مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} (27)

قوله تعالى : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء }

اعلم أنه تعالى لما بين أن صفة الكلمة الطيبة أن يكون أصلها ثابتا ، وصفة الكلمة الخبيثة أن لا يكون لها أصل ثابت بل تكون منقطعة ولا يكون لها قرار ذكر أن ذلك القول الثابت الصادر عنهم في الحياة الدنيا يوجب ثبات كرامة الله لهم ، وثبات ثوابه عليهم ، والمقصود : بيان أن الثبات في المعرفة والطاعة يوجب الثبات في الثواب والكرامة من الله تعالى ، فقوله : { يثبت الله } أي على الثواب والكرامة ، وقوله : { بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } أي بالقول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا .

ثم قال : { ويضل الله الظالمين } يعني كما أن الكلمة الخبيثة ما كان لها أصل ثابت ولا فرع باسق ، فكذلك أصحاب الكلمة الخبيثة وهم الظالمون يضلهم الله عن كراماته ويمنعهم عن الفوز بثوابه ، وفي الآية قول آخر وهو القول المشهور أن هذه الآية وردت في سؤال الملكين في القبر ، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال وتثبيته إياه على الحق . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } قال : « حين يقال له في القبر من ربك وما دينك ؟ ومن نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم » والمراد في الباء في قوله : { بالقول الثابت } هو أن الله تعالى إنما ثبتهم في القبر بسبب مواظبتهم في الحياة الدنيا على هذا القول ، ولهذا الكلام تقرير عقلي وهو أنه كلما كانت المواظبة على الفعل أكثر كان رسوخ تلك الحالة في العقل والقلب أقوى ، فكلما كانت مواظبة العبد على ذكر لا إله إلا الله وعلى التأمل في حقائقها ودقائقها أكمل وأتم ، كان رسوخ هذه المعرفة في عقله وقلبه بعد الموت أقوى وأكمل . قال ابن عباس : من داوم على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها ، وإنما فسر الآخرة ههنا بالقبر ، لأن الميت انقطع بالموت عن أحكام الدنيا ودخل في أحكام الآخرة وقوله : { ويضل الله الظالمين } يعني أن الكفار إذا سئلوا في قبورهم قالوا : لا ندري ، وإنما قال ذلك لأن الله أضله ، وقوله : { ويفعل الله ما يشاء } يعني إن شاء هدى وإن شاء أضل ولا اعتراض عليه في فعله البتة .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} (27)

بالقول الثابت وهو البقاء على الاستقامة ، وترك العِوَج .

ويقال القول الثابت هو الشهادة الضرورية عن صفاء العقيدة وخلوص السريرة .

ويقال القول الثابت هو بنطق القلوب لا بذكر اللسان .

ويقال القول الثابت هو قول الله العزيز القديم الذي لا يجوز عليه الفناء والبطول فهو بالثبوت أَوْلَى من قول العبد ؛ لأن قولَ العبد أَثَرٌ ، والآثار لا يجوز عليها الثبوت والبقاء وإنما يكون باقياً حُكْماَ ثباتُ العبد لقول الله ؛ وهو حكمه بالإيمان وأخباره أنه مؤمن وتسميته بالإيمان . وقول الله لا يزول ؛ ففي الدنيا يثبتُه حتى لا بِدْعَةَ تعتريه ، وفي الآخرة يثبتُه برسله من الملائكة ، وفي القيام يثبتُه عند السؤال والمحاسبة وفي الجنة يثبتُه لأنه لا يزول حمد العبد لله ، ومعرفته به ، وإذا تنوعت عليه الخواطر ورفع إليه- سبحانه - دعاءَه ثَبَّتَه حتى لا يحيد عن النهج المستقيم والدين القويم .

ويقال إذا دَعَتْه الوساوسُ إلى متابعةِ الشيطان ، وصيَّرتْه الهواجسُ إلى موافقة النَّفْس فالحق يثبته على موافقة رضاه .

ويقال إذا دَعَتْه دواعي المحبة من كل جنس كمحبة الدنيا ، أو محبة الأولاد والأقارب والأموال والأحباب أعانه الحقُّ على اختيار النجاة منها ، فيترك الجميع ، ولا يتَحسَّسُ إلا دواعيَ الحقِّ - سبحانه - كما قيل :

إذا ما دَعَتْنا حاجةٌ كي تردَّنا *** أبيْنا وقلنا : مطلبُ الحقِّ أَوَّلا

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} (27)

المفردات :

بالقول الثابت : بكلمة التوحيد .

التفسير :

{ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة . . . }الآية .

هذا من فضل الله ونعمائه على المؤمنين ، الذين استقر الإيمان في قلوبهم ، فهؤلاء يمدهم الله بعونه وتثبيته ؛ فلا تغريهم الفتنة ، ولا المال ولا المنصب ولا الجاه ، ولا يؤثرون الدنيا على الآخرة .

انظر إلى بلال وصهيب وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانظر إلى الدعاة والهداة والأئمة في التاريخ القديم والحديث ، هؤلاء جميعا ثبتهم الله على الدين والإيمان ، والتوحيد في الحياة الدنيا .

{ وفي الآخرة } . عند خروج الروح ، وعند سؤال القبر ، وعند البعث والحشر والحساب ، والميزان والصراط ، في هذه المواقف يثبتهم الله على الإيمان ، وعلى شهادة : ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ورد في الحديث الصحيح . 18 .

ومن هذا التثبيت : أن روحه تخرج على التوحيد ، وأنه يسأل في قبره فيقول : الله ربي ، والإسلام ديني ، ومحمد رسولي ، ثم يفتح له في قبره باب إلى الجنة .

{ ويضل الله الظالمين } ؛ لأنهم اختاروا الضلال على الهدى ، ومالوا مع شهوات النفس ، وآثروا العاجلة على الآجلة ، قال تعالى : { فأما من طغى* وآثر الحياة الدنيا* فإن الجحيم هي المأوى } . ( النازعات : 37 39 ) .

{ ويفعل الله ما يشاء } . من تثبيت المؤمنين ؛ جزاء ثباتهم على إيمانهم ، ومن إضلال الكافرين ؛ جزاء ضلالهم وكفرهم ، فلا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة ، وله الحكم في الأولى والآخرة ، لا معقب لأمره ، ولا رادّ لقضائه ، ومن مشيئته : تثبيت المؤمنين ومثوبتهم ، وخذلان أهل الكفار وعقابهم . { ولا يظلم ربك أحدا } . ( الكهف : 49 ) .

قال تعالى : { ونفس وما سواها* فألهمها فجورها وتقواها* قد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها } . ( الشمس : 710 ) .

من هدي السنة

روى الشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( المسلم إذا سئل في القبر ؛ يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فذلك قوله تعالى : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } )19 .

وأخرج الشيخان20 وغيرهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه ، وإنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا أتاه ملكان فيقعدانه ، فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله ، فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا ، ويفتح له من قبره إليه ، وأما الكافر أو المنافق فيقول : لا أدري كنت أقول كما يقول الناس ! فيقال : لا دريت ولا تليت ! ثم يضرب بمطرقة من حديد ، ضربة بين أذنيه ؛ فيصيح صيحة فيسمعها من يليه إلا الثقلين )21 .

من زبدة التفسير من فتح القدير للشوكاني :

{ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } . وهي : الكلمة الطيبة المتقدم ذكرها : كلمة الشهادة " شهادة ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله " ، وسائر الكلام الحق ، فإن الآخذين بها يدومون على القول الثابت .

{ في الحياة الدنيا وفي الآخرة } . وقت المساءلة في القبر ويوم القيامة ، والمراد : أنهم إذا سئلوا عن معتقدهم ودينهم ، أوضحوا ذلك بالقول الثابت من دون تلعثم ، ولا تردد ولا جهل ، كما يقول من لم يوفق : لا أدري ؛ فيقال له : لا دريت ولا تليت .

{ ويضل الله الظالمين } . أي : يضلهم عن حجتهم فلا يقدرون على التكلم بها في قبورهم ولا عند الحساب22 .