مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا} (53)

ثم قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه } .

لما ذكر الله تعالى في النداء الثالث { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا } بيانا لحاله مع أمته العامة قال للمؤمنين في هذا النداء لا تدخلوا إرشادا لهم وبيانا لحالهم مع النبي عليه السلام من الاحترام ثم إن حال الأمة مع النبي على وجهين أحدهما : في حال الخلوة والواجب هناك عدم إزعاجه وبين ذلك بقوله : { لا تدخلوا بيوت النبي } وثانيهما : في الملأ والواجب هناك إظهار التعظيم كما قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } وقوله : { إلى طعام غير ناظرين إناه } أي لا تدخلوا بيوت النبي إلى طعام إلا أن يؤذن لكم .

ثم قال تعالى : { ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيى من الحق وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما } .

لما بين من حال النبي أنه داع إلى الله بقوله : { وداعيا إلى الله } قال ههنا لا تدخلوا إلا إذا دعيتم يعني كما أنكم ما دخلتم الدين إلا بدعائه فكذلك لا تدخلوا عليه إلا بعد دعائه وقوله : { غير ناظرين } منصوب على الحال . والعامل فيه على ما قاله الزمخشري لا تدخلوا قال وتقديره ولا تدخلوا بيوت النبي إلا مأذونين غير ناظرين ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { إلا أن يؤذن لكم إلى طعام } إما أن يكون فيه تقديم وتأخير تقديره ولا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم ، فلا يكون منعا من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن ، وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير فيكون معناه ولا تدخلوا إلا أن يؤذن لكم إلى طعام فيكون الإذن مشروطا بكونه إلى الطعام فإن لم يؤذن لكم إلى طعام فلا يجوز الدخول فلو أذن لواحد في الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام لا يجوز ، نقول المراد هو الثاني ليعم النهي عن الدخول ، وأما قوله فلا يجوز إلا بالإذن الذي إلى طعام ، نقول : قال الزمخشري الخطاب مع قوم كانوا يجيئون حين الطعام ويدخلون من غير إذن فمنعوا من الدخول في وقته بغير إذن ، والأولى أن يقال المراد هو الثاني لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل وقوله : { إلى طعام } من باب التخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه ، لا سيما إذا علم أن غيره مثله فإن من جاز دخول بيته بإذنه إلى طعامه جاز دخوله إلى غير طعامه بإذنه ، فإن غير الطعام ممكن وجوده مع الطعام ، فإن من الجائز أن يتكلم معه وقتما يدعوه إلى طعام ويستقضيه في حوائجه ويعلمه مما عنده من العلوم مع زيادة الإطعام ، فإذا رضي بالكل فرضاه بالبعض أقرب إلى الفعل فيصير من باب

{ فلا تقل لهما أف } وقوله : { غير ناظرين } يعني أنتم لا تنتظروا وقت الطعام فإنه ربما لا يتهيأ .

المسألة الثانية : قوله تعالى : { ولكن إذا دعيتم فادخلوا } فيه لطيفة وهي أن العادة إذا قيل لمن كان يعتاد دخول دار من غير إذن لا تدخلها إلا بإذن يتأذى وينقطع بحيث لا يدخلها أصلا لا بالدعاء ولا بالدعاء ، فقال لا تفعلوا مثل ما يفعله المستنكفون بل كونوا طائعين سامعين إذا قيل لكم لا تدخلوا لا تدخلوا وإذا قيل لكم ادخلوا فادخلوا ، وإناه قيل وقته وقيل استواؤه وقوله : { إلا أن يؤذن } يفيد الجواز وقوله : { ولكن إذا دعيتم فادخلوا } يفيد الوجود فقوله : { ولكن إذا دعيتم } ليس تأكيدا بل هو يفيد فائدة جديدة .

المسألة الثالثة : لا يشترط في الإذن التصريح به ، بل إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قال : { إلا أن يؤذن } من غير بيان فاعل ، فالآذن إن كان الله أو النبي أو العقل المؤيد بالدليل جاز والنقل دال عليه حيث قال تعالى : { أو صديقكم } وحد الصداقة لما ذكرنا ، فلو جاء أبو بكر وعلم أن لا مانع في بيت عائشة من بيوت النبي عليه السلام من تكشف أو حضور غير محرم عندها أو علم خلو الدار من الأهل أو هي محتاجة إلى إطفاء حريق فيها أو غير ذلك ، جاز الدخول .

