مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (101)

ثم قال : { ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم } والمقصود : إنه لما ذكر الوعيد أردفه بهذا الوعد ، والمعنى : ومن يتمسك بدين الله ، ويجوز أن يكون حثا لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار والاعتصام في اللغة الاستمساك بالشيء وأصله من العصمة ، والعصمة المنع في كلام العرب ، والعاصم المانع ، واعتصم فلان بالشيء إذا تمسك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في آفة ، ومنه قوله تعالى : { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } [ يوسف : 32 ] قال قتادة : ذكر في الآية أمرين يمنعان عن الوقوع في الكفر أحدهما : تلاوة كتاب الله والثاني : كون الرسول فيهم ، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد مضى إلى رحمة الله ، وأما الكتاب فباق على وجه الدهر .

وأما قوله { فقد هدى إلى صراط مستقيم } فقد احتج به أصحابنا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ، قالوا : لأنه جعل اعتصامهم هداية من الله ، فلما جعل ذلك الاعتصام فعلا لهم وهداية من الله ثبت ما قلناه ، أما المعتزلة فقد ذكروا فيه وجوها الأول : أن المراد بهذه الهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات كما قال تعالى : { يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } [ المائدة : 16 ] وهذا اختاره القفال رحمه الله والثاني : أن التقدير من يعتصم بالله فنعم ما فعل فإنه إنما هدي إلى الصراط المستقيم ليفعل ذلك الثالث : أن من يعتصم بالله فقد هدي إلى طريق الجنة والرابع : قال صاحب «الكشاف » { فقد هدى } أي فقد حصل له الهدى لا محالة ، كما تقول : إذا جئت فلانا فقد أفلحت ، كأن الهدى قد حصل فهو يخبر عنه حاصلا وذلك لأن المعتصم بالله متوقع للهدى كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (101)

لا ينبغي لمن أشرقت في قلبه شموسُ العرفان أن يوقع الكفرُ عليه ظِلَّه ، فإنه إذا أقبل النهارُ من ها هنا أدبر الليل من ها هنا .

وقوله : { وَمَن يَعْتَصِم } الآية إنما يعتصم بالله مَنَّ وَجَدَ العصمة من الله ، فأمَّا مَنْ لم يَهْدِه الله فمتى يعتصم بالله ؟ فالهدايةُ منه في البداية توجِبُ اعتصامك في النهاية ، لا الاعتصام منك يوجب الهداية .

وحقيقةُ الاعتصام صدق اللُّجوء إليه ، ودوامُ الفرار إليه ، واستصحاب الاستغاثة إليه . ومَنْ كشف عن سِرِّه غطاء التفرقة تحقق بأنه لا لغير الله ذرة أو منه سينة ، فهذا الإنسان يعتصم به ممن يُعْتَصَمُ به ؛ قال سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وعلى آله : { أَعُوذُ بِكَ مِنْ } .

ومَنْ اعتصم بنفسه دون أن يكون محواً عن حوله وقوته في اعتصامه - فالشِرْكُ وطنُه وليس يشعر .