عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن هذه السورة مكية إلا قوله : { ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين } فإنها مدنية نزلت في اليهود .
قوله جل جلاله { الر } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وعاصم { الر } بفتح الراء على التفخيم ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويحيى عن أبي بكر : بكسر الراء على الإمالة . وروي عن نافع وابن عامر وحماد عن عاصم ، بين الفتح والكسر ، واعلم أن كلها لغات صحيحة . قال الواحدي : الأصل ترك الإمالة في هذه الكلمات نحو ما ولا ، لأن ألفاتها ليست منقلبة عن الياء ، وأما من أمال فلأن هذه الألفاظ أسماء للحروف المخصوصة ، فقصد بذكر الإمالة التنبيه على أنها أسماء لا حروف .
المسألة الثانية : اتفقوا على أن قوله { الر } وحده ليس آية ، واتفقوا على أن قوله { طه } [ طه : 1 ] وحده آية . والفرق أن قوله : { الر } لا يشاكل مقاطع الآية التي بعده بخلاف قوله : { طه } فإنه يشاكل مقاطع الآية التي بعده .
المسألة الثالثة : الكلام المستقصي في تفسير هذا النوع من الكلمات قد تقدم في أول سورة البقرة إلا أنا نذكر ههنا أيضا بعض ما قيل . قال ابن عباس { الر } معناه أنا الله أرى . وقيل أنا الرب لا رب غيري . وقيل { الر } و { حم } و { ن } اسم الرحمن .
قوله تعالى : { تلك آيات الكتاب الحكيم } فيه مسألتان :
المسألة الأولى : قوله : { تلك } يحتمل أن يكون إشارة إلى ما في هذه السورة من الآيات ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن ، وأيضا فالكتاب الحكيم يحتمل أن يكون المراد منه هو القرآن ، ويحتمل أن يكون المراد منه غير القرآن ، وهو الكتاب المخزون المكنون عند الله تعالى الذي منه نسخ كل كتاب ، كما قال تعالى : { إنه لقرءان كريم في كتاب مكنون } وقال تعالى : { بل هو قرءان مجيد في لوح محفوظ } وقال : { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلى حكيم } وقال : { يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب }
وإذا عرفت ما ذكرنا من الاحتمالات تحصل ههنا حينئذ وجوه أربعة من الاحتمالات :
الاحتمال الأول : أن يقال : المراد من لفظة { تلك } الإشارة إلى الآيات الموجودة في هذه السورة ، فكان التقدير تلك الآيات هي آيات الكتاب الحكيم الذي هو القرآن ، وذلك لأنه تعالى وعد رسوله عليه الصلاة والسلام أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء ، ولا يغيره كرور الدهر ، فالتقدير أن تلك الآيات الحاصلة في سورة { الر } هي آيات ذلك الكتاب المحكم الذي لا يمحوه الماء .
الاحتمال الثاني : أن يقال : المراد أن تلك الآيات الموجودة في هذه السورة هي آيات الكتاب المخزون المكنون عند الله .
واعلم أن على هذين القولين تكون الإشارة بقولنا : { تلك } إلى آيات هذه السورة وفيه إشكال ، وهو أن { تلك } يشار بها إلى الغائب ، وآيات هذه السورة حاضرة ، فكيف يحسن أن يشار إليه بلفظ { تلك } .
واعلم أن هذا السؤال قد سبق مع جوابه في تفسير قوله تعالى : { الم ذلك الكتاب }
الاحتمال الثالث والرابع : أن يقال : لفظ { تلك } إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن ، والمراد بها : هي آيات القرآن الحكيم ، والمراد أنها هي آيات ذلك الكتاب المكنون المخزون عند الله تعالى ، وفي الآية قولان آخران : أحدهما : أن يكون المراد من { الكتاب الحكيم } التوراة والإنجيل ، والتقدير : إن الآيات المذكورة في هذه السورة هي الآيات المذكورة في التوراة والإنجيل ، والمعنى : أن القصص المذكورة في هذه السورة موافقة للقصص المذكورة في التوراة والإنجيل ، مع أن محمدا عليه الصلاة والسلام ما كان عالما بالتوراة والإنجيل ، فحصول هذه الموافقة لا يمكن إلا إذا خص الله تعالى محمدا بإنزال الوحي عليه . والثاني : وهو قول أبي مسلم : أن قوله : { الر } إشارة إلى حروف التهجي ، فقوله : { الر تلك آيات الكتاب } يعني هذه الحروف هي الأشياء التي جعلت علامات لهذا الكتاب الذي آيات به وقع التحدي . فلولا امتياز هذا الكتاب عن كلام الناس بالوصف المعجز ، وإلا لكان اختصاصه بهذا النظم ، دون سائر الناس القادرين على التلفظ بهذه الحروف محالا .
المسألة الثانية : في وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه : الأول : أن الحكيم هو ذو الحكمة بمعنى اشتمال الكتاب على الحكمة . الثاني : أن يكون المراد وصف الكلام بصفة من تكلم به . قال الأعشى :
وغريبة تأتي الملوك حكيمة*** قد قلتها ليقال من ذا قالها
الثالث : قال الأكثرون { الحكيم } بمعنى الحاكم ، فعيل بمعنى فاعل دليله قوله تعالى : { وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس } فالقرآن كالحاكم في الاعتقادات لتميز حقها عن باطلها ، وفي الأفعال لتميز صوابها عن خطئها ، وكالحاكم على أن محمدا صادق في دعوى النبوة ، لأن المعجزة الكبرى لرسولنا عليه الصلاة والسلام ، ليست إلا القرآن الرابع : أن { الحكيم } بمعنى المحكم . والأحكام معناه المنع من الفساد ، فيكون المراد منه أنه لا يمحوه الماء ، ولا تحرقه النار ، ولا تغيره الدهور . أو المراد منه براءته عن الكذب والتناقض . الخامس : قال الحسن : وصف الكتاب بالحكيم ، لأنه تعالى حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه ، فعلى هذا { الحكيم } يكون معناه المحكوم فيه . السادس : أن { الحكيم } في أصل اللغة : عبارة عن الذي يفعل الحكمة والصواب ، فكان وصف القرآن به مجازا ، ووجه المجاز هو أنه يدل على الحكمة والصواب ، فمن حيث إنه يدل على هذه المعاني صار كأنه هو الحكيم في نفسه .
سورة يونس مكية ، عدد آياتها تسع ومائة ، نزلت بعد سورة الإسراء وقيل بعد سورة هود . وهي كسائر السور المكية تقرر تثبيت العقيدة وأصول الدين .
وقد ابتدأت بالإشارة إلى مكانة الكتاب الكريم ، وما يقوله المشركون في شأن النبي صلى الله عليه وسلم ، وموقفهم من حقيقة الوحي ، وكيف يتعجبون من أن الله أوحى إلى رجل منهم لينذر الناس . ثم تأتي إلى ذكر الكون وآيات الله تعالى فيه ، وأنه خلق هذا الكون العجيب في ست مراحل تتضمن أحقابا طويلة ، هي التي عبر عنها بقوله { في ستة أيام } . وقد تجلت قدرة الله في كل ركن من أركان العالم ، ومنها تسخير الشمس والقمر والنجوم لفائدة البشر ، وتعاقب الليل والنهار . ثم ذكرت السورة الجزاء يوم القيامة وسنة الله بالنسبة للكافرين ، والتنديد بهم في عقائدهم . ووصفت حال الناس في الضراء والسراء ، وضعف الإنسان وكيف يتصرف إذا مسه ضر ثم إذا كشف عنه . كما أوردت عجز المعبودات من الأوثان عن أي شيء ، وتحدت المشركين بقولهم إن هذا قرآن مفترى ، أن يأتوا بسورة مثله ، وليستعينوا بمن يشاءون . وفي السورة تهديد شديد بعذاب الله تعالى ، وذكر أحوال نفوس الناس ، ومراقبة الله لأعمالهم ، وأنه هو الإله الحق الذي يستحق العبادة ، وإليه مرجع الخلق جميعا .
ثم انتقل الحديث بعد ذلك إلى التسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لألمه من كفرهم ، مع قيام الحجة القاطعة عليهم ، وذلك بذكر قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم ، فجاءت قصة نوح ، وقصة موسى وهارون مع فرعون بشيء من التفصيل . كما جاءت إشارة قصيرة إلى قصة يونس ، التي أخذ منها اسم السورة . وهكذا نجد السورة مترابطة فنرى المطلع والختام على وتيرة واحدة .
{ الر ، تلك آيات الكتاب الحكيم ، أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشّر الذين آمنوا . . . } .
وفي الختام يتجه الخطاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام باتباع الوحي :
{ واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين } . فنجد الترابط في سياق السورة من مطلعها إلى ختامها ، مما يجعلها وحدة متكاملة تدور حول قضية الألوهية والعبودية وبيان حقيقتها ، ( وهذه هي قضية القرآن الكبرى ، والمكي منه بصفة خاصة ) وأن حياة البشر في الأرض لا تستقيم إلا إذا استقامت هذه الحقيقة في اعتقادهم وتصورهم ، وفي حياتهم وواقعهم .
لقد ذكر يونس عليه السلام باسمه في القرآن أربع مرات : " سورة النساء آية 163 ، والأنعام : آية 98 ، الصافات آية 139 ، وهنا في سورة يونس . وذكر بوصفه في سورة الأنبياء في قوله تعالى : { وذا النون إذ ذهب مغاضبا } ، وفي سورة القلم في قوله تعالى : { فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم } .
ولم يعلم عن نسبه في كتب الحديث أو التفسير شيء إلا أنه " يونس بن متى " ، وفي كتب أهل الكتاب أنه " يونان بن أمتاي " .
وفي معجم البلدان : " حلحول " ، قرية بين البيت المقدس وقبر إبراهيم الخليل وبها قبر يونس بن متى عليهما السلام ، وهي معروفة إلى الآن بهذا الاسم .
الر : هذه الحروف تقرأ ساكنةَ غير معربة هكذا «ألف . لام . را » ، وقد بدأ الله تعالى بها السورة لتنبيه السامع إلى ما يتلى عليه ، وفي ذلك إشارة إلى أن القرآن مكون من مثل هذه الحروف ، ومع ذلك عجزتم أيها المشركون عن أن تأتوا بمثله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.