مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ} (6)

ثم قال تعالى : { وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم } قد ذكرنا أن الملأ عبارة عن القوم الذين إذا حضروا في المجلس فإنه تمتلئ القلوب والعيون من مهابتهم وعظمتهم ، قوله : { منهم } أي من قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب ، بعد ما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب العتيد قائلين بعضهم لبعض { أن امشوا واصبروا على آلهتكم } وفيه مباحث :

البحث الأول : القراءة المشهورة ( أن امشوا ) وقرأ ابن أبي عبلة امشوا بحذف أن ، قال صاحب : «الكشاف » ( أن ) بمعنى أي لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لابد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما يجري في المجلس المتقدم ، فكان انطلاقهم مضمنا معنى القول ، وعن ابن عباس : وانطلق الملأ منهم يمشون .

البحث الثاني : معنى أن امشوا أنه قال بعضهم لبعض امشوا واصبروا ، فلا حيلة لكم في دفع أمر محمد ، إن هذا لشيء يراد ، وفيه ثلاثة أوجه أحدها : ظهور دين محمد صلى الله عليه وسلم ليس له سبب ظاهر يثبت أن تزايد ظهوره ، ليس إلا لأن الله يريده ، وما أراد الله كونه فلا دافع له وثانيها : أن الأمر كشيء من نوائب الدهر فلا انفكاك لنا منه وثالثها : أن دينكم لشيء يراد أي يطلب ليؤخذ منكم ، قال القفال هذه كلمة تذكر للتهديد والتخويف وكأن معناها أنه ليس غرض محمد من هذا القول تقرير الدين ، وإنما غرضه أن يستولى علينا فيحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ} (6)

الملأ : أشراف القوم .

وانطلق أشراف القوم منهم قائلين : سيروا على طريقتكم واثبتوا على عبادة آلهتكم ، إن هذا إلاَّ أمرٌ عظيم يراد بكم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ} (6)

{ وانطلق الملأ مِنْهُمْ } أي وانطلق الأشراف من قريش من مجلس أبي طالب بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاهدوا تصلبه في الدين ويئسوا مما كانوا يرجونه منه عليه الصلاة والسلام بواسطة عمه وكان منهم أبو جهل . والعاص بن وائل . والأسود بن المطلب بن عبد يغوث . وعقبة بن أبي معيط .

/ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مجلز قال : قال رجل يوم بدر ما هم إلا النساء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل هم الملأ وتلا { وانطلق الملا مِنْهُمْ } { أَنِ امشوا } الظاهر أنه أمر بالمشي بمعنى نقل الأقدام عن ذلك المجلس ، و { أن } مفسرة فقيل في الكلام محذوف وقع حالاً من الملأ أي انطلق الملأ يتحاورون والتفسير لذلك المحذوف وهو متضمن معنى القول دون لفظه ، وقيل لا حاجة إلى اعتبار الحذف فإن الانطلاق عن مجلس التقاول يستلزم عادة تفاوض المنطلقين وتحاورهم بما جرى فيه وتضمن المفسر لمعنى القول أعم من كونه بطريق الدلالة وغيرها كالمقارنة ومثل ذلك كاف فيه ، وقيل الانطلاق هنا الاندفاع في القول فهو متضمن لمعنى القول بطريق الدلالة وإطلاق الانطلاق على ذلك الظاهر أنه مجاز مشهور نزل منزلة الحقيقة ، وجوز أن يكون التجوز في الإسناد وأصله انطلقت ألسنتهم والمعنى شرعوا في التكلم بهذا القول ، وقال بعضهم : المراد بامشوا سيروا على طريقتكم وداوموا على سيرتكم ، وقيل هو من مشت المرأة إذا كثرت ولادتها ومنه الماشية وسميت بذلك لأنها من شأنها كثرة الولادة أو تفاؤلاً بذلك والمراد لازم معناه أي أكثروا واجتمعوا ، وقيل : هو دعاء بكثرة الماشية افتتحوا به كلامهم للتعظيم كما يقال أسلم أيها الأمير واختاروه من بين الأدعية لعظم شأن الماشية عندهم . وتعقب بأنه خطأ لأن فعله مزيد يقال أمشي إذا كثرت ماشيته فكان يلزم قطع همزته والقراءة بخلافه مع أن إرادة هذا المعنى هنا في غاية البعد ، وأياً ما كان فالبعض قال للبعض ذلك ، وقيل قال الأشراف لأتباعهم وعوامهم ، وقرئ { امشوا } بغير أن على إضمار القول دون إضمارها أي قائلين امشوا { وَاْصْبِرُواْ على ءالِهَتِكُمْ } أي أثبتوا على عبادتها متحملين لما تسمعونه في حقها من القدح .

وقرأ ابن مسعود { وانطلق الملأ مِنْهُمْ يَمْشُونَ أن اصبروا } فجملة { يَمْشُونَ } حالية أو مستأنفة والكلام في { أن اصبروا } كما في { أَنِ امشوا } سواء تعلق تعليق بانطلق أو بما يليه { إِنَّ هَذَا لَشَىْء يُرَادُ } تعليل للأمر بالصبر أو لوجوب الامتثال به ، والإشارة إلى ما وقع وشاهدوه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتصلبه في أمر التوحيد ونفي ألوهية آلهتهم أي إن هذا لشيء عظيم يراد من جهته صلى الله عليه وسلم إمضاؤه وتنفيذه لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه لا قول يقال من طرف اللسان أو أمر يرجى فيه المسامحة بشفاعة إنسان فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله إلى إراتكم واصبروا على عبادة آلهتكم ، وقيل : إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد بنا فلا حيلة إلا تجرع مرارة الصبر ، وقيل : إن هذا الذي يدعيه من أمر التوحيد أو يقصده من الرياسة والترفع على العرب والعجم لشيء يتمنى أو يرده كل أحد ولكن لا يكون لكل ما يتمنتاه أو يريده فاصبروا ، وقيل : أن هذا أي دينكم يطلب لينتزع منكم ويطرح أو يراد إبطاله ، وقيل : الإشارة إلى الصبر المفهوم من { اصبروا } أي أن الصبر لشيء مطلوب لأنه محمود العاقبة . وقال القفال : هذه كلمة تذكر للتهديد والتخويف ، والمعنى أنه ليس غرضه من هذا القول تقرير الدين وإنما غرضه أن يستولي علينا فيحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد فتأمل .