المسألة الرابعة : قوله : { فإذا طعمتم فانتشروا } كأن بعض الصحابة أطال المكث يوم وليمة النبي عليه السلام في عرس زينب ، والنبي عليه السلام لم يقل له شيئا ، فوردت الآية جامعة لآداب ، منها المنع من إطالة المكث في بيوت الناس ، وفي معنى البيت موضع مباح اختاره شخص لعبادته أو اشتغاله بشغل فيأتيه أحد ويطيل المكث عنده ، وقوله : { ولا مستأنسين لحديث } قال الزمخشري هو عطف على { غير ناظرين } مجرور ، ويحتمل أن يكون منصوبا عطفا على المعنى ، فإن معنى قوله تعالى : { لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم } لا تدخلوها هاجمين ، فعطف عليه { ولا مستأنسين } ثم إن الله تعالى بين كون ذلك أدبا وكون النبي حليما بقوله : { إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق } إشارة إلى أن ذلك حق وأدب ، وقوله كان إشارة إلى تحمل النبي عليه السلام ، ثم ذكر الله أدبا آخر وهو قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي } لما منع الله الناس من دخول بيوت النبي عليه السلام ، وكان في ذلك تعذر الوصول إلى الماعون ، بين أن ذلك غير ممنوع منه فليسأل وليطلب من وراء حجاب ، وقوله { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } يعني العين روزنة القلب ، فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب . أما إن رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي ، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر ، وعدم الفتنة حينئذ أظهر ، ثم إن الله تعالى لما علم المؤمنين الأدب أكده بما يحملهم على محافظته ، فقال : { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } وكل ما منعتم عنه مؤذ فامتنعوا عنه ، وقوله تعالى : { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } قيل سبب نزوله أن بعض الناس قيل هو طلحة بن عبيد الله ، قال لئن عشت بعد محمد لأنكحن عائشة ، وقد ذكرنا أن اللفظ العام لا يغير معناه سبب النزول ، فإن المراد أن إيذاء الرسول حرام ، والتعرض لنسائه في حياته إيذاء فلا يجوز ، ثم قال لا بل ذلك غير جائز مطلقا ، ثم أكد بقوله : { إن ذلكم كان عند الله عظيما } أي إيذاء الرسول .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا} (53)

شرح الكلمات :

{ يا أيها الذين آمنوا } : أي يا من صدقوا بالله وعده ووعيده وبالرسول وما جاء به .

{ إلا أن يؤذن لكم } : أي في الدخول بأن يدعوكم إلى طعام .

{ غير ناظرين إناه } : أي غير منتظرين وقت نضجه أي فلا تدخلوا قبل وقت إحضار الطعام وتقدم المدعوين إليه بأن يستغل أحدكم الإذن بالدعوة للطعام فيأتي قبل الوقت ويجلس في البيت فيضايق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله .

{ فإذا طعمتم فانتشروا } : أي إذا أكلتم الطعام وفرغتم فانتشروا عائدين إلي بيوتكم أو أعمالكم ولا يبق منكم أحد .

{ ولا مستأنسين لحديث } : أي ولا تمكثوا مستأنسين لحديث بعضكم بعضاً .

{ إن ذلكم كان يؤذي النبي } : أي ذلكم المكث في بيوت النبي كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم .

{ فيستحي منكم } : أي أن يخرجكم .

{ والله لا يستحي من الحق } : أن يقوله ويأمر به ولذا أمركم أن تخرجوا .

{ من وراء حجاب } : أي ستر كباب ورداء ونحوه .

{ أطهر لقلوبكم وقلوبهن } : أي من الخواطر الفاسدة .

{ إن ذلكم كان عند الله عظيما } : أي إن أذاكم لرسول الله كان عند الله ذنباً عظيما .

