مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (2)

أما قوله جل جلاله { الحمد لله } فاعلم أن الحمد إنما يكون حمدا على النعمة ، والحمد على النعمة لا يمكن إلا بعد معرفة تلك النعمة ، لكن أقسام نعم الله خارجة عن التحديد والإحصاء ، كما قال تعالى : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ولنتكلم في مثال واحد ، وهو أن العاقل يجب أن يعتبر ذاته ، وذلك لأنه مؤلف من نفس وبدن ؛ ولا شك أن أدون الجزأين وأقلهما فضيلة ومنفعة هو البدن ؛ ثم إن أصحاب التشريح وجدوا قريبا من خمسة آلاف نوع من المنافع والمصالح التي دبرها الله عز وجل بحكمته في تخليق بدن الإنسان ، ثم إن من وقف على هذه الأصناف المذكورة في كتب التشريح عرف أن نسبة هذا القدر المعلوم المذكور إلى ما لم يعلم وما لم يذكر كالقطرة في البحر المحيط ، وعند هذا يظهر أن معرفة أقسام حكمة الرحمان في خلق الإنسان تشتمل على عشرة آلاف مسألة أو أكثر ، ثم إذا ضمت إلى هذه الجملة آثار حكم الله تعالى في تخليق العرش والكرسي وأطباق السماوات ، وأجرام النيرات من الثوابت والسيارات ، وتخصيص كل واحد منها بقدر مخصوص ولون مخصوص وغير مخصوص ، ثم يضم إليها آثار حكم الله تعالى في تخليق الأمهات والمولدات من الجمادات والنباتات والحيوانات وأصناف أقسامها وأحوالها -علم أن هذا المجموع مشتمل على ألف ألف مسألة أو أكثر أو أقل ، ثم إنه تعالى نبه على أن أكثرها مخلوق لمنفعة الإنسان ، كما قال تعالى : { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض } وحينئذ يظهر أن قوله جل جلاله : { الحمد لله } مشتمل على ألف ألف مسألة ، أو أكثر أو أقل .

وأما قوله جل جلاله : { رب العالمين } فاعلم أن قوله : { رب } مضاف وقوله : { العالمين } مضاف إليه ، وإضافة الشيء إلى الشيء تمتنع معرفتها إلا بعد حصول العلم بالمتضايفين ، فمن المحال حصول العلم بكونه تعالى ربا للعالمين إلا بعد معرفة رب والعالمين ، ثم أن العالمين عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى ، وهي على ثلاثة أقسام : المتحيزات ، والمفارقات ، والصفات ، أما المتحيزات فهي إما بسائط أو مركبات ، أو البسائط فهي الأفلاك والكواكب والأمهات ، وأما المركبات فهي المواليد الثلاثة ، واعلم أنه لم يقم دليل على أنه لا جسم إلا هذه الأقسام الثلاثة ، وذلك لأنه ثبت بالدليل أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له ، وثبت بالدليل أنه تعالى قادر على جميع الممكنات ، فهو تعالى قادر على أن يخلق ألف ألف عالم خارج العالم ، بحيث يكون كل واحد من تلك العوالم أعظم وأجسم من هذا العالم ، ويحصل في كل واحد منها مثل ما حصل في هذا العالم من العرش والكرسي والسماوات والأرضين والشمس والقمر ، ودلائل الفلاسفة في إثبات أن العالم واحد دلائل ضعيفة ركيكة مبنية على مقدمات واهية ؛ قال أبو العلاء المعري :

يا أيها الناس كم لله من فلك *** تجري النجوم به والشمس والقمر

هين على الله ماضينا وغابرنا *** فما لنا في نواحي غيره خطر

ومعلوم أن البحث عن هذه الأقسام التي ذكرناها للمتحيزات مشتمل على ألوف ألوف من المسائل ، بل الإنسان لو ترك الكل وأراد أن يحيط علمه بعجائب المعادن المتولدة في أرحام الجبال من الفلزات والأحجار الصافية وأنواع الكباريت والزرانيخ والأملاح ، وأن يعرف عجائب أحوال النبات مع ما فيها من الأزهار والأنوار والثمار ، وعجائب أقسام الحيوانات من البهائم والوحوش والطيور والحشرات -لنفد عمره في أقل القليل من هذه المطالب ، ولا ينتهي إلى غورها كما قال تعالى : { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } وهي بأسرها وأجمعها داخلة تحت قوله { رب العالمين } .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (2)

قوله جل ذكره : { الحَمْدُ للهِ } .

حقيقة الحمد الثناء على المحمود ، بذكر نعوته الجليلة وأفعاله الجميلة ، واللام ها هنا للجنس ، ومقتضاها الاستغراق ؛ فجميع المحامد لله سبحانه إمَّا وصفاً وإمَّا خلقاً ، فله الحمد لظهور سلطانه ، وله الشكر لوفور إحسانه . والحمد لله لاستحقاقه لجلاله وجماله ، والشكر لله لجزيل نواله وعزيز أفضاله ، فحمده سبحانه له هو من صفات كماله وحَوْله ، وحمد الخَلْق له على إنعامه وطوْلِه ، وجلاله وجماله استحقاقه لصفات العلو ، واستيجابه لنعوت العز والسمو ، فله الوجود ( قدرة ) القديم ، وله الجود الكريم ، وله الثبوت الأحدي ، والكون الصمدي ، والبقاء الأزلي ، والبهاء الأبدي ، والثناء الديمومي ، وله السمع والبصر ، والقضاء والقدر ، والكلام والقول ، والعزة والطوْل ، والرحمة والجود ، والعين والوجه والجمال ، والقدرة والجلال ، وهو الواحد المتعال ، كبرياؤه رداؤه ، وعلاؤه سناؤه ، ومجده عزه ، وكونه ذاته ، وأزله أبده ، وقدمه سرمده ، وحقه يقينه ، وثبوته عينه ، ودوامه بقاؤه ، وقدره قضاؤه ، وجلاله جماله ، ونهيه أمره ، وغضبه رحمته ، وإرادته مشيئته ، وهو الملك بجبروته ، والأحد في ملكوته . تبارك الله سبحانه ! ! فسبحانه ما أعظم شأنه !

فصل : عَلمَ الحق سبحانه وتعالى شدة إرادة أوليائه بحمده وثنائه ، وعجزَهم عن القيام بحق مدحه على مقتضى عزه وسنائه فأخبرهم أنه حَمِد نفسه بما افتتح به خطابه بقوله : { الحمد لله } فانتعشوا بعد الذِّلة ، وعاشوا بعد الخمود ، واستقلت أسرارهم لكمال التعزز حيث سمعوا ثناء الحق عن الحق بخطاب الحق ، فنطقوا ببيان الرمز على قضية الأشكال . وقالوا :

ولوجهها من وجهها قمر *** ولعينها من عينها كحل

هذا خطيب الأولين والآخرين ، سيد الفصحاء ، وإمام البلغاء ، لمَّا سمع حمده لنفسه ، ومدحه سبحانه لحقِّه ، علم النبي أن تقاصر اللسان أليق به في هذه الحالة فقال : " لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك " .

داود لو سمعت أذناه قالتَها *** لما ترنّم بالألحان داود

غنت سعاد بصوتها فتخاذلت *** ألحان داود من الخجل

فصل : وتتفاوت طبقات الحامدين لتباينهم في أحوالهم ؛ فطائفة حمدوه على ما نالوا من إنعامه وإكرامه من نوعي صفة نفعِه ودفعِه ، وإزاحته وإتاحته ، وما عقلوا عنه من إحسانه بهم أكثره ما عرفوا من أفضاله معهم قال جل ذكره :{ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا }[ النحل : 18 ] ، وطائفة حمدوه على ما لاح لقلوبهم من عجائب لطائفه ، وأودع سرائرهم من مكنونات بره ، وكاشف أسرارهم به من خفي غيبه ، وأفرد أرواحهم به من بواده مواجده . وقوم حمدوه عند شهود ما كاشفهم به من صفات القدم ، ولم يردوا من ملاحظة العز والكرم إلى تصفح أقسام النعم ، وتأمل خصائص القِسَم ، و( فرق بين ) من يمدحه بعز جلاله وبين من يشكره على وجود أفضاله ، كما قال قائلهم :

وما الفقر عن أرض العشيرة ساقنا *** ولكننا جئنا بلقياك نسعد

وقوم حمدوه مُسْتَهْلَكِين عنهم فيما استنطقوا من عبارات تحميده ، بما اصطلم أسرارهم من حقائق توحيده ، فهم به منه يعبِّرون ، ومنه إليه يشيرون ، يُجري عليهم أحكام التصريف ، وظواهرهم بنعت التفرقة مرعية ، وأسرارهم مأخوذة بحكم جمع الجمع ، كما قالوا :

بيان بيان الحق أنت بيانه *** وكل معاني الغيب أنت لسانه

قوله جل ذكره : { رَبِّ العَالَمِينَ } .

الرب هو السيد ، والعالمون جميع المخلوقات ، واختصاص هذا الجمع بلفظ العالمين لاشتماله على العقلاء والجمادات فهو مالك الأعيان ومُنشيها ، ومُوجِد الرسوم والديار بما فيها .

ويدل اسم الرب أيضاً على تربية الخلق ، فهو مُربٍ نفوس العابدين بالتأييد ومربٍ قلوب الطالبين بالتسديد ، ومربٍ أرواح العارفين بالتوحيد ، وهو مربٍ الأشباح بوجود النِّعم ، ومربٍ الأرواح بشهود الكرم .

ويدل اسم الرب أيضاً على إصلاحه لأمور عباده من ربيت العديم أربه ؛ فهو مصلح أمور الزاهدين بجميل رعايته ، ومصلح أمور العابدين بحسن كفايته ، ومصلح أمور الواجدين بقديم عنايته ، أصلح أمور قوم فاستغنوا بعطائه ، وأصلح أمور آخرين فاشتاقوا للقائه ، وثالث أصلح أمورهم فاستقاموا للقائه ، قال قائلهم :

ما دام عزُّك مسعوداً طوالعه *** فلا أبالي أعاش الناس أم فقدوا