مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ} (4)

قوله سبحانه { ولم يكن له كفؤا أحد } فيه سؤالان :

السؤال الأول : الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم ، وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه ، فما باله ورد مقدما في أفصح الكلام ؟ ( والجواب ) : هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الله ، واللفظ الدال على هذا المعنى هو هذا الظرف ، وتقديم الأهم أولى ، فلهذا السبب كان هذا الظرف مستحقا للتقديم .

السؤال الثاني : كيف القراءة في هذه الآية ؟ ( الجواب ) : قرئ { كفوا } بضم الكاف والفاء وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء ، والأصل هو الضم ثم يخفف مثل طنب وطنب وعنق وعنق ، وقال أبو عبيدة : يقال كفو وكفء وكفاء كله بمعنى واحد وهو المثل ، وللمفسرين فيه أقاويل ( أحدها ) قال كعب وعطاء : لم يكن له مثل ولا عديل ، ومنه المكافأة في الجزاء لأنه يعطيه ما يساوي ما أعطاه ( وثانيها ) قال مجاهد : لم يكن ( له ) صاحبة كأنه سبحانه وتعالى قال : لم يكن أحد كفؤا له فيصاهره ، ردا على من حكى الله عنه قوله : { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } فتفسير هذه الآية كالتأكيد لقوله تعالى : { لم يلد } ( وثالثها ) : وهو التحقيق أنه تعالى بين لما بين أنه هو المصمود إليه في قضاء الحوائج ونفي الوسائط من البين بقوله : { لم يلد ولم يولد } على ما بيناه ، فحينئذ ختم السورة بأن شيئا من الموجودات يمتنع أن يكون مساويا له في شيء من صفات الجلال والعظمة ، أما الوجود فلا مساواة فيه لأن وجوده من مقتضيات حقيقته فإن حقيقته غير قابلة للعدم من حيث هي هي ، وأما سائر الحقائق ، فإنها قابلة للعدم ، وأما العلم فلا مساواة فيه لأن علمه ليس بضروري ولا باستدلالي ولا مستفاد من الحس ولا من الرؤية ولا يكون في معرض الغلط والزلل وعلوم المحدثات كذلك ، وأما القدرة فلا مساواة فيها وكذا الرحمة والجود والعدل والفضل والإحسان ! واعلم أن هذه السورة أربع آيات ، وفي ترتيبها أنواع من الفوائد :

الفائدة الأولى : أن أول السورة يدل على أنه سبحانه واحد ، والصمد على أنه كريم رحيم لأنه لا يصمد إليه حتى يكون محسنا و{ لم يلد ولم يولد } على أنه غني على الإطلاق ومنزه عن التغيرات فلا يبخل بشيء أصلا ، ولا يكون جوده لأجل جر نفع أو دفع ضر ، بل بمحض الإحسان وقوله : { ولم يكن له كفوا أحد } إشارة إلى نفي ما لا يجوز عليه من الصفات .

الفائدة الثانية : نفى الله تعالى عن ذاته أنواع الكثرة بقوله : { أحد } ونفى النقص والمغلوبية بلفظ الصمد ، ونفى المعلولية والعلية بلم يلد ولم يولد ، ونفى الأضداد والأنداد بقوله : { ولم يكن له كفوا أحد } .

الفائدة الثالثة : قوله { أحد } يبطل مذهب الثنوية القائلين بالنور والظلمة ، والنصارى في التثليث ، والصابئين في الأفلاك والنجوم ، والآية الثانية تبطل مذهب من أثبت خالقا سوى الله لأنه لو وجد خالق آخر لما كان الحق مصمودا إليه في طلب جميع الحاجات ، والثالثة تبطل مذهب اليهود في عزير ، والنصارى في المسيح ، والمشركين في أن الملائكة بنات الله ، والآية الرابعة تبطل مذهب المشركين حيث جعلوا الأصنام أكفاء له وشركاء .

الفائدة الرابعة : أن هذه السورة في حق الله مثل سورة الكوثر في حق الرسول لكن الطعن في حق الرسول كان بسبب أنهم قالوا : إنه أبتر لا ولد له ، وههنا الطعن بسبب أنهم أثبتوا لله ولدا ، وذلك لأن عدم الولد في حق الإنسان عيب ووجود الولد عيب في حق الله تعالى ، فلهذا السبب قال ههنا : { قل } حتى تكون ذابا عني ، وفي سورة : { إنا أعطيناك } أنا أقول ذلك الكلام حتى أكون أنا ذابا عنك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ} (4)

تقديره :لم يكن أحدٌ كفواً له .

و " أحد " أصله وَحْدٌ ، ووِحَدٌ وواحد بمعنًى ، وكونه واحداً : أنه لا قسيمَ له ، ولا شبيهَ له ، ولا شريكَ له .

ويقال : السورة بعضها تفسيرٌ لبعض ؛ مَنْ هو الله ؟ هو الله ، مَنْ الله ؟ الأحد ، مَنْ الأحد ؟ الصمد ، مَنْ الصمد ؟ الذي لم يلد ولم يولد ، مَنْ الذي لم يلد ولم يولَد ؟ الذي لم يكن له كفواً أحد .

ويقال : كاشَفَ الأسرارَ بقوله : " هو " . وكاشَفَ الأرواحَ بقوله : " الله " ، وكاشَفَ القلوبَ بقوله : " أحد " . وكاشَفَ نفوسَ المؤمنين بباقي السورة .

ويقال : كاشَفَ الوالهين بقوله : " هو " ، والموحَّدين بقوله : " الله " ، والعارفين بقوله : " أحد " ، والعلماء بقوله : " الصمد " ، والعقلاء بقوله : { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } . إلى آخره .

ويقال : لمَّا بسطوا لسانَ الذمِّ في الله أمَرَ نبيَّنا بأنْ يَرُدَّ عليهم فقال : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } . أي ذُبَّ عني ما قالوا ، فأنت أولى بذلك . وحينما بسطوا لسان الذمِّ في النبيِّ صلى الله عليه وسلم تولَّى الحقُّ الردَّ عليهم . فقال : { ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ } [ القلم :1 ، 2 ] ، وقال : { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } [ النجم :1 ، 2 ] ، أي أنا أذبُّ عنك ؛ فأنا أولى بذلك منك .

ويقال : خاطَبَ الذين هم خاص الخواص بقوله : " هو " فاستقلوا ، ثم زاد لمن نزل عنهم فقال : " الله " ، ثم زاد في البيان لمن نزل عنهم ، فقال : " أحدٌ " ، ثم لمن نزل عنهم فقال : " الصمد " .

ويقال : الصمدُ الذي ليس عند الخَلْقُ منه إلا الاسم والصفة .

ويقال : الصمدُ الذي تقدَّس عن إحاطةِ عِلْمِ المخلوقِ به ، وعن إدراك بَصَرهم له ، وعن إشرافِ معارفهم عليه .

ويقال : تقدَّسَ بصمديته عن وقوف المعارف عليه .

ويقال : تنَزَّه عن وقوف العقول عليه .