أما قوله تعالى : { ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله } فالمعنى شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من عهد إبراهيم عليه السلام إلى من بعده ضربا من القربان وجعل العلة في ذلك أن يذكروا اسم الله تقدست أسماؤه على المناسك ، وما كانت العرب تذبحه للصنم يسمى العتر والعتيرة كالذبح والذبيحة ، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما منسكا بكسر السين وقرأ الباقون بالفتح وهو مصدر بمعنى النسك والمكسور بمعنى الموضع .
أما قوله تعالى : { فإلهكم إله واحد } ففي كيفية النظم وجهان : أحدهما : أن الإله واحد وإنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح الثاني : { فإلهكم إله واحد } فلا تذكروا على ذبائحكم غير اسم الله { فله أسلموا } أي اخلصوا له الذكر خاصة بحيث لا يشوبه إشراك البتة ، والمراد الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه ، ومن انقاد له كان مخبتا فلذلك قال بعده { وبشر المخبتين } والمخبت المتواضع الخاشع . قال أبو مسلم : حقيقة المخبت من صار في خبت من الأرض ، يقال أخبت الرجل إذا صار في الخبت كما يقال أنجد وأشأم وأتهم ، والخبت هو المطمئن من الأرض . وللمفسرين فيه عبارات أحدها : المخبتين المتواضعين عن ابن عباس وقتادة وثانيها : المجتهدين في العبادة عن الكلبي وثالثها : المخلصين عن مقاتل ورابعها : المطمئنين إلى ذكر الله تعالى والصالحين عن مجاهد وخامسها : هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا عن عمرو بن أوس .
34- ليست هذه الفرائض التي تتعلق بالحج خاصة بكم ، فقد جعلنا لكل جماعة مؤمنة قرابين يتقرَّبون بها إلى الله ، ويذكرون اسمه ويعظِّمونه عند ذبحها شكراً له على ما أنعم عليهم ، ويسره لهم من بهائم الإبل والبقر والغنم ، والله الذي شرع لكم ولهم إله واحد ، فأسْلِمُوا له - وحده - أمركم وأخلصوا له عملكم ، ولا تشركوا معه أحداً ، وَبَشِّر - أيها النبي - بالجنة والثواب الجزيل المخلصين لله من عباده .
هذه الذبائح يذكر القرآن الكريم أنها شعيرة معروفة في شتى الأمم ؛ إنما يوجهها الإسلام وجهتها الصحيحة حين يتوجه بها إلى الله وحده دون سواه :
( ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام . فإلهكم إله واحد . فله أسلموا وبشر المخبتين ، الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، والصابرين على ما أصابهم ، والمقيمي الصلاة ، ومما رزقناهم ينفقون ) . .
والإسلام يوحد المشاعر والاتجاهات ، ويتوجه بها كلها إلى الله . ومن ثم يعنى بتوجيه الشعور والعمل ، والنشاط والعبادة ، والحركة والعادة ؛ إلى تلك الوجهة الواحدة . وبذلك تصطبغ الحياة كلها بصبغة العقيدة .
وعلى هذا الأساس حرم من الذبائح ما أهل لغير الله به ؛ وحتم ذكر اسم الله عليها ، حتى ليجعل ذكر اسم الله هو الغرض البارز ، وكأنما تذبح الذبيحة بقصد ذكر اسم الله . ( ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) . .
ويعقب بتقرير الوحدانية : ( فإلهكم إله واحد ) . . وبالأمر بالإسلام له وحده : ( فله أسلموا ) . . وليس هو إسلام الإجبار والاضطرار ، إنما هو إسلام التسليم والاطمئنان : ( وبشر المخبتين .
{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ( 34 ) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( 35 ) } .
34 - وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .
الأمة : الجماعة على مذهب واحد .
المنسك : بكسر السين وفتحها ، والنسك في الأصل العبادة مطلقا ، وشاع استعماله في أعمال الحج ، والمراد به هنا : الذبح وإراقة الدماء على وجه التقرب إليه تعالى .
المخبتين : المطيعين الخاشعين المتواضعين .
أي : لكل أمة من الأمم من عهد إبراهيم إلى الآن ؛ ولكل دين من الأديان السابقة ، جعلنا لأهله ذبحا يذبحونه تقربا إلى الله تعالى ، وذلك ليس خاصا بأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؛ وإنما هو في كل الملل . والصحيح كما قال ابن العربي : أن المنسك ما يرجع إلى العبادة والتقرب ، أي : جعلنا لأهل كل ذي دين منسكا وسبيلا وطريقا في العبادة والتقرب إلى الله تعالى .
لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .
أي : شرعنا لهم سنة ذبح الأنعام ؛ لكي يذكروا اسم الله حين الشروع في ذبحها ؛ ويشكروه على نعمه التي أنعم بها عليهم ، وينبغي أن يكون الذبح خالصا لوجهه تعالى .
يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعا في جميع الملل .
روى الإمام أحمد وابن ماجة ، عن زيد بن أرقم قال : قلت : يا رسول الله ، ما هذه الأضاحي ؟ قال : ( سنة أبيكم إبراهيم ، قالوا : ما لنا منها ؟ قال : بكل شعرة حسنة )xxii .
وفي الصحيحين عن أنس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكبشين أملحين أقرنين ، فسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهماxxiii .
فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ .
فربكم أيها الناس ومعبودكم إله واحد في ذاته ، وفي ألوهيته ، فأخلصوا له العبادة واستسلموا لحكمه ، وانقادوا له في جميع ما كلفكم به .
{ 34 - 35 } { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ }
أي : ولكل أمة من الأمم السالفة جعلنا منسكا ، أي : فاستبقوا إلى الخيرات وتسارعوا إليها ، ولننظر أيكم أحسن عملا ، والحكمة في جعل الله لكل أمة منسكا ، لإقامة ذكره ، والالتفات لشكره ، ولهذا قال : { لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } وإن اختلفت أجناس الشرائع ، فكلها متفقة على هذا الأصل ، وهو ألوهية الله ، وإفراده بالعبودية ، وترك الشرك به ولهذا قال : { فَلَهُ أَسْلِمُوا } أي : انقادوا واستسلموا له لا لغيره ، فإن الإسلام له طريق إلى الوصول إلى دار السلام . { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } بخير الدنيا والآخرة ، والمخبت : الخاضع لربه ، المستسلم لأمره ، المتواضع لعباده .