مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (30)

قوله تعالى { هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ردوا إلى الله الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون }

واعلم أن هذه الآية كالتتمة لما قبلها . وقوله : { هنالك } معناه : في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو يكون المراد في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان ، وفي قوله : { تبلوا } مباحث :

البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي { تتلوا } بتاءين ، وقرأ عاصم { نبلو كل نفس } بالنون ونصب كل والباقون { تبلوا } بالتاء والباء . أما قراءة حمزة والكسائي فلها وجهان : الأول : أن يكون معنى قوله : { تتلوا } أي تتبع ما أسلفت ، لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة وإلى طريق النار . الثاني : أن يكون المعنى : أن كل نفس تقرأ ما في صحيفتها من خير أو شر ومنه قوله تعالى : { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } وقال : { فأولئك يقرءون كتابهم } وأما قراءة عاصم فمعناها : أن الله تعالى يقول في ذلك الوقت نختبر كل نفس بسبب اختبار ما أسلفت من العمل ، والمعنى : أنا نعرف حالها بمعرفة حال عملها ، إن كان حسنا فهي سعيدة ، وإن كان قبيحا فهي شقية ، والمعنى نفعل بها فعل المختبر ، كقوله تعالى : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } وأما القراءة المشهورة فمعناها : أن كل نفس نختبر أعمالها في ذلك الوقت .

البحث الثاني : الابتلاء عبارة عن الاختبار قال تعالى : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } ويقال : البلاء ثم الابتلاء أي الاختبار ينبغي أن يكون قبل الابتلاء .

ولقائل أن يقول : إن في ذلك الوقت تنكشف نتائج الأعمال وتظهر آثار الأفعال ، فكيف يجوز تسمية حدوث العلم بالابتلاء ؟

وجوابه : أن الابتلاء سبب لحدوث العلم ، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور .

وأما قوله : { وردوا إلى الله مولاهم الحق } فاعلم أن الرد عبارة عن صرف الشيء إلى الموضع الذي جاء منه ، وههنا فيه احتمالات : الأول : أن يكون المراد من قوله : { وردوا إلى الله } أي وردوا إلى حيث لا حكم إلا لله على ما تقدم من نظائره . والثاني : أن يكون المراد { وردوا } إلى ما يظهر لهم من الله من ثواب وعقاب ، منبها بذلك على أن حكم الله بالثواب والعقاب لا يتغير . الثالث : أن يكون المراد من قوله : { وردوا إلى الله } أي جعلوا ملجئين إلى الإقرار بإلهيته ، بعد أن كانوا في الدنيا يعبدون غير الله تعالى ، ولذلك قال : { مولاهم الحق } أعني أعرضوا عن المولى الباطل ورجعوا إلى المولى الحق .

وأما قوله : { مولاهم الحق } فقد مر تفسيره في سورة الأنعام .

وأما قوله : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } فالمراد أنهم كانوا يدعون فيما يعبدونه أنهم شفعاء وأن عبادتهم مقربة إلى الله تعالى ، فنبه تعالى على أن ذلك يزول في الآخرة ، ويعلمون أن ذلك باطل وافتراء واختلاق .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (30)

شرح الكلمات :

{ هنالك } : أي ثَمَّ .

{ تبلوا كل نفس } : أي تَختبر .

{ ما أسلفت } : أي ما قدمت .

{ وضل عنهم ما كانوا يفترون } : أي غاب عنهم ما كانوا يكذبون .

المعنى :

/د28

قال تعالى : { هنالك } أي في ذلك الموقف الرهيب { تبلو كل نفس ما أسلفت } أي تَختبر ما قدمت في دنياها وتعرفه هل هو ضارٌ بها أو نافع لها { وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون } هكذا يجدون أنفسهم أمام مولاهم ومالك أمرهم ومعبودهم الحق والذي طالما كفروا به وتنكروا له وجحدوا آياته ورسله وضل أي غاب عنهم ما كانوا يفترونه من الأكاذيب والترهات والأباطيل من تلك الأصنام التي سموها آلهة وعبدوها وندموا يوم لا ينفع الندم وجزاهم بما لم يكونوا يحتسبون .

الهداية

من الهداية :

- في عرصات القيامة تعلم كل نفس ما أحضرت ، وما قدمت وأخرت وتبلو ما أسلفت فتعرف وأنى لها أن تنتفع بما تعرف ؟ .