قوله تعالى { ويوم نبعث ف كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين }
اعلم أن هذا نوع آخر من التهديدات المانعة للمكلفين عن المعاصي . واعلم أن الأمة عبارة عن القرن والجماعة .
إذا ثبت هذا فنقول : في الآية قولان : الأول : أن المراد أن كل نبي شاهد على أمته . والثاني : أن كل جمع وقرن يحصل في الدنيا فلا بد وأن يحصل فيهم واحد يكون شهيدا عليهم . أما الشهيد على الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الرسول بدليل قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } وثبت أيضا أنه لا بد في كل زمان بعد زمان الرسول من الشهيد . فحصل من هذا أن عصرا من الإعصار لا يخلو من شهيد على الناس وذلك الشهيد لا بد وأن يكون غير جائز الخطأ ، وإلا لافتقر إلى شهيد آخر ويمتد ذلك إلى غير النهاية وذلك باطل ، فثبت أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم وذلك يقتضي أن يكون إجماع الأمة حجة . قال أبو بكر الأصم : المراد بذلك الشهيد هو أنه تعالى ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى أنها تشهد عليه وهي : الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان . قال : والدليل عليه أنه قال في صفة الشهيد أنه من أنفسهم وهذه الأعضاء لا شك أنها من أنفسهم .
أجاب القاضي عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى قال : { شهيدا عليهم } أي على الأمة فيجب أن يكون غيرهم . الثاني : أنه قال : { من كل أمة } فوجب أن يكون ذلك الشهيد من الأمة وآحاد الأعضاء لا يصح وصفها بأنها من الأمة ، وأما حمل هؤلاء الشهداء على الأنبياء فبعيد ، وذلك لأن كونهم أنبياء مبعوثين إلى الخلق أمر معلوم بالضرورة فلا فائدة في حمل هذه الآية عليه .
ثم قال تعالى : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : وجه تعلق هذا الكلام بما قبله أنه تعالى لما قال : { وجئنا بك شهيدا على هؤلاء } بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فلا حجة لهم ولا معذرة .
المسألة الثانية : من الناس من قال : القرآن تبيان لكل شيء وذلك لأن العلوم إما دينية أو غير دينية ، أما العلوم التي ليست دينية فلا تعلق لها بهذه الآية ، لأن من المعلوم بالضرورة أن الله تعالى إنما مدح القرآن بكونه مشتملا على علوم الدين فأما ما لا يكون من علوم الدين فلا التفات إليه ، وأما علوم الدين فإما الأصول ، وإما الفروع ، أما علم الأصول فهو بتمامه موجود في القرآن وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد على سبيل التفصيل في هذا الكتاب ، وذلك يدل على أنه لا تكليف من الله تعالى إلا ما ورد في هذا القرآن ، وإذا كان كذلك كان القول بالقياس باطلا ، وكان القرآن وافيا ببيان كل الأحكام ، وأما الفقهاء فإنهم قالوا : القرآن إنما كان تبيانا لكل شيء ، لأنه يدل على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس حجة ، فإذا ثبت حكم من الأحكام بأحد هذه الأصول كان ذلك الحكم ثابتا بالقرآن ، وهذه المسألة قد سبق ذكرها بالاستقصاء في سورة الأعراف ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : روى الواحدي بإسناده عن الزجاج أنه قال : تبيانا في معنى اسم البيان ومثل التبيان التلقاء ، وروى ثعلب عن الكوفيين ، والمبرد عن البصريين أنهم قالوا : لم يأت من المصادر على تفعال إلا حرفان تبيانا وتلقاء ، وإذا تركت هذين اللفظين استوى لك القياس فقلت : في كل مصدر تفعال بفتح التاء مثل تسيار وتذكار وتكرار ، وقلت : في كل اسم تفعال بكسر التاء مثل تقصار وتمثال .
89- وحذر - أيها النبي - كفار قومك مما سيحصل يوم نُحضر من كل أمة شهيداً عليها ، هو نبيها الذي يكون بين أبنائها ، ليكون ذلك أقطع لعذرها ، ونجيء بك - أيها النبي - شهيداً على هؤلاء الذين كذبوك ، وعليهم أن يعتبروا من الآن ، قد نزلنا القرآن فيه بيان كل شيء من الحق ، وفيه الهداية ، وفيه الرحمة والبشرى بالنعيم ، للذين يذعنون له ويؤمنون به .
شهيدا على هؤلاء : المراد بهؤلاء : أمته ، الحاضر منهم بعد عصر التنزيل ، ومن بعدهم إلى يوم القيامة .
تبيانا : بيانا لأمور الدين ، إما نصا فيها ، أو ببيان الرسول واستنباط العلماء المجتهدين في كل عصر .
{ ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } .
تستعرض الآيات موقف المشركين يوم القيامة ، وزيادة العذاب ومضاعفته لهم ، ويستكمل المشهد بمجيء النبيين والشهداء ، أي : الصالحين من أتباع الأنبياء ؛ ليشهدوا للمؤمنين بالإيمان والاستجابة للدعوة له وليشهدوا على الكافرين بالكفر والتكذيب ، ثم يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم شهيدا على أمته ، وعلى أهل مكة ، وغيرهم ممن بلغتهم الدعوة ، ومنزلة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة معروفة ، فقد آتاه الله الشفاعة والمقام المحمود الذي يحمده عليه جميع الخلائق ، ويرى بعض المفسرين : أن شهادة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم تكون للأنبياء والأمم كلها ، لكن السياق يرجع أن شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لمن أرسل إليهم سابقا أو لاحقا ، وقريب من ذلك ما روي عن عبد الله بن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : ( اقرأ علي القرآن ) ، قلت : يا رسول الله ، أقرؤه عليك وعليك أنزل ؟ ! قال : ( نعم ، إني أحب أن أسمعه من غيري ) ، فقرأت صدرا من سورة النساء فلما وصلت إلى قوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا }( النساء : 41 ) .
