مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا} (57)

ثم قال تعالى : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة } وفيه قولان : الأول : قال الفراء قوله : { يدعون } فعل الآدميين العابدين . وقوله : { يبتغون } فعل المعبودين ومعناه أولئك المعبودين يبتغون إلى ربهم الوسيلة ، فإنه لا نزاع أن الملائكة يرجعون إلى الله في طلب المنافع ودفع المضار ويرجون رحمته ويخافون عذابه وإذا كان كذلك كانوا موصوفين بالعجز والحاجة ، والله تعالى أغنى الأغنياء فكان الاشتغال بعبادته أولى .

فإن قالوا : لا نسلم أن الملائكة محتاجون إلى رحمة الله وخائفون من عذابه ، فنقول : هؤلاء الملائكة إما أن يقال : إنها واجبة الوجود لذواتها ، أو يقال : ممكنة الوجود لذواتها ، والأول باطل لأن جميع الكفار كانوا معترفين بأن الملائكة عباد الله ومحتاجون إليه ، وأما الثاني فهو يوجب القول بكون الملائكة محتاجين في ذواتها وفي كمالاتها إلى الله تعالى ، فكان الاشتغال بعبادة الله أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة .

والقول الثاني : أن قوله : { أولئك الذين يدعون } هم الأنبياء الذين ذكرهم الله تعالى بقوله : { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } وتعلق هذا الكلام بما سبق هو أن الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء لا يعبدون إلا الله تعالى ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه ، فأنتم بالاقتداء بهم حق فلا تعبدوا غير الله تعالى . واحتج القائلون بهذا القول على صحته بأن قالوا : الملائكة لا يعصون الله فلا يخافون عذابه ، فثبت أن هذا غير لائق بالملائكة وإنما هو لائق بالأنبياء .

قلنا : الملائكة يخافون عذاب الله لو أقدموا على الذنب ، والدليل عليه قوله تعالى : { ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم } .

أما قوله : { إن عذاب ربك كان محذورا } فالمراد أن من حقه أن يحذر ، فإن لم يحذره بعض الناس لجهله فهو لا يخرج من كونه بحيث يجب الحذر عنه .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا} (57)

شرح الكلمات :

{ يدعون } : أي ينادونهم طالبين منهم أو متوسلين بهم .

{ يبتغون إلى ربهم الوسلية } : أي يطلبون القرب منه باالطاعات وأنواع القربات .

{ كان محذوراً } : أي يحذره المؤمنون ويحترسون منه بترك معاصي الله تعالى .

المعنى :

وقوله تعالى : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته } { ويخافون عذابه } . يخبرهم تعالى بأن أولئك الذين يعبدونهم من الجن أو الملائكة أو الأنبياء أو الصالحين هم أنفسهم يدعون ربهم ويتوسلون للحصول على رضاه . بشتى أنواع الطاعات والقربات فالذي يَعْبُدُ لا يُعْبَد ، والذي يتقرب إلى الله بالطاعات لا يتقرب إليه وإنما يتقرب إلى من هو يتقرب إليه ليحظى بالمنزلة عنده ، وقوله { يرجون رحمته ويخافون عذابه } ، أي أن أولئك الذين يدعوهم الجهال من الناس ويطلبون منهم قضاء حاجاتهم هم أنفسهم يطلبون الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه . لأن عذابه تعالى كان وما زال يحذره العقلاء ، لأنه شديد لا يطاق . فكيف يُدعى ويُرجى ويُخاف من هو يَدعو ويَرجو ويَخاف لو كان المشركون يعقلون .

الهداية :

- بيان حقيقة عقلية وهي أن الأولياء والاستغاثة بهم والتوسل إليهم بالذبح والنذر هو أمر باطل ومضحك في نفس الوقت ، إذ الأولياء كانوا قبل موتهم يطلبون الوسيلة إلى ربهم بأنواع الطاعات والقربات ومن كان يَعْبُدْ لا يُعْبَدْ . ومن كان يقترب إليه ، ومن كان يتوسل لا يتوسل إليه بل يعبد الذي كان يعبد ويتوسل إلى الذي كان يتوسل إليه ويتقرب إلى الذي كان يتقرب إليه ، وهو الله سبحانه وتعالى .