أما قوله جل جلاله : { اهدنا الصراط المستقيم } فاعلم أنه عبارة عن طلب الهداية ، ولتحصيل الهداية طريقان : أحدهما طلب المعرفة بالدليل والحجة ، والثاني : بتصفية الباطن والرياضة ، أما طرق الاستدلال فإنها غير متناهية لأنه لا ذرة من ذرات العالم الأعلى والأسفل إلا وتلك الذرة شاهدة بكمال إلهيته ، وبعزة عزته ، وبجلال صمديته ، كما قيل :
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد
وتقريره : أن أجسام العالم متساوية في ماهية الجسمية ، ومختلفة في الصفات ، وهي الألوان والأمكنة والأحوال ، ويستحيل أن يكون اختصاص كل جسم بصفته المعينة لأجل الجسمية أو لوازم الجسمية ، وإلا لزم حصول الاستواء ، فوجب أن يكون ذلك لتخصيص مخصص وتدبير مدبر ، وذلك المخصص إن كان جسما عاد الكلام فيه ، وإن لم يكن جسما فهو المطلوب ، ثم ذلك الموجود إن لم يكن حيا عالما قادرا ، بل كان تأثيره بالفيض والطبع عاد الإلزام في وجوب الاستواء ، وإن كان حيا عالما قادرا فهو المطلوب ، إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من ذرات السماوات والأرض شاهد صادق ، ومخبر ناطق ، بوجود الإله القادر الحكيم العليم ، وكان الشيخ الإمام الوالد ضياء الدين عمر رحمه الله يقول : أن لله تعالى في كل جوهر فرد أنواعا غير متناهية من الدلائل الدالة على القدرة والحكمة والرحمة ، وذلك لأن كل جوهر فرد فإنه يمكن وقوعه في أحياز غير متناهية على البدل ، ويمكن أيضا اتصافه بصفات غير على البدل ، وكل واحد من تلك الأحوال المقدرة فإنه بتقدير الوقوع يدل على الافتقار إلى وجود الصانع الحكيم الرحيم ، فثبت بما ذكرنا أن هذا النوع من المباحث غير متناه . وأما تحصيل الهداية بطريق الرياضة والتصفية فذلك بحر لا ساحل له ، ولكل واحد من السائرين إلى الله تعالى منهج خاص ، ومشرب معين ، كما قال : { ولكل وجهة هو موليها } ولا وقوف للعقول على تلك الأسرار ، ولا خبر عند الأفهام من مبادئ ميادين تلك الأنوار ، والعارفون المحققون لحظوا فيها مباحث عميقة ، وأسرارا دقيقة ، فلما ترقى إليها أفهام الأكثرين .
الهداية : الإرشاد ، وأصلها الإمالة ، والمهديُّ من عرف الحق سبحانه ، وآثر رضاه ، وآمن به . والأمر في هذه الآية مضمر ؛ فمعناه اهدنا بنا - والمؤمنون على الهداية في الحال - فمعنى السؤال الاستدامة والاستزادة . والصراط المستقيم الطريق الحق وهو ما عليه أهل التوحيد . ومعنى اهدنا أي مِلْ بنا إليك ، وخُذْنا لك ، وكن علينا دليلنا ، ويَسِّرْ إليك سبيلنا ، وأقم لنا هممنا ، واجمع بك همومنا .
فصل : اقطعْ أسرارنا عن شهود الأغيار ، ولوِّح في قلوبنا طوالع الأنوار ، وأفْرِدْ قصودنا إليك عن دَنَس الآثار ، ورقِّنا عن منازل الطلب والاستدلال إلى جَمْع ساحات القُرب والوصال .
فصل : حُلْ بيننا وبين مساكنة الأمثال والأشكال ، بما تلاطفنا به من وجود الوصال ، وتكاشفنا به من شهود الجلال والجمال .
فصل : أرْشِدْنَا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات ، ويقع على وجه التوحيد غبار الظنون وحسبان الإعلال .
اهدنا الصراط المستقيم أي أزِلْ عنَّا ظلمَاتِ أحوالنا لنستضيء بأنوار قُدْسِك عن التفيؤ بظلال طلبنا ، وارفع عنا ظل جهدنا لنستبصر بنجوم جودك ، فنجدك بك .
فصل : اهدنا الصراط المستقيم حتى لا يصحبنا قرين من نزغات الشيطان ووساوسه ، ورفيق من خطرات النفوس وهواجسها ، أو يصدنا عن الوصول تعريج في أوطان التقليد ، أو يحول بيننا وبين الاستبصار ركون لي معتاد من التلقين ، وتستهوينا آفة من نشو أو هوادة ، وظن أو عادة ، وكلل أو ضعف إرادة ، وطمع مالٍ أو استزادة .
فصل : الصراط المستقيم ما عليه من الكتاب والسنة دليل ، وليس للبدعة عليه سلطان ولا إليه سبيل . الصراط المستقيم ما شهدت بصحته دلائل التوحيد ، ونبهت عليه شواهد التحقيق ، الصراط المستقيم ما دَرَجَ عليه سَلَفُ الأمة ، ونطقت بصوابه دلائل العبرة . الصراط المستقيم ما باين الحظوظَ سالكُه ، وفارق الحقوقَ قاصدُه . الصراط المستقيم ما يُفْضِي بسالكه إلى ساحة التوحيد ، ويُشْهِدُ صاحبَه أثرَ العناية والجود ، لئلا يظنَّه موجَبٌ ( ببدل ) المجهود .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.