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( حسبك ) ، قال ابن مسعود : فالتفتت فإذا عيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان55 .
{ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } . أي : نزلنا عليك القرآن مشتملا على أصول العقائد ، وبيان الحلال والحرام ، وبيان ألوان الهداية والرحمة ، وبشارة المسلمين بالجزاء الأوفى .
والسنة المطهرة مشتملة على بيان القرآن وتوضيحه وتفسيره .
قال تعالى : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } ( النحل : 44 ) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني أوتيت الكتاب ومثله معه )56 .
ويلحق ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم ، بيان الصحابة والتابعين ، قال صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، عضّوا عليها بالنواجذ )57 .
كما أوضح القرآن : وجوب اجتهاد من استكمل شروط الاجتهاد ، وبذل الجهد في استنباط الأحكام ، قال تعالى : { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم . . . }( النساء : 83 ) .
وأوضح : أن إجماع المسلمين على أمر يجب إتباعه وعدم مخالفته ، وبذلك أصبح الإجماع من أصول التشريع .
قال تعالى : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى . . . }( النساء : 115 ) .
وأرشد القرآن إلى استخدام القياس بقوله تعالى : { فاعتبروا يا أولي الأبصار } ( الحشر : 2 ) .
والاعتبار هو النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس ، وهو حمل النظير على النظير ، وقياس أمر لا حكم له ، على أمر معروف الحكم ؛ لاشتراكهما في العلة ، وبهذه الطرق فتح الإسلام أبواب الاجتهاد والاستنباط ، أمام العلماء المختصين ، وأرشد الناس إلى إتباع العلماء في اجتهادهم .
قال تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }( النحل : 43 ) .
كما حث القرآن على استخدام العقل والفكر والرأي ، وأوجب على المسلمين أن تكون منهم أمة من أهل الاختصاص والنظر ، تتابع أمور المسلمين ، وتجتهد في شئونهم ، ومعرفة أحكام ما يستجد من أمور وأحداث ، قال تعالى : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ( التوبة : 122 ) .
وبهذا فتح القرآن ينابيع الفكر والفقه والرأي ، ووضع أصول الاجتهاد ، وبين قواعد التشريع ، التي تعتمد على القرآن والسنة والاجتهاد والإجماع والقياس ، وسيظل القرآن الكريم كلي الشريعة وأصل أصولها فهو بحق تبيان وبيان وإرشاد لكل شيء ؛ لأنه حث على اتباع السنة ، وبين أصول الاجتهاد والاستنباط ، واشتمل القرآن على بيان الرحمة والتيسير ، والبشارة بالجنة للمؤمنين الطائعين ، وبالنار للمكذبين وأرشد إلى الفضائل ، ونهى عن الرذائل .
{ 89 } { وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ }
لما ذكر فيما تقدم أنه يبعث { فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } ، ذكر ذلك أيضا هنا ، وخص منهم هذا الرسول الكريم فقال : { وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ } ، أي : على أمتك تشهد عليهم بالخير والشر ، وهذا من كمال عدل الله تعالى ، أن كل رسول يشهد على أمته ؛ لأنه أعظم اطلاعا من غيره على أعمال أمته ، وأعدل وأشفق من أن يشهد عليهم إلا بما يستحقون . وهذا كقوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } . وقال تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ } . وقوله : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } ، في أصول الدين وفروعه ، وفي أحكام الدارين وكل ما يحتاج إليه العباد ، فهو مبين فيه أتم تبيين بألفاظ واضحة ومعان جلية ، حتى إنه تعالى يثني فيه الأمور الكبار التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل وقت ، وإعادتها في كل ساعة ، ويعيدها ويبديها بألفاظ مختلفة وأدلة متنوعة لتستقر في القلوب فتثمر من الخير والبر بحسب ثبوتها في القلب ، وحتى إنه تعالى يجمع في اللفظ القليل الواضح معاني كثيرة يكون اللفظ لها كالقاعدة والأساس ، واعتبر هذا بالآية التي بعد هذه الآية وما فيها من أنواع الأوامر والنواهي التي لا تحصى ، فلما كان هذا القرآن تبيانا لكل شيء صار حجة الله على العباد كلهم . فانقطعت به حجة الظالمين وانتفع به المسلمون ، فصار هدى لهم يهتدون به إلى أمر دينهم ودنياهم ، ورحمة ينالون به كل خير في الدنيا والآخرة . فالهدى ما نالوه به من علم نافع وعمل صالح .
والرحمة ما ترتب على ذلك من ثواب الدنيا والآخرة ، كصلاح القلب وبره وطمأنينته ، وتمام العقل الذي لا يتم إلا بتربيته على معانيه التي هي أجل المعاني وأعلاها ، والأعمال الكريمة والأخلاق الفاضلة ، والرزق الواسع والنصر على الأعداء بالقول والفعل ، ونيل رضا الله تعالى وكرامته العظيمة التي لا يعلم ما فيها من النعيم المقيم إلا الرب الرحيم .