البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ} (89)

وفي كل أمة فيها منها حذف في السابق من أنفسهم وأثبته هنا وحذف هناك في وأثبته هنا ، والمعنى في كليهما : أنه يبعث الله أنبياء الأمم فيهم منهم ، والخطاب في ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم ، والإشارة بهؤلاء إلى أمته .

وقال ابن عطية : ويجوز أن يبعث الله شهداء من الصالحين مع الرسل .

وقد قال بعض الصحابة : إذا رأيت أحداً على معصية فانهه ، فإنْ أطاعك وإلا كنت عليه شهيداً يوم القيامة انتهى .

وكان الشهيد من أنفسهم ، لأنه كان كذلك حين أرسل إليهم في الدنيا من أنفسهم .

وقال الأصم أبو بكر المراد الشهيد هو أنه تعالى ينطق عشرة من أجزاء الإنسان حتى تشهد عليه ، لأنه قال في صفة الشهيد من أنفسهم ، وهذا بعيد لمقابلته بقوله : وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ، فيقتضي المقابلة أنّ الشهداء على الأمم أنبياؤهم كرسول الله صلى الله عليه وسلم .

ونزلنا استئناف إخبار ، وليس داخلاً مع ما قبله لاختلاف الزمانين .

لما ذكر ما شرفه الله به من الشهادة على أمته ، ذكر ما أنزل عليه مما فيه بيان كل شيء من أمور الدين ، ليزيح بذلك علتهم فيما كلفوا ، فلا حجة لهم ولا معذرة .

والظاهر أنّ تبياناً مصدر جاء على تفعال ، وإن كان باب المصادر أن يجيء على تفعال بالفتح كالترداد والتطواف ، ونظير تبيان في كسر تائه تلقاء .

وقد جوّز الزجاج فتحه في غير القرآن .

وقال ابن عطية : تبياناً اسم وليس بمصدر ، وهو قول أكثر النحاة .

وروى ثعلب عن الكوفيين ، والمبرد عن البصريين : أنه مصدر ولم يجيء على تفعال من المصادر إلا ضربان : تبيان وتلقاء .

قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : كيف كان القرآن تبياناً لكل شيء ؟ ( قلت ) : المعنى أنه بين كل شيء من أمور الدين حيث كان نصاً على بعضها وإحالة على السنة ، حيث أمر فيه باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته .

وقيل : { وما ينطق عن الهوى } وحثاً على الإجماع في قوله { ويتبع غير سبيل المؤمنين } وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته اتباع أصحابه ، والاقتداء بآثارهم في قوله : « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » وقد اجتهدوا ، وقاسوا ، ووطئوا طرق القياس والاجتهاد ، فكانت السنة والإجماع والقياس والاجتهاد مستندة إلى تبيين الكتاب ، فمن ثم كان تبياناً لكل شيء .

وقوله : وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله : اهتديتم ، لم يقل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو حديث موضوع لا يصح بوجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن حزم في رسالته في إبطال الرأي ، والقياس ، والاستحسان ، والتعليل ، والتقليد ما نصه : وهذا خبر مكذوب موضوع باطل لم يصلح قط ، وذكر إسناده إلى البزار صاحب المسند قال : سألتم عما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مما في أيدي العامة ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إنما مثل أصحابي كمثل النجوم أو كالنجوم ، بأيها اقتدوا اهتدوا .

وهذا كلام لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، رواه عبد الرحيم بن زيد العمي ، عن أبيه ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم ، لأن أهل العلم سكتوا عن الرواية لحديثه .

والكلام أيضاً منكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت ، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يبيح الاختلاف بعده من أصحابه ، هذا نص كلام البزار .

قال ابن معين : عبد الرحيم بن زيد كذاب خبيث ليس بشيء .

وقال البخاري : هو متروك ، رواه أيضاً حمزة الجزري ، وحمزة هذا ساقط متروك .

ونصبوا تبياناً على الحال .

ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله .

وللمسلمين متعلق ببشرى ومن حيث المعنى هو متعلق بهدى ورحمة .