مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (8)

أما قوله تعالى : { نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين } ففيه أبحاث :

البحث الأول : { أن } أن هي المفسرة لأن النداء فيه معنى القول ، والمعنى قيل له { بورك } .

البحث الثاني : اختلفوا فيمن في النار على وجوه . أحدها : { أن بورك } بمعنى تبارك و{ النار } بمعنى النور والمعنى تبارك من في النور ، وذلك هو الله سبحانه { ومن حولها } يعني الملائكة وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وإن كنا نقطع بأن هذه الرواية موضوعة مختلفة . وثانيها : { من في النار } هو نور الله ، ومن حولها الملائكة ، وهو مروي عن قتادة والزجاج . وثالثها : أن الله تعالى ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة فكانت الشجرة محلا للكلام ، والله هو المكلم له بأن فعله فيه دون الشجرة . ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها ملائكة فلذلك قال : { بورك من في النار ومن حولها } وهو قول الجبائي . ورابعها : { من في النار } هو موسى عليه السلام لقربه منها { ومن حولها } يعني الملائكة ، وهذا أقرب لأن القريب من الشيء قد يقال إنه فيه . وخامسها : قول صاحب الكشاف : { بورك من في النار } أي من في مكان النار ومن حول مكانها هي البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة ، في قوله تعالى : { من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة } ويدل عليه قراءة أبي تباركت الأرض ومن حولها وعنه أيضا بوركت النار .

البحث الثالث : السبب الذي لأجله بوركت البقعة ، وبورك من فيها وحواليها : حدوث هذا الأمر العظيم فيها وهو تكليم الله موسى عليه السلام وجعله رسولا وإظهار المعجزات عليه ولهذا جعل الله أرض الشام موسومة بالبركات في قوله : { ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } وحقت أن تكون كذلك فهي مبعث الأنبياء صلوات الله عليهم ، ومهبط الوحي وكفاتهم أحياء وأمواتا .

البحث الرابع : أنه سبحانه جعل هذا القول مقدمة لمناجاة موسى عليه السلام فقوله : { بورك من في النار ومن حولها } يدل على أنه قد قضى أمر عظيم تنتشر البركة منه في أرض الشام كلها . وقوله : { وسبحان الله رب العالمين } فيه فائدتان : إحداهما : أنه سبحانه نزه نفسه عما لا يليق به في ذاته وحكمته ليكون ذلك مقدمة في صحة رسالة موسى عليه السلام . الثانية : أن يكون ذلك إيذانا بأن ذلك الأمر مريده ومكونه رب العالمين تنبيها على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الوقائع .

 
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (8)

{ فلما جاءها نودي أن بورك } أي { بورك } فإن النداء فيه معنى القول ، أو ب { أن بورك } على أنها مصدرية أو مخففة من الثقيلة ، والتخفيف وإن اقتضى التعويض بلا أو قد أو السين أو سوف لكنه دعاء وهو يخالف غيره في أحكام كثيرة . { من في النار ومن حولها } { من } في مكان { النار } وهو البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى : { نودي من شاطىء الواد الأيمن في البقعة المباركة } ومن حول مكانها والظاهر أنه عام في كل من في تلك الأرض ، وفي ذلك الواد وحواليها من أرض الشام الموسومة بالبركات لكونها مبعث الأنبياء وكفاتهم أحياء وأمواتا وخصوصا تلك البقعة التي كلم الله فيها موسى . وقيل المراد موسى والملائكة الحاضرون ، وتصدير الخطاب بذلك بشارة بأنه قد قضى له أمر عظيم تنتشر بركته في أقطار الشام . { وسبحان الله رب العالمين } من تمام ما نودي به لئلا يتوهم من سماع كلامه تشبيها وللتعجيب من عظمة ذلك الأمر ، أو تعجب من موسى لما دهاه من عظمته .