يقولون : باسم المسيح ، فإنهم لا يستطيعون أن تهدوهم وقد ظلموا أنفسهم ، دليله قوله { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } [ الأنعام : 121 ] .

والقول الثاني : إنّه يجوّز ذبيحتهم ، الكتابي ، وإن سمّي غير اللّه فإن هذا مستثنى من قوله تعالى { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } وهي إنما نزلت في ذبائح المشركين وما كانوا يذبحونها لأصنامهم ، وعلى هذا أكثر العلماء .

قال الشعبي وعطاء : في النصراني يذبح فيقول : باسم المسيح قالا : يحلّ . فإنّ اللّه عز وجل قد أحل ذبائحهم وهو أعلم بما يقولون .

وسأل الزهري ومكحول عن ذبائح عبدة أهل الكتاب ، [ والمربيات ] لكنائسهم وما ذبح لها فقالا : هي حلال ، وقرأ هذه الآية .

وقال الحسن والحرث العكلي : ما كنت أسأله عن ذبحه فإنه أحل اللّه لنا طعامه ، فإذا ذبح اليهودي والنصراني فذكر غير اسم اللّه وأنت تسمع فلا تأكله ، فإذا غاب عنك فكل ، فقد أحل اللّه لك [ ما في ] القرآن ، فذبح اليهود والنصارى ونحرهم مكروه .

قال علي ( رضي الله عنه ) : " لا يذبح ضحاياكم اليهود ولا النصارى ولا يذبح نسكك إلاّ مسلم " .

قوله عز وجل { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها ، فقال قوم : عنى بالإحصان في هذه الآية الحرية وأجازوا نكاح كل حرّة ، مؤمنة كانت أو كتابية فاجرة كانت أو عفيفة وحرّموا إماء أهل الكتاب أن يتزوجهن المسلم بحال ، وهذا قول مجاهد وأكثر الفقهاء ، والدليل عليه قوله :

{ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } [ النساء : 25 ] الآية ، فشرط في نكاح الإماء الإيمان .

وقال آخرون : إنما عنى اللّه تعالى بالمحصنات في هذه الآية العفائف من الفريقين إماءً كنّ أو حرائر ، فأجازوا نكاح إماء أهل الكتاب بهذه الآية ، وحرّموا البغايا من المؤمنات والكتابيات ، وهذا قول أبي ميسرة والسّدي .

وقال الشعبي : إحصان اليهودية والنصرانية أن تغتسل من الجنابة ، وتحصن فرجها .

وقال الحسن : إذا رأى الرجل من امرأته فاحشة فاستيقن فإنه لا يمسكها ، ثم اختلفوا في الآية أهي عامة أم خاصة . فقال بعضهم : هي عامة في جميع الكتابيات حربيّة كانت أو ذميّة ، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن .

وقال بعضهم : هي الذميّات ، فإما الحربيات فإنّ نساءهم حرام على المسلمين ، وهو قول ابن عباس .

السدّي عن الحكم عن مقسم عنه قال : من نساء أهل الكتاب من تحلّ لنا ومنهم من لا تحل لنا ، ثم قرأ :

{ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ . . . }

إلى قوله

{ صَاغِرُونَ } [ التوبة :29 ] . فمن أعطى الجزية حلّ لنا نساؤه ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه .

قال الحكم : فذكرت ذلك لإبراهيم فأعجبه ، وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات ، ويفسر هذه الآية بقوله :

{ وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } [ البقرة : 221 ] يقول : لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى .

وروى المبارك عن سليمان بن المغيرة قال : سأل رجل الحسن : أيتزوّج الرجل المرأة من أهل الكتاب ؟ قال : ماله ولأهل الكتاب وقد أكثر الله المسلمات : فإن كان لا بدّ فاعلا فليعمد إليها حصاناً غير مسافحة . قال الرجل : وما المسافحة ، قال : هي التي إذا ألمح الرجل إليها بعينه أتبعته { وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } .

قال قتادة : ذكر لنا ان رجالاً قالوا لما نزل قوله { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } : كيف نتزوّج نساء لسن على ديننا ؟ فأنزل اللّه هذه الآية .

وقال مقاتل ابن حيّان : نزلت فيما أحصن المسلمون من نساء أهل الكتاب ، يقول : ليس إحصان المسلمين إيّاهنّ بالذي يخرجهنّ من الكفر يعني عنهن في دينهن [ . . . ] وجعلهن ممن كفر بالإيمان ، فقد حبط عمله وهو بعد للناس عامّة ، { وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } يعني من أهل النّار .

وقال ابن عباس : ومن يكفر باللّه قال الحسن بن الفضل : إن صحت هذه الرواية كان فمعناه برب الإيمان وقيل : بالمؤمنين به .

قال الكلبي : ومن يكفر بالإيمان أي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .

قال الثعلبي رحمه اللّه : وسمعت أبا القاسم الجهني قال : سمعت أبا الهيثم السنجري يقول : الباء صلة كقوله تعالى :

{ يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ } [ الإنسان : 6 ]

{ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ } [ المؤمنون : 20 ] والمعنى ومن يكفر بالإيمان أي يجحده فقد حبط عمله .

وقرأ الحسن بفتح الباء ، قرأ ابن السميع : فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين .