مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الحديد

{ سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : التسبيح تبعيد الله تعالى من السوء ، وكذا التقديس من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد .

واعلم أن التسبيح عن السوء يدخل فيه تبعيد الذات عن السوء ، وتبعيد الصفات وتبعيد الأفعال ، وتبعيد الأسماء وتبعيد الأحكام ، أما في الذات : فأن لا تكون محلا للإمكان ، فإن السوء هو العدم وإمكانه ، ثم نفي الإمكان يستلزم نفي الكثرة ، ونفيها يستلزم نفي الجسمية والعرضية ، ونفي الضد والند وحصول الوحدة المطلقة . وأما في الصفات : فأن يكون منزها عن الجهل بأن يكون محيطا بكل المعلومات ، ويكون قادرا على كل المقدورات ، وتكون صفاته منزهة عن التغيرات . وأما في الأفعال : فأن تكون فاعليته موقوفة على مادة ومثال ، لأن كل مادة ومثال فهو فعله ، لما بينا أن كل ما عداه فهو ممكن ، وكل ممكن فهو فعله ، فلو افتقرت فاعليته إلى مادة ومثال ، لزم التسلسل ، وغير موقوفة على زمان ومكان ، لأن كل زمان فهو مركب من أجزاء منقضية ، فيكون ممكنا ، كل مكان فهو يعد ممكن مركب من أفراد الأحياز ، فيكون كل واحد منهما ممكنا ومحدثا ، فلو افتقرت فاعليته إلى زمان وإلى مكان ، لافتقرت فاعلية الزمان والمكان إلى زمان ومكان ، فيلزم التسلسل ، وغير موقوفة على جلب منفعة ، ولا دفع مضرة ، وإلا لكان مستكملا بغيره ناقصا في ذاته ، وذلك محال . وأما في الأسماء : فكما قال : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } . وأما في الأحكام : فهو أن كل ما شرعه فهو مصلحة وإحسان وخير ، وأن كونه فضلا وخيرا ليس على سبيل الوجوب عليه ، بل على سبيل الإحسان ، وبالجملة يجب أن يعلم من هذا الباب أن حكمه وتكليفه لازم لكل أحد ، وأنه ليس لأحد عليه حكم ولا تكليف ولا يجب لأحد عليه شيء أصلا ، فهذا هو ضبط معاقد التسبيح .

المسألة الثانية : جاء في بعض الفواتح { سبح } على لفظ الماضي ، وفي بعضها على لفظ المضارع ، وذلك إشارة إلى أن كون هذه الأشياء مسبحة غير مختص بوقت دون وقت ، بل هي كانت مسبحة أبدا في الماضي ، وتكون مسبحة أبدا في المستقبل ، وذلك لأن كونها مسبحة صفة لازمة لماهياتها ، فيستحيل انفكاك تلك الماهيات عن ذلك التسبيح ، وإنما قلنا : إن هذه المسبحية صفة لازمة لماهياتها ، لأن كل ما عدا الواجب ممكن ، وكل ممكن فهو مفتقر إلى الواجب ، وكون الواجب واجبا يقتضي تنزيهه عن كل سوء في الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء على ما بيناه ، فظهر أن هذه المسبحية كانت حاصلة في الماضي ، وتكون حاصلة في المستقبل ، والله أعلم .

المسألة الثالثة : هذا الفعل تارة عدي باللام كما في هذه السورة ، وأخرى بنفسه كما في قوله : { وتسبحوه بكرة وأصيلا } وأصله التعدي بنفسه ، لأن معنى سبحته أي بعدته عن السوء ، فاللام إما أن تكون مثل اللام في نصحته ونصحت له ، وإما أن يراد يسبح لله أحدث التسبيح لأجل الله وخالصا لوجهه .

المسألة الرابعة : زعم الزجاج أن المراد بهذا التسبيح ، التسبيح الذي هو القول ، واحتج عليه بوجهين ( الأول ) : أنه تعالى قال : { وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } فلو كان المراد من التسبيح ، هو دلالة آثار الصنع على الصانع لكانوا يفقهونه ( الثاني ) : أنه تعالى قال : { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن } فلو كان تسبيحا عبارة عن دلالة الصنع على الصانع لما كان في ذلك تخصيص لداود عليه السلام . واعلم أن هذا الكلام ضعيف [ لحجتين ] :

أما الأولى : فلأن دلالة هذه الأجسام على تنزيه ذات الله وصفاته وأفعاله من أدق الوجوه ، ولذلك فإن العقلاء اختلفوا فيها ، فقوله : { ولكن لا تفقهون } لعله إشارة إلى أقوام جهلوا بهذه الدلالة ، وأيضا فقوله : { لا تفقهون } إشارة إن لم يكن إشارة إلى جمع معين ، فهو خطاب مع الكل فكأنه قال : كل هؤلاء ما فقهوا ذلك ، وذلك لا ينافي أن يفقهه بعضهم .

وأما الحجة الثانية : فضعيفة ، لأن هناك من المحتمل أن الله خلق حياة في الجبل حتى نطق بالتسبيح . أما هذه الجمادات التي تعلم بالضرورة أنها جمادات يستحيل أن يقال : إنها تسبح الله على سبيل النطق بذلك التسبيح ، إذ لو جوزنا صدور الفعل المحكم عن الجمادات لما أمكننا أن نستدل بأفعال الله تعالى على كونه عالما حيا ، وذلك كفر ، بل الحق أن التسبيح الذي هو القول لا يصدر إلا من العاقل العارف بالله تعالى ، فينوي بذلك القول تنزيه ربه سبحانه ، ومثل ذلك لا يصح من الجمادات ، فإذا التسبيح العام الحاصل من العاقل والجماد لا بد وأن يكون مفسرا بأحد وجهين ( الأول ) : أنها تسبح بمعنى أنها تدل على تعظيمه وتنزيهه ( والثاني ) : أن الممكنات بأسرها منقادة له يتصرف فيها كيف يريد ليس له عن فعله وتكوينه مانع ولا دافع ، إذا عرفت هذه المقدمة ، فنقول : إن حملنا التسبيح المذكور في الآية على التسبيح بالقول ، كان المراد بقوله : { ما في السماوات } من في السماوات ومنهم حملة العرش : { فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون } ومنهم المقربون : { قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم } ومن سائر الملائكة : { قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا } وأما المسبحون الذين هم في الأرض فمنهم الأنبياء كما قال ذو النون : { لا إله إلا أنت سبحانك } وقال موسى : { سبحانك إني تبت إليك } والصحابة يسبحون كما قال : { سبحانك فقنا عذاب النار } وأما إن حملنا هذا التسبيح على التسبيح المعنوي : فأجزاء السماوات وذرات الأرض والجبال والرمال والبحار والشجر والدواب والجنة والنار والعرش والكرسي واللوح والقلم والنور والظلمة والذوات والصفات والأجسام والأعراض كلها مسبحة خاشعة خاضعة لجلال الله منقادة لتصرف الله كما قال عز من قائل : { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } وهذا التسبيح هو المراد بالسجود في قوله : { ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض } أما قوله : { وهو العزيز الحكيم } فالمعنى أنه القادر الذي لا ينازعه شيء ، فهو إشارة إلى كمال القدرة ، والحكيم إشارة إلى أنه العالم الذي لا يحتجب عن علمه شيء من الجزئيات والكليات أو أنه الذي يفعل أفعاله على وفق الحكمة والصواب ، ولما كان العلم بكونه قادرا متقدما على العلم بكونه عالما لا جرم قدم العزيز على الحكيم في الذكر .

واعلم أن قوله : { وهو العزيز الحكيم } يدل على أن العزيز ليس إلا هو لأن هذه الصيغة تفيد الحصر ، يقال : زيد هو العالم لا غيره ، فهذا يقتضي أنه لا إله إلا الواحد ، لأن غيره ليس بعزيز ولا حكيم ومالا يكون كذلك لا يكون إلها .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (1)

مقدمة السورة:

قوله جل ذكره : { بسم الله الرحمان الرحيم } .

سماع بسم الله الرحمان الرحيم شراب يسقي به الحق – سبحانه وتعالى – قلوب أحبائه ، فإذا شربوا طربوا ، وإذا طربوا انبسطوا ، ثم لشهود حقه تعرضوا ، وبنسيم قربه استأنسوا ، وعند الإحساس بهم غابوا . . فعقولهم تستغرق في لطفه ، وقلوبهم تستهلك في كشفه .

قوله جلّ ذكره : { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } .

التسبيحُ التقديسُ والتنزيه ، ويكون بمعنى سباحة الأسرار في بحار الإجلال ، فيظفرون بجواهر التوحيد ويَنْظِمونها في عقود الإيمان ، ويُرَصِّعونها في أطواق الوصلة :

وقله { مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } المرادُ به " من " في السماوات والأرض ، يسجدون لله طوعاً وكرهاً ؛ طوعاً تسبيحَ طاعةٍ وعبادة ، وكرهاً تسبيح علامة ودلالة .

وتُحْملُ " ما " على ظاهرها فيكون المعنى : ما من مخلوقٍ من عينٍ أو أَثَرِ إلا ويَدُلُّ على الصانع ، وعلى إثبات جلاله ، وعلى استحقاقه لنعوت كبريائه .

ويقال : يُسبح لله ما في السماوات والأرض ، كلٌّ واقفٌ على الباب بشاهدِ الطّلَبِ . . . ولكنه - سبحانه عزيزٌ .

ويقال : ما تَقَلّب أحدُ من جاحدٍ أو ساجدٍ إلا في قبضة العزيز الواحد ، فما يُصَرِّفهم إلا مَنْ خَلَقَهم ؛ فمِنْ مُطيعٍ أَلْبَسَه نطاق وفاقه - وذلك فَضْلُه ، ومِنْ عاصٍ رَبَطَه بمثقلة الخذلان - وذلك عَدْلُه .

{ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } : العزيز : المُعِزُّ لِمَنْ طَلَبَ الوصول ، بل العزيز : المتقدِّسُ عن كل وصول . . فما وَصَلَ مَنْ وَصَلَ إلا حظِّه ونصيبه وصفته على ما يليق به .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (1)

مقدمة السورة:

أهداف سورة الحديد

سورة الحديد مدنية وآياتها 29 آية ، نزلت بعد سورة الزلزلة

وهي سورة تعالج التقوى والصدق والإيمان ، وتحث على الصدقة والبذل ، والإخلاص في التضحية ، وتحذر من غرور الدنيا وفتنتها .

جاء في ظلال القرآن :

هذه السورة بجملتها دعوة للجماعة الإسلامية كي تحقق في ذاتها حقيقة إيمانها ، هذه الحقيقة التي تخلص بها النفوس لدعوة الله فلا تضن عليها بشيء ، ولا تحتجز دونها شيئا . . . لا الأرواح ولا الأموال ، ولا خلجات القلوب ، ولا ذوات الصدور . . . وهي الحقيقة التي تستحيل بها النفوس ربانية بينما تعيش على الأرض ، موازينها هي موازين الله ، والقيم التي تعتز بها وتسابق إليها هي القيم التي تثقل في هذه الموازين ، كما أنها هي الحقيقة التي تشعر القلوب بحقيقة الله ، فتخشع لذكره وترتجف وتفر من كل عائق وكل جاذب يعوقها عن الفرار إليه . 1 .

مطلع السورة

بدأت السورة ببيان قدرة الله العلي القدير ، فهو الخالق الرازق ، مالك الملك ذو الجلال والإكرام ، وهو سبحانه أول بلا ابتداء ، وآخر بلا انتهاء ، وظاهر في كل ما تراه العين من سماء وأرض وجبال وبحار ، وباطن فلا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، وهو خالق الكون كله ، وهو القائم على حفظه ، والمهيمن على جميع أمره ، والمطلع على خفايا النفوس ، والمحاسب على القليل والكثير ، والمجازي على الفتيل والقطمير .

ولما كان مدار السورة على تحقيق الإيمان في القلب ، وما ينبثق عن هذه الحقيقة من خشوع وتقوى ، ومن خلوص وتجرد ، ومن بذل وتضحية ، فقد سارت في إقرار هذه الحقيقة في النفوس على نسق مؤثر ، أشبه ما يكون بنسق السور المكية ، حافل بالمؤثرات ذات الإيقاع الآسر للقلب والحس والمشاعر .

" وكان مطلعها خاصة مجموعة إيقاعات بالغة التأثير ، تواجه القلب البشري بمجموعة من صفات الله سبحانه ، فيها تعريف به مع الإيحاء الآسر بالخلوص له ، نتيجة للشعور بحقيقة الألوهية المتفردة ، وسيطرتها المطلقة على الوجود ، ورجعة كل شيء إليها في نهاية المطاف ، مع نفاذ علمها إلى خبايا القلوب وذوات الصدور " 2 .

أدلة التوحيد

الآيات الأولى من السورة ( 1-6 ) يمكن أن تكون عناصر لأدلة التوحيد وصفات الله العلي القدير .

فكل شيء في الكون يتجه إليه بالعبادة ، ويعلن خضوعه وانقياده لقدرة الله : فالسماء مرفوعة ، والأرض مبسوطة ، والبحار جارية ، والهواء مسخر ، والشمس مسيرة ، والقمر باهر ، والكوكب زاهر ، وكل شيء في مداره يسير معلنا قدرة القدير ، مسبحا بلسان الحال ، مظهرا لله العبادة والخضوع .

{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } . ( الحديد : 1-3 ) .

والقلب يهتز عند قراءة هذه الآيات وما بعدها ، يهتز من جلال القدرة الإلهية المؤثرة ، المبدعة لكل شيء ، المحيطة بكل شيء ، المهيمنة على كل شيء ، العليمة بكل شيء .

يهتز إجلالا للخالق القادر العليم الخبير ، المطلع على خفايا الصدور ، يهتز القلب حين يجول في الوجود كله فلا يجد إلا الله ، ولا يرى إلا الله ، ولا يحس بغير الله ، ، ولا يعلم له مهربا من قدرته ، ولا مخبأ من علمه ، ولا مرجعا إلا إليه ، ولا متوجها إلا لوجهه الكريم .

تثبيت الإيمان

الآيات ( 7-11 ) دعوة إلى صدق الإيمان وتأكيده ، وحث على الإنفاق في سبيل الله . وظاهر من سياق السورة أنها كانت تعالج حالة في المجتمع المدني في فترة تمتد من العام الرابع الهجري إلى ما بعد فتح مكة ، فإلى جانب المهاجرين والأنصار ، الذين ضربوا أروع الأمثال في تحقيق الإيمان ، وفي البذل والتضحية بأرواحهم وأموالهم في إخلاص نادر وتجرد كامل ، إلى جانب هذه الفئة الممتازة الفذة كانت هناك في الجماعة الإسلامية فئة أخرى يصعب عليها البذل في سبيل الله ، وتشقّ عليها تكاليف العقيدة في النفس والمال ، وتزدهيها قيم الحياة الدنيا وزينتها ، فلا تستطيع الخلاص من دعوتها وإغرائها .

وهؤلاء بصفة خاصة نجد هذه الآيات تدعوهم إلى الإيمان وتحثهم عليه ، وتهتف بهم تلك الهتافات الموحية ، لتخلص أرواحهم من الإغراء ، والخلود إلى الأرض ، وترفعها إلى مستوى الإيمان الحق فيخاطبهم القرآن بقوله : { آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ * وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } . ( الحديد : 7-8 ) .

مشاهد الآخرة

تعرض الآيات ( 12-15 ) صورة وضيئة للمؤمنين والمؤمنات يوم القيامة :

{ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ . . . } ( الحديد : 12 ) .

والمشهد هنا جديد بين المشاهد القرآنية ، إنه مشهد عجيب : هؤلاء هم المؤمنون والمؤمنات نراهم ، ولكننا نرى بين أيديهم وبأيمانهم إشعاعا لطيفا هادئا ، ذلك نورهم يشع منهم ويفيض بين أيديهم ، فهذه الشخوص الإنسانية قد أشرقت وأضاءت ، وأشعت نورا يمتد منها فيُرى أمامها ويُرى عن يمينها ، إنه النور الذي أخرجها الله وبه من الظلمات ، والذي أشرق في أرواحها فعلت طينتها ، أو لعله نور الأعمال الصالحة التي عملتها في الدنيا ، ثم تبشرهم ملائكة الرحمن بجنات تجري من تحتها الأنهار ينعمون فيها بالخلود والفوز العظيم .

ولكن المشهد لا ينتهي عند هذا المنظر الطريف اللطيف . . إن هناك المنافقين والمنافقات في حيرة وضلال ، وفي مهانة وإهمال ، وهم يتعلقون بأذيال المؤمنين والمؤمنات ، ويقولون لهم : انظروا إلينا لنقتبس من نوركم ، فيجيب المؤمنون بأن النور هنا هو نور العمل الصالح الذي عمل في الدنيا ، فالدنيا عمل ولا حساب ، والآخرة حساب ولا عمل ، والجزاء الحق هنا من جنس العمل ، ولذلك يحال بين المؤمنين والكافرين ، ويذهب المؤمنون إلى الرحمة والرضوان ، ويذهب المنافقون إلى عذاب النار وبئس المصير .

القلوب الخاشعة

الربع الثاني من سورة الحديد يشتمل على الآيات ( 16-29 ) وفيها دعوة المؤمنين إلى أن تكون قلوبهم خاشعة قانتة ، تهتز لآيات الله وما نزل من الحق ، ويستجيب لنداء السماء ، وتؤثر الآخرة على الدنيا والباقية على الفانية .

ومضمون الآيات – كما ترى – امتداد لموضوع السورة الرئيسي : تحقيق حقيقة الإيمان في النفس حتى ينبثق عنها البذل الخالص في سبيل الله .

ويستهل الربع برنّة عتاب من الله سبحانه للمؤمنين الذين لم يصلوا إلى المرتبة السامية في الإيمان ، وتلويح لهم بما كان من أهل الكتاب قبلهم من قسوة في القلوب وفسق في الأعمال ، وتحذير من هذا المآل الذي انتهى إليه أهل الكتاب بطول الأمد عليهم ، مع إطماعهم في عون الله الذي يحيي القلوب كما يحيي الأرض بعد موتها ، قال تعالى : { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ . . . } ( الحديد : 16 ) .

وتتبع هذه الدعوة إلى الخشوع والتقوى ، دعوة تالية إلى إقراض الله قرضا حسنا ، مع بيان ما أعده الله لمن يقرضونه في الدنيا من العوض المضاعف والأجر الكريم . ( انظر الآيتين : 18-19 ) .

والآية ( 20 ) رسم رائع ، وميزان عادل يضع قيم الدنيا كلها في كفة ، وقيم الآخرة في كفة . . . حيث تبدو قيم الأرض لعبا خفيفة الوزن ، وترجح كفة الآخرة ويبدو فيها الجد الذي يستحق الاهتمام .

ومن ثم تهتف الآية ( 21 ) بهم ليسابقوا على قيم الأخرى . . في جنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للمتقين .

والآيتان ( 22 ، 23 ) درس مفيد في الإيمان بالقضاء والقدر ، وبيان أن الأجل بيد الله الذي خلق النفوس وكتب أجلها ورزقها ، حتى لا نكثر الأسى على ما فاتنا ، ولا نكثر الفرح بما جاءنا فالقلب الموصول بالله ثابت في المحن ، راض في المنح .

وتعرض الآيات ( 25-27 ) طرفا من تاريخ دعوة الله في الأرض ، تبدو فيه وحدة المنهج واستقامة الطريق ، وأن الذي يحيد عنه في كل عهد هم الفاسقون .

وفي الآية قبل الأخيرة من السورة هتاف ودعوة للمؤمنين لتقوى الله ، وصدق الإيمان برسوله ، وبذلك يعطيهم الله نصيبين من رحمته ، ويجعل لهم نورا يمشون به ويغفر لهم ، ففضل الله ليس وقفا على أهل الكتاب كما يزعمون ، إنما هو بيد الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .

وهكذا تبدو السورة من أولها إلى آخرها مترابطة الحلقات ، في خط واحد ثابت ، تتوالى إيقاعاتها على القلوب ، منوعة ومتشابهة ، فيها من التكرار القدر اللازم لتعميق أثر الإيقاع في القلب وطرقه وهو ساخن ، وتلوين هذه المؤثرات أمام المخاطبين .

لعلهم يتقون أو يُحدث لهم ذِكرا . ( طه : 113 ) .

" وبعد . . فهذه السورة نموذج من النماذج القرآنية الواضحة في خطاب القلوب البشرية ، واستجاشتها بأسلوب عميق التأثير ، وهي في بدئها وسياقها وختامها ، وفي طريقة تناولها للموضوع وسيرها فيه جولة بعد جولة هي في هذا درس بديع للدعاة يعلمهم كيف يخاطبون الناس ، وكيف يوقظون الفطرة ، وكيف يستحيون القلوب " 3

قال الفيروزبادي :

معظم مقصود السورة : الإشارة إلى تسبيح جملة المخلوقين والمخلوقات ، في الأرض والسماوات ، وتنزيه الحق في الذات والصفات ، وأمر المؤمنين بإنفاق النفقات والصدقات ، وذكر حيرة المنافقين والمنافقات في ساحة القيامة ، وبيان خسة الدنيا وعز الجنات ، وتسلية الخلق عند هجوم النكبات والمصيبات " 4

في قوله تعالى :

{ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } . ( الحديد : 22-23 ) .

دلائل القدرة الإلهية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 1 ) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 2 ) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 3 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 4 ) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 5 ) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 6 ) }

1

المفردات :

سبّح : نزّه الله ومجدّه وقدّسه .

العزيز : القوي الغالب على كل شيء .

الحكيم : الذي يفعل أفعاله وفق الحكمة والصواب .

التفسير :

1- { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .

نزّه الله ومجّده وعظّمه ما في السماوات من الملائكة والأبراج والأفلاك ، والسحاب والشمس والقمر ، والفضاء والهواء ، وما في الأرض من النبات والأنهار والبحار والأشجار ، والرمال والإنسان ، والحيوان ، والطيور والوحوش ، والزواحف والهوام ، وهو العزيز الغالب الذي لا يغلبه أحد ، الحكيم في تصرفاته وأفعاله .

والتسبيح يكون بلسان المقال مثل تسبيح الإنسان والجانّ والملائكة وسائر العقلاء .

وقد يكون التسبيح بلسان الحال ، بمعنى أن دلالة المخلوقات التي في الكون ، فيها إشارة إلى يد القدرة العليا التي تمسك بزمام هذا الكون ، وتحفظ نظامه ، وتدل بما فيه من نظام وإحكام على قدرة القدير ، وحكمة العزيز ، ومن التسبيح بلسان الحال : ارتفاع السماء ، وحركة الشمس والقمر ، والليل والنهار ، والنجوم والأبراج والأفلاك ، وجميع ذرات الأرضين ، وما فيها من جبال وبحار ، وشجر ودواب وغير ذلك ، كلها مسبحة خاشعة خاضعة لذاته .

قال تعالى : { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . . . } ( الإسراء : 44 )

قال المفسرون : قد جاء في بعض فواتح السور ( سبّح لله ) بلفظ الماضي ، وفي بعضها ( يسبح لله ) بلفظ المضارع ، وفيه إشارة إلى كون جميع الأشياء مسبحة لله أبدا في الماضي ، وستكون مسبحة في المستقبل .

قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ . . . } ( الحج : 18 )

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الحديد

أخرج جماعة عن ابن عبس أنها نزلت بالمدينة وقال النقاش وغيره : هي مدنية بإجماع المفسرين ولم يسلم له فقد قال قوم : إنها مكية نعم الجمهور كما قال ابن الفرس على ذلك . وقال ابن عطية : لا خلاف أن فيها قرآنا مدنيا لكن يشبه أن يكون صدرها مكيا ويشهد لها ما أخرجه البزار في مسنده والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي وابن عساكر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه دخل على أخته قبل أن يسلم فإذا صحيفة فيها أول سورة الحديد فقرأه حتى بلغ ( آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) فأسلم ويشهد لمكية آيات أخر ما أخرج مسلم والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن ابن مسعود ما كان بين إسلامنا ويسن أن عاتبنا الله تعالى بهذه الآية ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) إلا أربع سنين وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وغيرهما عن عبد الله بن الزبير أن ابن مسعود أخبره أنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله تعالى بها إلا أربع سنين ( ولا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل ) الآية لكن سيأتي إن شاء الله تعالى آثار تدل على مدنية ما ذكر ولعلها لا تصلح للمعارضة . ونزلت يوم الثلاثاء على ما أخرج الديلمي عن جابر مرفوعا لا تحتجموا يوم الثلاثاء فإن سورة الحديد أنزلت علي يوم الثلاثاء وفيه أيضا خبر رواه الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بسند ضعيف وهي تسع وعشرون آية في العراقي وثمان وعشرون في غيره ووجه اتصالها بالواقعة أنها بدئت بذكر التسبيح وتلك ختمت بالأمرية وكان أولها واقعا موقع العلة للأمرية فكأنه قيل : ( سبح باسم ربك العظيم ) لأنه سبح له ما في السماوات والأرض وجاء في فضلها مع أخواتها ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد وقال : إن فيهن آية أفضل من ألف آية وأخرج ابن الضريس نحوه عن يحيى بن أبي كثير ثم قال : قال يحيى : نراها الآية التي في آخر الحشر

{ سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض } التسبيح على المشهور تنزيه الله تعالى اعتقاداً وقولاً وعملاً عما لا يليق بجنابه سبحانه من سبح في الأرض والماء إذا ذهب وأبعد فيهما ، وحيث أسند ههنا إلى غير العقلاء أيضاً فإن ما في السماوات والأرض يعم جميع ما فيهما سواء كان مستقراً فيهما أو جزءاً منهما بل المراد بما فيهما الموجودات فيكون أظهر في تناول السماوات والأرض ويتناول أيضاً الموجودات المجردة عند القائل بها ، قال الجمهور : المراد به معنى عام مجازي شامل لما نطق به لسان المقال كتسبيح الملائكة والمؤمنين من الثقلين ، ولسان الحال كتسبيح غيرهم فإن كل فرد من أفراد الموجودات يدل بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم الواجب الوجود المتصف بكل كمال المنزه عن كل نقص ، وذهب بعض إلى أن التسبيح على حقيقته المعروفة في الجميع وهو مبني على ثبوت النفوس الناطقة والإدراك لسائر الحيوانات والجمادات على ما يليق بكل ، وقد صرح به جمع من الصوفية فتسبيح كل شيء عندهم قالي وإن تفاوت الأمر ، وقيل : معنى سبح حمل رائيه العاقل على قول سبحان الله تعالى ونبهه عليه وهو كما ترى ، ومن يجوز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معاً لا يحتاج إلى عموم المجاز ، وجوز الطبرسي كون { مَا } للعالم فقط مثلها في قول أهل الحجاز كما حكى أبو زيد عند سماع الرعد سبحان { مَا } سبحت له ولا يخفى أن عمومها العالم وغيره أولى ، والظاهر أنها في الوجهين موصولة ، وقال بعضهم : إنها نكرة موصوفة وأن أصل الكلام ما في السماوات وما في الأرض ثم حذفت { مَا } الثانية وأقيمت صفتها مقامها ، ولا يحسن أن تكون موصولة لأن الصلة لا تقوم مقام الموصول عند البصريين وتقوم الصفة مقام الموصوف عند الجميع ، والحمل على المتفق عليه أولى من الحمل على المختلف فيه وكون المذكورة موصولة والمحذوفة نكرة موصوفة مما لا وجه له انتهى .

وأنت تعلم أن حذف الموصول الصريح في مثل ذلك أكثر من أن يحصى وجيء باللام مع أن التسبيح متعد بنفسه كما في قوله تعالى : { وَتُسَبّحُوهُ } للتأكيد فهي مزيدة لذلك كما في نصحت له وشكرت له ، وقيل : للتعليل والفعل منزل منزلة اللازم أي فعل التسبيح وأوقعه لأجل الله تعالى وخالصاً لوجهه سبحانه ، وفيه شيء لا يخفى ، وعبر بالماضي هنا وفي بعض الأخوات وبالمضارع في البعض الآخر إيذاناً بتحقق التسبيح في جميع الأوقات ، وفي كل دلالة على أن من شأن ما أسند إليه التسبيح أن يسبحه وذلك هجيراه وديدنه ، أما دلالة المضارع عليه فللدلالة على الاستمرار إلى زمان الأخبار وكذلك فيما يأتي من الزمان لعموم المعنى المقتضى للتسبيح وصلوح اللفظ لذلك حيث جرد عن الدلالة على الزمان وأوثر على الاسم دلالة على تجدد تسبيح غبّ تسبيح ، وأما دلالة الماضي فللتجرد عن الزمان أيضاً مع التحقيق الذي هو مقتضاه فيشمل الماضي من الزمان ومستقبله كذلك ، وقيل : الإيذان والدلالة على الاستمرار مستفادان من مجموعي الماضي والمضارع حيث دل الماضي على الاستمرار إلى زمان الإخبار والمضارع على الاستمرار في الحال والاستقبال فشملا معاً جميع الأزمنة ، وقال الطيبي : افتتحت بعض السور بلفظ المصدر وبعض بالماضي وبعض بالمضارع وبعض بالأمر فاستوعب جميع جهات هذه الكلمة إعلاماً بأن المكونات من لدن إخراجها من العدم إلى الوجود إلى الأبد مسبحة مقدسة لذاته سبحانه وتعالى قولاً وفعلاً طوعاً وكرهاً { وَإِن مّن شيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } [ الاسراء : 44 ] { وَهُوَ العزيز } القادر الغالب الذي لا ينازعه ولا يمانعه شيء { الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة ، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله مشعر بعلة الحكم وكذا قوله تعالى : { لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض }