مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ} (32)

أما قوله تعالى : { أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء } فاعلم أن الله تعالى قد عبر عن هذا المعنى بثلاث عبارات أحدها : هذه وثانيها : قوله في { واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء } وثالثها : قوله في النمل { وأدخل يدك في جيبك } قال العزيزي في غريب القرآن : { اسلك يدك في جيبك } أدخلها فيه .

أما قوله : { واضمم إليك جناحك من الرهب } فأحسن الناس كلاما فيه ، قال صاحب الكشاف : فيه معنيان أحدهما : أن موسى عليه السلام لما قلب الله له العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء ، فقيل له إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء ، فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى ، والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر ، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه . الثاني : أن يراد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعاره من فعل الطائر ، لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران ، ومعنى قوله : { من الرهب } من أجل الرهب ، أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك وقوله : { اسلك يدك في جيبك } على أحد التفسيرين واحد ، ولكن خولف بين العبارتين ، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين ، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني إخفاء الرهب ، فإن قيل قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموما وفي الآخر مضموما إليه ، وذلك قوله : { واضمم إليك جناحك } وقوله : { واضمم يدك إلى جناحك } فما التوفيق بينهما ؟ قلنا المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى ، وبالمضموم إليه اليد اليسرى ، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح ، هذا كله كلام صاحب الكشاف وهو في نهاية الحسن .

أما قوله تعالى : { فذانك } قرئ مخففا ومشددا ، فالمخفف مثنى ( ذا ) ، والمشدد مثنى ( ذان ) ، قوله : { برهانان من ربك } حجتان نيرتان على صدقه في النبوة وصحة ما دعاهم إليه من التوحيد ، وظاهر الكلام يقتضي أنه تعالى أمره بذلك قبل لقاء فرعون حتى عرف ما الذي يظهره عنده من المعجزات ، لأنه تعالى حكى بعد ذلك عن موسى عليه السلام أنه قال : { إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون } قال القاضي : وإذا كان كذلك فيجب أن يكون في حال ظهور البرهانين هناك من دعاه إلى رسالته من أهله أو غيرهم ، إذ المعجزات إنما تظهر على الرسل في حال الإرسال لا قبله ، وإنما تظهر لكي يستدل بها غيرهم على الرسالة وهذا ضعيف ، لأنه ثبت أنه لابد في إظهار المعجزة من حكمة ولا حكمة أعظم من أن يستدل بها الغير على صدق المدعي ، وأما كونه لا حكمة ههنا فلا نسلم ، فلعل هناك أنواعا من الحكم والمقاصد سوى ذلك ، لاسيما وهذه الآيات متطابقة على أنه لم يكن هناك مع موسى عليه السلام أحد .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ} (32)

قيل له : اسلُكْ يَدَكَ في جيبك ، لأنَّ المدرعةَ التي كانت عليه لم يكن لها كُم . وفي هذا إِشارة إلى أنه ينبغي على المرء للوصول إلى مراده ومقصوده أن يتشمَّر ، وأن يجِدَّ ، وأن يُخْرجَ يَدَه من كُمِّه . وأنه قال لموسى : أدْخِلْ يَدَكَ في جيبك تخرج بيضاءَ ، وألق عصاكَ نجعلْها ثعباناً ، بلا ضَرْبِكَ بها ، وبلا استعمالِك لها يا موسى : الأمرُ بِنَا لا بِكَ ، وأنا لا أنت .

{ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ } : يا موسى ، في وصف خضوعك تَجِدني ، وبتبرِّيكَ عن حَوْلِكَ وَقُوَّتِك تَصِل إليَّ .