المعنى :

لما بين تعالى لرسوله ما ينبغي له مراعاته من شأن أزواجه أمهات المؤمنين بين تعالى بهذه الآية ( 53 ) ما يجب على المؤمنين مراعاته أيضا نحو أزواج النبي أمهاتهم فقال { يا أيها الذين آمنوا } حقا وصدقا { لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم } بالدخول غلى طعام تطعمونه غير ناظرين إناه أي وقته ، وذلك أن هذه الآية والمعروفة بآية الحجاب نزلت في شأن نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أكلوا طعام الوليمة التي أقامها رسول الله لما زوجّه الله بزينب بنت جحش رضي الله عنها ، وكان الحجاب ما فرض بعد على النساء مكثوا بعد انصراف الناس يتحدثون فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أمامهم لعلهم يخرجون فما خرجوا وتردد رسول الله على البيت فيدخل ويخرج رجاء أن يخرجوا معه فلم يخرجوا واستحى صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هيا فاخرجوا . فأنزل الله تعالى هذه الآية فقوله تعالى غير ناظرين إناه يعني ذلك النفر ومن يريد أن يفعل فعلهم فإذا وجه إليه أخوه استدعاء لحضور وليمة بعد الظهر مثلاً أتى إلى المنزل من قبل الظهر يضايق أهل المنزل فهذا معنى غير ناظرين إناه أي وقته لأن الإِنى هو الوقت .

وقوله ولكن إذا دعيتم فادخلوا أي فلا تدخلوا بدون دعوة أو إذن فإذا طعمتم أي فرغتم من الأكل فانصرفوا منتشرين في الأرض فهذا إلى بيته وهذا إلى بيت ربه وهذا إلى عمله . وقوله : { ولا مستأنسين لحديث } أي ولا تمكثوا بعد الطعام يحدث بعضكم بعضاً مستأنسين بالحديث . حرم تعالى هذا عليكم أيها المؤمنون لأنه يؤذى رسوله . وان كان الرسول لكمال أخلاقه لا يأمركم بالخروج حياءً منكم فالله لا يستحي من الحق فلذا أمركم بالخروج بعد الطعام مراعاة لمقام رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى : { وإذا سألتموهن متاعاً } أي طلبتم شيئاً من الأمتعة التي توجد في البيت كإِناء ونحوه فاسألوهن من وراء حجاب أي باب وستر ونحوهما لا مواجهة لحرمة النظر إليهن . وقوله ذلكم أطهر لقلوبكم أنتم أيها الرجال وقلوبهن أيتها الأمهات أطهر أي من خواطر السوء الفاسدة التي لا يخلو منها قلب الإِنسان إذا خاطب فحل أنثى أو خاطبت امرأة فحلا من الرجال .

وقوله تعالى : { وما كان لكم } أي ما ينبغي ولا يصح أن تؤذوا رسول الله أي أذىً ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أي ولا أن تتزوجوا بعد وفاته نساءه فإنهن محرمات على الرجال تحريم الأُمهات تحريماً مؤبداً لا يحل بحال ، وقوله تعالى : { إن ذلكم } أي المذكور من أذى رسول الله والزواج من بعده بنسائه كان عند الله أي في حكمه وقضائه وشرعه ذنباً عظيماً لا يقادر قدره ولا يعرف مدى جزائه وعقوبته إلا الله .

هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 53 ) .

الهداية :

من الهداية :

- بيان ما ينبغي للمؤمنين أن يلتزموه من الآداب في الاستئذان والدخول على البيوت لحاجة الطعام ونحوه .

- بيان كمال الرسول صلى الله عليه وسلم في خلقه في أنه ليستحي أن يقول لضيفه أُخرج من البيت فقد انتهى الطعام .

- وصف الله تعالى نفسه بأنه لا يستحي من الحق أن يقوله ويأمر به عباده .

- مشروعية مخاطبة الأجنبية من وراء حجاب ستر ونحوه .

- حرمة أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها جريمة كبرى لا تعادل بأخرى .

- بيان أن الإِنسان لا يخلو من خواطر السوء إذا كلم المرأة ونظر إليها .

- حرمة نكاح أزواج الرسول بعد موته وحرمة الخاطر يخطر بذلك .